عبارة غيّرت مصير بيزنس .. السيارات الكهربائية لن تتحول أبدًا إلى صناعة جماهيرية

في عام 1995، أطلق المهندس الكيميائي الصيني وانغ تشوان فو شركة بي واي دي (BYD) بهدف واضح: إنتاج بطاريات للهواتف المحمولة. وبعد نجاحه الباهر، فاجأ الأسواق المالية في 2003 بقرار هز الأوساط.

ولم يكن أحد يتوقع آنذاك أن هذه الخطوة ستكون بداية تحول جذري في صناعة السيارات العالمية.

وبدلاً من التمتع بنجاحه المضمون، أقدم تشوان فو فجأة على شراء شركة سيارات حكومية متعثرة اسمها تسينتشاون بمبلغ 84 مليون دولار، الأمر الذي أثار سخرية محللي الأسواق المالية.

ومما زاد الأمر سوءًا هو إعلان المهندس الصيني أن هدفه ليس بناء مركبات تقليدية، بل السيطرة على صناعة السيارات الكهربائية عالميًا.

وسارع المستثمرون إلى معاقبة هذا الطموح فورًا بتسييل أسهمهم ليهبط سهم الشركة بنسبة 21% في ثلاثة أيام فقط، مقتنعين بعبارة: "السيارات الكهربائية لن تصبح صناعة جماهيرية أبدًا"، حيث بدت العبارة في وقتها منطقية للغاية.

فقد كانت السيارات الكهربائية آنذاك باهظة الثمن، ومحدودة المدى، وتحتاج ساعات لإعادة الشحن، مع بنية تحتية للشحن شبه معدومة.

واليوم، تحول هذا الحلم الاستثماري إلى واحدة من أضخم قصص التحول الصناعي في التاريخ الحديث.

من مصنع بطاريات إلى شركة سيارات

تأسست شركة بي واي دي، وهي اختصار لعبارة "ابنِ أحلامك" (Build Your Dreams)، عام 1995 على يد "وانغ تشوان فو"، برأسمال يقدر بنحو 2.5 مليون يوان صيني (كانت تعدل حينها نحو 300 ألف دولار أمريكي)، وبفريق لم يتجاوز 30 موظفًا.

ولم يكن دخول الشركة إلى عالم السيارات ضمن خطتها الأولى؛ إذ ركزت في البداية على تصنيع البطاريات القابلة لإعادة الشحن المستخدمة في الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية.

ورغم أن الشركة كانت لا تمتلك القدرة المالية لشراء الآلات والمعدات اليابانية الآلية المتقدمة لتصنيع بطاريات النيكل والكادميوم، والتي كانت تكلف حينها ملايين الدولارات، إلا أن ابتكار "تشوان فو" لنموذج تشغيلي مختلف مكن الشركة من خفض تكاليف التصنيع.

واعتمد "تشوان فو" على تفكيك العمليات المؤتمتة الصعبة في هذه الصناعة إلى خطوات يدوية بسيطة للغاية، مستغلًا العمالة الوفيرة والرخيصة بالصين، مما مكنه من خفض التكاليف بنسبة تزيد عن 40% مقارنة بالمنافسين اليابانيين مثل سانيو وسوني.

وبحلول عام 2002، كانت بي واي دي قد استحوذت بالفعل على 25% من السوق العالمية لبطاريات الهواتف المحمولة، وأدرجت أسهمها في بورصة هونج كونج، وهو ما مكنها من جمع 400 مليون دولار.

لكن هذا النجاح المالي المستقر واجه هزة عنيفة عندما قرر "تشوان فو" تحويل فائض السيولة النقدية نحو قطاع السيارات الكهربائية الذي لم يكن قد أثبت جدواه التجارية بعد، وهو ما قوبل بغضب المستثمرين.

كما اعتبروا أن توجيه أرباح قطاع البطاريات الناجح لتمويل صناعة سيارات مجهولة هو رهان انتحاري يهدد بقاء الشركة بأكملها.

السير عكس الاتجاه.. مقامرة السيارات الكهربائية

في مطلع الألفية الجديدة، كانت النظرة السائدة تجاه السيارات الكهربائية تتسم بالتشاؤم، ما دفع الكثير من الخبراء إلى الاعتقاد بأن محركات الاحتراق الداخلي ستظل تهيمن لعقود طويلة.

وحتى كبرى شركات السيارات العالمية فضّلت الاستثمار في تطوير محركات البنزين أو السيارات الهجينة، بدلًا من المراهنة على السيارات الكهربائية بالكامل.

فشركة تويوتا، على سبيل المثال، رسخت مكانتها من خلال سيارة بريوس الهجينة، بينما بقيت برامج السيارات الكهربائية لدى معظم الشركات محدودة للغاية.

أما بي واي دي، فقد اختارت مسارًا مختلفًا تمامًا، فقد تبنت استراتيجية تقوم على تطوير وتصنيع البطاريات والمحركات الكهربائية وإلكترونيات الطاقة داخليًا، بل وحتى الرقائق المستخدمة في سياراتها، وهو ما منحها ميزة تنافسية مهمة.

لكن في المقابل تطلبت هذه الاستراتيجية استثمارات ضخمة وسنوات طويلة قبل أن تنعكس على الأرباح.

استثمار وارن بافيت غيّر نظرة المستثمرين

شهدت مسيرة بي واي دي نقطة تحول بارزة عام 2008، عندما استثمرت شركة ميد أمريكان إنرجي، التابعة لمجموعة بيركشاير هاثاواي المملوكة للملياردير "وارن بافيت"، نحو 230 مليون دولار أمريكي مقابل حصة تقارب 10% في الشركة.

