اختيارات القراء .. العم سام مستثمر نشط
إن أكثر تسع كلمات مرعبة في اللغة الإنجليزية هي: I'm from the Government, and I'm here to help أو بالعربية "أنا من الحكومة، وقد جئت لمساعدتك". كانت هذه واحدة من أشهر العبارات في تاريخ الفكر الاقتصادي والسياسي، والتي قالها الرئيس الأمريكي الأسبق "رونالد ريجان" في عام 1986. لم تكن نكتة سياسية، بل كانت تلخيصًا لعقيدة اقتصادية تبنتها الولايات المتحدة لعقود، تقوم على أن الأسواق أكثر كفاءة من الحكومات، وأن دور الدولة يجب أن يقتصر على حماية المنافسة وإنفاذ القانون. وتشير بالتبعية إلى أن دور الحكومة لا ي…
اختيارات القراء .. العم سام مستثمر نشط
إن أكثر تسع كلمات مرعبة في اللغة الإنجليزية هي: I'm from the Government, and I'm here to help أو بالعربية "أنا من الحكومة، وقد جئت لمساعدتك".
كانت هذه واحدة من أشهر العبارات في تاريخ الفكر الاقتصادي والسياسي، والتي قالها الرئيس الأمريكي الأسبق "رونالد ريجان" في عام 1986.
لم تكن نكتة سياسية، بل كانت تلخيصًا لعقيدة اقتصادية تبنتها الولايات المتحدة لعقود، تقوم على أن الأسواق أكثر كفاءة من الحكومات، وأن دور الدولة يجب أن يقتصر على حماية المنافسة وإنفاذ القانون.
وتشير بالتبعية إلى أن دور الحكومة لا يجب بحال من الأحوال أن يرتكز على امتلاك الشركات أو توجيه الاستثمار أو اختيار الفائزين والخاسرين في السوق.
وبفضل هذه الفلسفة، صدّرت واشنطن إلى العالم نموذج الرأسمالية الحرة باعتباره الطريق الأمثل للنمو والابتكار، لكن التاريخ يحمل مفارقة لافتة.
فالدولة التي حذرت طويلًا من تدخل الحكومات في الأسواق أصبحت خلال العقدين الأخيرين لاعبًا اقتصاديًا متزايد النفوذ؛ أنقذت مؤسسات مالية وامتلكت حصصًا فيها، واستحوذت على نسب مؤثرة في شركات صناعية.
كما قدمت مليارات الدولارات لدعم القطاعات الواعدة مثل أشباه الموصلات والطاقة والمعادن الاستراتيجية، وظهرت ترتيبات تمنحها حقوقًا خاصة في بعض الشركات والتي قد يكون أحدثها "أوبن إيه آي".
وهي الخطوة التي يرى قراء "أرقام" الأعزاء أنها تمثل تحولًا في دور الدولة من الرقيب والمنظم، إلى المساهم، مع انهيار الثقة في قدرة الحكومة على حماية المنافسة.

فهل تخلت الولايات المتحدة عن الرأسمالية التي بشرت بها، أم أنها تعيد صياغتها في صورة جديدة تفرضها المنافسة مع الصين واعتبارات الأمن القومي؟ أم أنها أصلًا تتجه نحو النموذج الصيني؟
الابتعاد عن الرأسمالية الكلاسيكية
- وضع "آدم سميث" في كتابه "ثروة الأمم" (1776) الأسس المفاهيمية لرأسمالية السوق، ووصف باستعارة "اليد الخفية" كيف أن الأفراد الأنانيين، الساعين وراء مكاسبهم الشخصية، "يُقادون بيد خفية لتحقيق غاية لم تكن ضمن نواياهم" وهي المصلحة العامة.
- وفقًا لمفاهيم "سميث" و"ميلتون فريدمان"، فإن دور الحكومة محدود وإجرائي، يتمثل في حماية حقوق الملكية وإنفاذ العقود (سيادة القانون) وضمان المنافسة وتوفير المنافع العامة (البنية التحتية الأساسية والدفاع)، وتجنب الملكية المباشرة.
