محللون لـ أرقام: أسواق البتروكيماويات تتجه إلى استمرار تصحيح الأسعار
محللون لـ أرقام: أسواق البتروكيماويات تتجه إلى استمرار تصحيح الأسعار.. وضغوط متوقعة على المنتجين
بدأت أسواق البتروكيماويات العالمية تتجه نحو مرحلة جديدة بعد انحسار الارتفاعات الحادة التي صاحبت اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية خلال الربع الثاني من عام 2026، مع عودة الأسعار تدريجياً إلى مستويات أقرب للعوامل الأساسية التي تحكم السوق.
وقال محللون وخبراء لـ أرقام، أنه رغم احتفاظ منتجي دول مجلس التعاون الخليجي بميزة تنافسية تتمثل في انخفاض تكلفة اللقيم، فإن التوقعات تشير إلى استمرار تعرض القطاع لضغوط على هوامش الربحية خلال الفترة المقبلة، مع عودة الإنتاج والصادرات تدريجياً وارتفاع احتمالات زيادة المعروض العالمي في ظل ضعف الطلب.
ويرى محللون أن الشركات الخليجية ستكون في وضع أفضل مقارنة بنظيراتها في أوروبا وآسيا من حيث التكلفة، إلا أن هذه الميزة قد لا تكون كافية لحماية الأرباح إذا استمرت أسعار المنتجات في التراجع، بالتزامن مع تصريف المخزونات المتراكمة واستئناف حركة الشحن بشكل كامل.
وتستعرض أرقام آراء عدد من الخبراء حول أبرز المتغيرات التي ستؤثر في قطاع البتروكيماويات خلال الأشهر المقبلة، والتوقعات بشأن الأسعار والهوامش، وانعكاس تطورات الطلب العالمي، والمخزونات، وحركة التجارة والشحن على أداء الشركات خلال النصف الثاني من عام 2026.
الأسعار تتراجع بعد موجة ارتفاع مؤقتة
جو الدويهي الخبير الاقتصادي لدي Cofface
قال جو الدويهي، الخبير الاقتصادي لدى Coface، إن أسعار المنتجات البتروكيماوية ارتفعت بشكل حاد خلال شهري مارس وأبريل على خلفية إغلاق مضيق هرمز، قبل أن تبدأ الضغوط في الانحسار مع عودة الأسواق إلى مستويات أكثر طبيعية، بالتوازي مع تحركات سوق النفط.
وأوضح في لقاء مع أرقام، أن تأثير هذه التطورات على أداء القطاع في الربع الثاني سيكون متفاوتاً، مشيراً إلى أن التأثير الرئيسي في أواخر الربع الأول وبداية الربع الثاني تمثل في خسائر مؤقتة في الإنتاج، لا سيما في آسيا، نتيجة اضطراب إمدادات اللقيم.
وأضاف أن الأثر العام كان سلبياً على المنتجين، غير أن الشركات التي تمكنت من الحفاظ على مستويات الإنتاج أو زيادتها استفادت مؤقتاً من تحسن الهوامش، إذ ساعد ارتفاع أسعار البيع على تعويض جزء من تراجع الكميات.
جيمس ويلسون المحلل لدي شركة ICIS
من جانبه، قال جيمس ويلسون، المحلل لدى شركة ICIS، إن الأسواق كانت تتوقع نقصاً حاداً في المعروض، إلا أن التأثير الفعلي جاء أقل من التوقعات، مبيناً أن السوق شهدت حالة من التشدد خلال شهري مارس وأبريل، قبل أن تبدأ في استعادة توازنها اعتباراً من مايو، ما دفع الأسعار إلى التراجع لاحقاً. وأضاف في لقاء مع أرقام، أن انخفاض أسعار النفط الخام كان أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع أسعار المنتجات، إلى جانب أن حجم الاضطرابات الفعلية في الإمدادات جاء دون التقديرات الأولية.