وجاءت الصفقة بدفع من المستثمر الشهير "تشارلي مونغر"، الذي وصف مؤسس الشركة "وانغ تشوان فو" بأنه "مزيج بين توماس إديسون وجاك ويلش"، في إشارة إلى قدرته على الجمع بين الابتكار والإدارة الصناعية.

وأثار الاستثمار اهتمام الأسواق العالمية، إذ نادرًا ما كانت بيركشاير هاثاواي تستثمر في شركات تكنولوجيا صينية ناشئة.

وعلى مدى السنوات اللاحقة، بدأت بيركشاير هاثاواي في تقليص حصتها تدريجيًا حتى خرجت من استثمارها بالكامل، محققة أرباحًا ضخمة جعلت الصفقة واحدة من أنجح الاستثمارات في تاريخ قطاع السيارات.

الإنتاج الضخم غيّر قواعد اللعبة

لم يكن التحول الحقيقي في مسيرة بي واي دي مرتبطًا بإطلاق طراز بعينه، بل بقدرتها على الوصول إلى الإنتاج الضخم.

فبدلًا من التركيز على السيارات الكهربائية الفاخرة فقط، كما فعلت تسلا في البداية، اتجهت بي واي دي إلى إنتاج سيارات تغطي شرائح سعرية متعددة، ما سمح بزيادة أحجام الإنتاج وخفض تكلفة البطاريات والسيارات تدريجيًا.

وتزامن ذلك مع تطور سريع في تقنيات البطاريات، إذ كشفت الشركة عام 2020 عن بطارية بليد، التي قدمت مستويات أعلى من الأمان والعمر التشغيلي، مع انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بالعديد من بطاريات الليثيوم التقليدية.

وفي الوقت نفسه، بدأ السوق العالمي يتغير بوتيرة أسرع كثيرًا مما توقعه معظم المحللين.

فوفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية لعام 2026، تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا 20 مليون سيارة خلال عام 2025، بما يعادل واحدة من كل أربع سيارات جديدة بيعت حول العالم.

وبذلك، سجلت المبيعات نموًا للعام الخامس على التوالي، في مؤشر واضح على تسارع التحول نحو المركبات الكهربائية.

بي واي دي تدخل نادي الكبار

مع تسارع انتشار السيارات الكهربائية عالميًا، تحولت بي واي دي من شركة تركز على السوق الصينية إلى واحدة من أكبر شركات السيارات في العالم.

وتجاوزت الشركة أهدافها خلال عام 2024، بعدما باعت أكثر من 4 ملايين مركبة تشمل السيارات الكهربائية بالكامل والسيارات الهجينة القابلة للشحن، لتستحوذ على نحو 15% من إجمالي مبيعات سيارات الركاب في الصين.

كما عكست النتائج المالية حجم هذا التحول؛ إذ سجلت الشركة خلال عام 2024 إيرادات بلغت نحو 107 مليارات دولار أمريكي، بينما تجاوز صافي أرباحها 5.6 مليار دولار، في حين وصلت مبيعاتها السنوية إلى نحو 4.27 مليون سيارة.

ولا يقتصر نشاط بي واي دي على تصنيع سيارات الركاب، بل تنتج أيضًا البطاريات، والحافلات الكهربائية، والشاحنات، والرقائق، وعددًا كبيرًا من المكونات الرئيسية المستخدمة في سياراتها.

وقد منحها هذا المستوى المرتفع من التكامل الرأسي ميزة تنافسية مهمة، وساعدها على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد التي أثرت في العديد من شركات السيارات العالمية مؤخرًا.

من لاعب محلي إلى العالمية

بعد أن كانت مبيعات بي واي دي تتركز في الصين، أصبحت الأسواق الخارجية تمثل أحد أهم محركات نمو الشركة.

فقد توسعت صادراتها إلى مختلف مناطق العالم، بالتوازي مع زيادة استثماراتها في إنشاء مصانع خارج الصين لدعم خططها التوسعية، لتواصل تعزيز حضورها في أسواق مثل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية ومناطق في أفريقيا.

وأدى هذا التوسع إلى زيادة حدة المنافسة مع الشركات التقليدية، ودفع شركات مثل تسلا وغيرها من كبار المصنعين إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير، وتسريع طرح طرازات كهربائية جديدة، وزيادة استثماراتها في التحول نحو المركبات الكهربائية.

وأثبت نجاح بي واي دي أن الفرضية التي سيطرت على الصناعة لسنوات، والقائلة إن السيارات الكهربائية لن تتحول إلى صناعة جماهيرية، كانت في حد ذاتها افتراضًا خاطئًا.

واليوم، أصبحت تلك العبارة مثالًا على أن أكثر الأخطاء تكلفة في عالم الأعمال قد لا يكون التقليل من شأن منافس، وإنما التقليل من سرعة تطور التكنولوجيا، واستعداد المستهلكين لتغيير سلوكهم عندما تصبح الابتكارات أكثر عملية وأقل تكلفة.

المصادر: وكالة الطاقة الدولية- شركة بي واي دي- بورصة هونج كونج- رويترز- شركة بيركشاير هاثاواي- شركة ميد أمريكان إنرجي

{{displayname}}

{{profession}}

{{followercount}}

{{aboutme}}

واليوم، أصبحت بي واي دي واحدة من أبرز شركات السيارات الكهربائية في العالم، محققةً ما بدا مستحيلاً. وتظهر قصتها كيف يمكن للرؤية الجريئة أن تتغلب على الشكوك الأولية، خاصة مع تطور التكنولوجيا ودعم الحكومات للطاقة النظيفة. ويظل السؤال: هل ستنجح الشركات الأخرى في تكرار هذا النموذج؟