- لم يكن الانتقال من الرأسمالية الأمريكية الكلاسيكية إلى الرأسمالية الأمريكية الحديثة خطوة واحدة، بل تراكمًا لأحداثٍ ساهمت فيها الأزمات والجيوسياسة والتكنولوجيا مرارًا وتكرارًا في توسيع النفوذ الاقتصادي للدولة.
تاريخ من التدخلات الحكومية في الاقتصاد
الفترة
ملامح التدخل
1945-1970
السياسة الصناعية في الحرب الباردة
- وزارة الدفاع تقود السياسة الصناعية في قطاعات الطيران والإلكترونيات الدقيقة.
- إنشاء وكالة "ناسا" عام 1958.
- إنفاق نحو 30 مليار دولار على سباق الفضاء.
1970-1979
تدخلات وقت الأزمات
- ضمان قرض لشركة لوكهيد (1971).
- إنقاذ شركة "بين سنترال Penn Central".
- إنقاذ بنك "فرانكلين ناشونال Franklin National".
1989
أزمة الادخار والقروض (S&L Crisis)
- إقرار قانون إصلاح وإنفاذ قوانين المؤسسات المالية (FIRREA).
- تصفية مؤسسة تسوية الأصول "RTC" (أو إعادة هيكلة) أكثر من 1000 مؤسسة مالية.
- تحمل دافعي الضرائب ما بين 132 و160 مليار دولار.
2008
الأزمة المالية العالمية
- إقرار برنامج "TARP" بقيمة 700 مليار دولار.
- إنقاذ شركة "AIG" بحزمة بلغت 182 مليار دولار.
- وضع "فاني ماي" و"فريدي ماك" تحت الوصاية الحكومية.
2009
إنقاذ صناعة السيارات
- إعادة هيكلة "جنرال موتورز".
- امتلاك الحكومة الأمريكية 61% من أسهم الشركة.
- الخسارة النهائية للحكومة بلغت 10.5 مليار دولار.
2020
التحفيز الاقتصادي أثناء جائحة كورونا
- إقرار قانون المساعدة والإغاثة بقيمة 2.2 تريليون دولار.
- برامج إقراض من الاحتياطي الفيدرالي بقدرة تمويلية وصلت إلى 4.5 تريليون دولار.
2022
التحول نحو السياسة الصناعية
- قانون دعم صناعة الرقائق بقيمة 52.7 مليار دولار.
- قانون خفض التضخم لدعم الطاقة النظيفة.
- قانون البنية التحتية والاستثمار في الوظائف بقيمة 1.2 تريليون دولار.
2025
عصر الحكومة كمستثمر نشط
- امتلاك 10% من شركة "إنتل".
- حصول الحكومة على أسهم ذهبية في "يو إس ستيل".
- استثمار 400 مليون دولار في"MP Materials".
- مقترح امتلاك 5% من "أوبن إيه آي".
- إصدار أمر تنفيذي لإنشاء صندوق ثروة سيادي.
العم سام مستثمر نشط
- شهدت الولاية الثانية لإدارة "ترامب" أسلوبًا مختلفًا نوعيًا للتدخل، ووفقًا لمجلس العلاقات الخارجية، ففي الأشهر التسعة التي تلت يناير 2025 (تاريخ التنصيب الرئاسي)، خصصت الحكومة أكثر من 20.9 مليار دولار عبر 16 صفقة.

- استحوذت الحكومة على حصص ملكية في شركات فردية، وهي ممارسة غير مسبوقة خارج فترات الأزمات منذ الحرب العالمية الثانية، وشمل ذلك شركات مثل "إنتل"، و"يو إس ستيل"، و"إم بي ماتيريالز" و"ليثيوم أمريكاز"، و"تريلوجي ميتالز"، وغيرها.
- أخيرًا اقترحت "أوبن إيه آي" منح الحكومة حصة 5% تُقدر قيمتها بنحو 42.6 مليار دولار.