وتظهر بيانات ICIS، والمحدثة في 26 يونيو 2026، تراجع مؤشرات أسعار الكيماويات الأساسية أسبوعياً في الأسواق الرئيسية، مع تسجيل مؤشر شمال شرق آسيا انخفاضاً بنسبة 7.3% إلى 114.2 نقطة، ومؤشر شمال غرب أوروبا تراجعاً بنسبة 1.3% إلى 147.6 نقطة، ومؤشر الخليج الأمريكي انخفاضاً بنسبة 1% إلى 159.8 نقطة. وفي المقابل، لا تزال المؤشرات أعلى على أساس سنوي، إذ ارتفع مؤشر شمال شرق آسيا بنسبة 10.1%، وشمال غرب أوروبا بنسبة 30.3%، والخليج الأمريكي بنسبة 31.4%، وتشير هذه البيانات إلى أن الانخفاض الأخير جاء بعد موجة ارتفاع قوية شهدتها الأسواق خلال الأزمة، فيما لا تزال الأسعار أعلى من مستوياتها قبل عام، وهو ما يعكس أن السوق صححت جزءًا من مكاسبها الأخيرة دون أن تمحوها بالكامل. ويرى المحللون أن هذا التراجع يتماشى مع انتهاء أثر الارتفاع المؤقت الذي أحدثته الاضطرابات الجيوسياسية، مع عودة السوق تدريجيًا إلى العوامل الأساسية المتمثلة في فائض المعروض وضعف الطلب.
آسيا والصين في قلب التحول
قال ويلسون إن اضطرابات إمدادات اللقيم لمصانع التكسير في آسيا أدت إلى توقف نحو 45% من طاقات إنتاج الإيثيلين خارج الصين، فيما تراجعت معدلات التشغيل داخل الصين بنحو 10 نقاط مئوية. وأوضح أن إنتاج الإيثيلين وعدد من منتجات الأوليفينات، مثل البولي إيثيلين وأحادي الإيثيلين جليكول والستايرين، تراجع خلال الفترة الأخيرة، كما انخفضت الواردات، في مقابل ارتفاع الصادرات. وأضاف أن الإنتاج في الصين انخفض خلال شهر أبريل بما يعادل نحو مليون طن من الإيثيلين والبروبيلين، كما تراجعت الواردات بما يعادل مليون طن إضافية. وأشار إلى أن ذلك يعني حدوث تغير في حركة التجارة بنحو مليوني طن، نتيجة انخفاض واردات الصين بمقدار مليون طن وزيادة صادراتها بمقدار مليون طن، بالتزامن مع تراجع الإنتاج المحلي بما يعادل مليون طن. وبين أن هذه العوامل أدت، خلال شهر واحد، إلى انخفاض توافر الأوليفينات داخل الصين بما يقارب 3 ملايين طن، موضحاً أنه لا يعتقد أن الطلب تراجع بالحجم ذاته، إذ يرجح أن الانخفاض في الطلب اقتصر على بضع نقاط مئوية فقط. وأضاف أن 2 مليون طن تعادل نحو 25% من الطلب الصيني، فيما تمثل 3 ملايين طن ما يقارب ثلث الطلب، ما يعكس حجم التحول الذي شهدته السوق خلال فترة قصيرة. وأشار إلى أن الصين كانت تمتلك مخزونات كبيرة، خصوصاً في منتجات مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، ما ساعدها على سد جزء من الفجوات التي ظهرت في الأسواق الآسيوية. وأوضح أن الصين تمكنت، من خلال خفض الواردات وزيادة الصادرات، من تغطية جزء من النقص في السوق، مستفيدة من المخزونات المتراكمة ومن الفرصة المؤقتة التي أتاحتها اضطرابات الإمدادات. وأضاف أن الصين بدأت التصدير بكميات أكبر، ونجحت في بناء علاقات تجارية جديدة خلال فترة الاضطرابات، إلا أنها لا تستطيع منافسة منتجي الشرق الأوسط من حيث تكلفة الإنتاج على المدى الطويل، مبيناً أن ما حدث كان استغلالاً لفرصة مؤقتة أكثر من كونه تحولاً دائماً في القدرة التنافسية. وذكر أنه على الرغم أن هذه التحركات ساعدت على سد جزء من فجوة الإمدادات العالمية، إلا أنها كانت استجابة استثنائية للظروف، وليست تحولاً دائماً في هيكل التجارة العالمية. تحسن مؤقت في أوروبا رغم التحديات الهيكلية.. واستفادة أكبر للولايات المتحدة قال الدويهي إن أوروبا كانت أقل تأثراً من حيث توافر اللقيم، ما سمح باستمرار