10 دقائق للتوصيل: هل هي كافية لإعادة تعريف تجارة البقالة؟

بقلم إسلام زوين، الرئيس التنفيذي لأرقام

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، أصبحت العلاقة مع العميل محور المنافسة في قطاع البقالة.

لطالما اعتمدنا على عدد الفروع والمبيعات والحصة السوقية لقياس نجاح شركات البقالة. لكن هل كان هذا المقياس صائباً؟

لأن الشركة التي تملك العلاقة مع العميل تستطيع أن تبني فوقها ما تشاء، بيانات وإعلانات وخدمات متجددة. أما التي لا تملك هذه العلاقة، فقد تجد نفسها مع الوقت مجرد مورد بضاعة داخل منصة يملك غيرها قرارها وعميلها وبياناتها. هذا التحوّل لم يحدث في يوم واحد. فالقطاعات لا تتغير بقرار مفصلي واحد، بل بتراكم إشارات تبدو في ظاهرها متفرقة وغير مترابطة، حتى يأتي يوم ويتضح أنها كانت تشير إلى الاتجاه ذاته طوال الوقت. وهذا بالضبط ما رصدناه في أرقام إنتلجينس خلال الأشهر الماضية، إذ تابعنا عدداً من الصفقات والاتجاهات التي بدت في البداية كل منها قصة مستقلة بسياقها الخاص، لكنها حين تُقرأ معاً، تكشف عن تحوّل أعمق يسري في صميم قطاع البقالة والتوصيل السريع عند الطلب. استعرضنا استحواذ منصة طلبات على منصة إنستاشوب لتوصيل البقالة، ثم استحواذ منصة جاهز على منصة سنونو للتوصيل السريع. وتوقفنا عند مفهوم اقتصاد المستأجرين، وكيف باتت القيمة في كثير من الصناعات تنتقل تدريجياً من امتلاك الأصل المادي إلى امتلاك العلاقة المباشرة مع العميل، وما يترتب على ذلك من معرفة عميقة بالعميل، وإيرادات تتجدد دون الحاجة إلى استقطابه من جديد في كل مرة، وقدرة متنامية على بناء خدمات وأنشطة جديدة فوق هذه العلاقة كلما امتدت وترسّخت. قرأنا كل قصة في سياقها ومنطقها الخاص، ثم أدركنا أن تلك القصص مجتمعة كانت تحكي قصة تحول أكبر في قطاع واحد. ففي الوقت الذي تواجه فيه سلاسل البقالة التقليدية ضغوطاً متزايدة على النمو والهوامش، يواصل قطاع التجارة السريعة جذب الاستثمارات والتوسع رغم استمرار التحديات المتعلقة بالربحية. وفي السعودية، لم يعد الحديث يقتصر على اللاعبين التقليديين، بل برزت نماذج جديدة مثل نينجا، التي أصبحت خلال فترة وجيزة لاعباً يصعب تجاهله في سوق توصيل البقالة. وربما كان أكثر ما لفت انتباهي هو أن النقاش السائد لا يزال يختزل هذا التحوّل في ثنائية بسيطة: الأسرع في التوصيل يفوز. وفي رأيي، هذه قراءة ترى المنتج ولا ترى نموذج العمل. فالفارق الحقيقي لا يُقاس بالدقائق التي يستغرقها التوصيل، بل بمن يملك العلاقة اليومية مع العميل. لسنوات طويلة، تنافست شركات التجزئة على مواقع الفروع، ومساحات العرض، والقدرة على التفاوض مع الموردين. أما اليوم، فيبدو أن المنافسة تنتقل تدريجياً إلى شاشة الهاتف، حيث تُبنى العلاقة مع العميل، وتُجمع البيانات، وتُخلق مصادر جديدة للإيرادات تتجاوز بيع المنتجات نفسها. ومن هنا جاءت فكرة هذا العدد. بدلاً من ملاحقة الأخبار حدثاً بحدث، قرر فريق أرقام إنتلجينس أن يتوقف ويسأل السؤال الأهم: هل تُعيد التجارة السريعة رسم اقتصاديات قطاع البقالة من جذوره؟ للإجابة، ننشر هذا الأسبوع دراستين متكاملتين تقرآن المشهد من زاويتين مختلفتين لكنهما تلتقيان عند خلاصة واحدة: تقدم الأولى قراءة شاملة لتطور قطاع التجارة السريعة عالمياً ، وكيف انتقلت الأسواق من تمويل النمو بأي ثمن إلى التركيز على اقتصاديات الوحدة، والانضباط الرأسمالي، والربحية المستدامة، تحت عنوان: ١٠ دقائق للتوصيل… أين الأرباح؟ (قراءة في نماذج التجارة السريعة وتقييماته) أما الدراسة الثانية، فتأخذ هذه الفرضية إلى عمق أكبر من خلال تحليل نموذجي أعمال زيبتو ، إحدى أسرع شركات التجارة السريعة نمواً في العالم، والعثيم، لفهم ما إذا كانت مؤشرات التشغيل الراهنة تعكس فعلاً اقتراب هذا النموذج من تحقيق ربحية مستدامة — وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل القطاع برمّته، تحت عنوان: هل تلتهم التجارة السريعة البقالة التقليدية في السعودية؟ (ماذا تكشف اقتصاديات Zepto) وفي سياق الطروحات العامة المرتقبة في قطاع التجارة السريعة في أسواق ناشئة، تقدّم تجربة إحدى المنصات الرقمية التي قررت فجأة تأجيل طرحها العام الذي طال انتظاره، في دول الخليج العربي درساً جديراً بالتأمل: السوق لا يكتفي بأرقام النمو، بل يسأل عن مصدر الخسارة وطبيعتها. وربما يُدرك القراء المتابعون لنا أن ما بين أيديهم اليوم في هذا العدد الجديد من أرقام ويك اند ليس تحليلاً منفرداً، بل هو المحطة التي كانت كل المحطات السابقة تقود إليها. فالدراسات التي أصدرناها حول صفقات الاستحواذ في قطاع التوصيل، ومفهوم اقتصاد المستأجر، كانت جميعها تُحيط بسؤال واحد من زوايا مختلفة دون أن تُسمّيه صراحة. واليوم نُسمّيه. السؤال الحقيقي لم يكن يوماً عن البقالة أو التوصيل — بل عن من يجعل العميل يعود من تلقاء نفسه. ولم يعد الرابح من يبيع أكثر، بل من يعرف عميله أكثر، ويبني فوق هذه المعرفة ما لا يستطيع المنافس تقليده بسهولة.

{{displayname}}

{{profession}}

{{followercount}}

{{aboutme}}

تشير التطورات الأخيرة إلى أن مستقبل قطاع البقالة لن يعتمد على سرعة التوصيل فحسب، بل على امتلاك بيانات العميل وبناء علاقة مستدامة معه. ومع استمرار ضغوط النموذج التقليدي، يبدو أن من ينجح في تحقيق الربحية مع الاحتفاظ بالعميل سيكون الفائز الأكبر في هذه المرحلة. السوق بدأ يسأل عن جودة العلاقة مع العميل ومصدر الخسارة قبل استدامة النمو.