دراسات حالة حول تدخلات إدارة ترامب
الحالة
أسباب التدخل
آلية التدخل
ردود الفعل
إنتل
- الشركة الأمريكية الوحيدة التي تُجري أبحاثًا وتطويرًا وتصنيعًا متطورًا في مجال أشباه الموصلات.
- شهدت تراجعًا في قدرتها التنافسية أمام شركتي "تي إس إم سي" و"سامسونج".
- يُعدّ إنتاج الرقائق المتطورة محليًا أمرًا بالغ الأهمية لتجنب الاعتماد على تايوان (التي تُنتج 90% من الرقائق ذات التقنيات المتقدمة) في ظل تهديدات الصين بضم الجزيرة.
- في عهد إدارة "بايدن"، منحت وزارة التجارة الأمريكية "إنتل" تمويلًا مباشرًا بموجب قانون الرقائق بقيمة 7.86 مليار دولار.
- بالإضافة إلى أهلية الحصول على قروض وإعفاء ضريبي على الاستثمار بنسبة 25%، لدعم خطة إنتل الاستثمارية البالغة 100 مليار دولار.
- في عهد "ترامب"، توصلت "إنتل" والإدارة الأمريكية إلى اتفاق لاستثمار بقيمة 8.9 مليار دولار، ليصل إجمالي الاستثمار الحكومي إلى 11.1 مليار دولار.
- حوّلت الإدارة المنح بموجب قانون الرقائق إلى حصة ملكية بنسبة 10%، وهي المرة الأولى التي تستحوذ فيها الحكومة الفيدرالية على حصة ملكية في شركة رائدة في مجال أشباه الموصلات.
- أبدى المستثمرون شكوكًا حول تداعيات ذلك على الحوكمة.
- لا تزال النتائج طويلة الأجل غير واضحة؛ ويظل إنتاج "إنتل" متأخرًا عن الجدول الزمني المحدد، كما أن الشروط القانونية المتعلقة بحصة الملكية غير محسومة.
يو إس ستيل
- أدى اقتراح شركة "نيبون ستيل" اليابانية للاستحواذ على "يو إس ستيل" مقابل 14.9 مليار دولار إلى مراجعة معللة بالأمن القومي.
-عرقل الرئيس "بايدن" الصفقة في يناير 2025.
- تراجع "ترامب" عن قراره في يونيو 2025، مُجيزًا الاستحواذ بشرط إبرام اتفاقية مع وزارة الخزانة، تتضمن "حصة ذهبية" تمنح الحكومة حق النقض على بعض قرارات الشركة.
- تمثل الحصة الذهبية أداةً جديدة، لا هي ملكية أسهم عادية ولا هي إخضاع تنظيمي.
- تمنح الحكومة الفيدرالية حقوق إدارة مستمرة على الشركة المملوكة للقطاع الخاص الأجنبي.
- تسببت آلية الحصة الذهبية في حالة من عدم اليقين السياسي بشأن إدارة الشركات.
أوبن إيه آي
(محتملة)
- بصفتها الشركة الأمريكية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، أصبحت حوكمة "أوبن إيه آي" وملكية أسهمها وتوافقها مع المصالح الوطنية مصدر قلق استراتيجياً.
- الشركة هي من عرض منح الحكومة الأمريكية حصة ملكية بنسبة 5% تُقدر قيمتها بحوالي 42.6 مليار دولار، وذلك من خلال آلية شبيهة بصناديق الثروة السيادية.
- كان الاقتراح، الذي كشف عنه في يوليو 2026، في مراحله الأولى، ومن المحتمل أن يمتد ليشمل شركات ذكاء اصطناعي أمريكية أخرى.
- حذر معهد "آر ستريت" من أن هذا الإجراء سيؤدي إلى "تسييس قطاع الذكاء الاصطناعي".
- كما حذر من أنه يشجع الشركات على استرضاء الحكومة بدلاً من المستهلكين، وهي وصفة "للمحسوبية والسيطرة التنظيمية"، على حد تعبيره.
ما التشابهات مع النظام الصيني؟
- أشباه الموصلات: تدعم الحكومتان تصنيع الرقائق محليًا وتقيدان وصول المنافسين، حيث يسعى قانون الرقائق الأمريكي، وصندوق الدوائر المتكاملة الوطني الصيني إلى تحقيق أهداف متطابقة.
- ضوابط التصدير: اعتبارًا من 7 أكتوبر 2022، سنّت الولايات المتحدة ضوابط شاملة على صادرات أشباه الموصلات، والتي وصفها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بأنها "انقلاب على سياسة تجارية استمرت قرابة 30 عامًا"، فيما تفرض بكين قيودًا على العناصر الأرضية النادرة وغيرها من السلع الاستراتيجية.
- الأمن القومي: تشكل مراجعات لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (كما في قضية "يو إس ستيل")، و"سياسة الاستثمار في أمريكا أولاً"، وقيود المركبات المتصلة على الأجهزة الصينية، طوقًا أمنيًا موسعًا حول الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يشبه قيود الصين على الاستثمار الأجنبي في القطاعات الحساسة.
- الذكاء الاصطناعي: تتعامل الحكومتان مع الذكاء الاصطناعي كمجال استراتيجي يتطلب توجيهًا حكوميًا، ويمثل مشروع "ستارجيت" (بقيمة 500 مليار دولار)، واقتراح "أوبن إيه آي"، وضوابط تصدير الرقائق، سياسة أمريكية، تُقارن بالنهج الصيني.

أين وصل النظام الأمريكي؟
- لم تعد السمات المميزة للرأسمالية الكلاسيكية (الحد الأدنى من ملكية الحكومة، وتخصيص رأس المال وفقًا لآليات السوق، والمنافسة كقوة ضبط وحيدة، ودور الدولة الإجرائي البحت) تنطبق على الاقتصاد الأمريكي.
- فالحكومة الآن تمتلك حصصًا في شركات أشباه الموصلات والتعدين، وربما شركات الذكاء الاصطناعي؛ وقد حصلت على "أسهم ذهبية" تمنحها حقوق إدارة مستمرة، كما تتوسط في إبرام الصفقات وتستخدم التعريفات الجمركية وضوابط التصدير كأدوات لانتزاع الريع.
- لا يُعد ذلك رأسمالية دولة بالمعنى التقليدي، ولا تقاربًا مع اقتصاد السوق الاشتراكي في الصين، إذ لا تزال الملكية الخاصة مهيمنة، ولا تزال الأسواق تُخصص الغالبية العظمى من الموارد، وتُقيد المحاكم المستقلة العمل التنفيذي.
- أما الوصف الأكثر دقة فهو أن الرأسمالية الأمريكية قد تطورت إلى "نموذج استراتيجي" أو "شراكة بين القطاعين العام والخاص"، حيث توسع دور الدولة من جهة تنظيمية إلى شريك استثماري ومخطط صناعي، مدفوعًا بالمنافسة الجيوسياسية مع الصين، وكثافة رأس المال في التقنيات الرائدة، ومتطلبات الأمن القومي.
- لم تُستبدل اليد الخفية بقبضة ظاهرة، بل انضمت إليها يد حكومية ظاهرة ومتزايدة النفوذ، تستثمر وتتوسط وتستخلص الريع إلى جانب السوق الذي لا تزال تُنظمه رسميًا. ليبقى السؤال الاقتصادي الأهم في العقد القادم هو: هل تستطيع هاتان اليدان العمل دون أن تُفسد إحداهما الأخرى؟
المصادر: أرقام- إن بي آر- مجلس العلاقات الخارجية "CFR"- سي إن بي سي- فايننشال تايمز- مكتبة الرئيس رونالد ريجان- الاحتياطي الفيدرالي- مؤلفات "آدم سميث" و"ميلتون فريدمان"- بلومبرج- فوربس
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.