الإنتاج وتحسن طفيف في معدلات التشغيل، مع سعي المنتجين للاستفادة من ارتفاع الأسعار. وأوضح أن تحسن الهوامش في أوروبا يظل مؤقتاً، في ظل استمرار التحديات الهيكلية المرتبطة بارتفاع تكاليف اللقيم، خصوصاً النافثا، وتكاليف الطاقة، إلى جانب فائض المعروض العالمي. وأشار إلى أن الوضع في الولايات المتحدة كان أكثر إيجابية، إذ تمكن منتجو الكيماويات السلعية في أمريكا الشمالية من تعويض جزء من فجوة الإمدادات الناتجة عن تراجع صادرات منتجي دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً إلى الأسواق الآسيوية. وأضاف أن إنتاج الإيثيلين في الولايات المتحدة ارتفع، كما زادت الصادرات، في وقت استفاد فيه المنتجون من ارتفاع الأسعار العالمية، بينما بقيت تكاليف اللقيم، خصوصاً الإيثان، تحت السيطرة. وبين أن تأثير الاضطرابات داخل دول مجلس التعاون الخليجي كان متفاوتاً أيضاً، إذ كان المنتجون الواقعون خارج مسارات التصدير عبر الخليج العربي، وخصوصاً على ساحل البحر الأحمر، في وضع أفضل خلال فترة الاضطرابات. وأوضح أن مرافق إنتاج مثل رابغ كانت أقل تعرضاً بشكل مباشر لاختناقات مضيق هرمز، وتمكنت من الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية مع استمرار قدرتها على الوصول إلى أسواق التصدير. وأضاف أن الأزمة منحت المنتجين الواقعين على البحر الأحمر ميزة مؤقتة مقارنة بالمنتجين المعتمدين على مسارات التصدير عبر الخليج العربي، والذين كانت شحناتهم أكثر عرضة للقيود والاضطرابات.
الهوامش تحت الضغط رغم ميزة اللقيم الخليجي قال الدويهي إن الضغوط على هوامش الربحية مرشحة للارتفاع خلال الربع الثالث، رغم أن منتجي دول مجلس التعاون الخليجي سيظلون في وضع أفضل نسبياً من نظرائهم في أوروبا وآسيا. وأوضح أن حصول المنتجين الخليجيين على الإيثان منخفض التكلفة لا يزال يمثل ميزة هيكلية مهمة، تحد من أثر ارتفاع تكاليف اللقيم مقارنة بالمنتجين المعتمدين على النافثا. وأضاف أن هذه الميزة لا تعزل المنتجين الخليجيين عن ضغوط السوق العالمية، إذ لا تزال محافظهم الإنتاجية مرتبطة بدرجة كبيرة بأسعار الكيماويات السلعية، خصوصاً البولي أوليفينات، التي ستظل تحت ضغط فائض المعروض على المدى المتوسط. وأشار إلى أنه في حال استمرار إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الإنتاج الخليجي سريعاً إلى مستويات أعلى، فقد تعود كميات إضافية إلى سوق يعاني بالفعل من فائض مؤقت في المعروض، ما سيزيد الضغوط النزولية على أسعار المنتجات وهوامش الربحية خلال الربع الثالث. وأكد أن المسألة لا تتعلق بفقدان المنتجين الخليجيين لميزتهم التنافسية من حيث التكلفة، بل بتراجع أسعار المنتجات إلى مستويات تؤدي إلى تآكل الهوامش رغم استمرار هذه الميزة. المخزونات وعودة الشحن تضيفان ضغوطاً على المعروض قال ويلسون إن عدداً من منتجي الشرق الأوسط واصلوا التشغيل خلال فترة الاضطرابات رغم تعطل جزء من الصادرات، ما يرجح تراكم مخزونات لديهم، ومع استئناف حركة الشحن قد يسعون إلى تصريفها، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على الأسعار. وأوضح أن هؤلاء المنتجين سيحاولون، مع عودة حركة الشحن تدريجياً، استعادة حصصهم السوقية عند إعادة طرح المنتجات في الأسواق، وهو ما قد يزيد المعروض ويضغط على الأسعار. وأشار إلى أن المنتجات الإيرانية قد تعود أيضاً إلى الأسواق العالمية في حال رفع العقوبات، ما قد يضيف كميات جديدة إلى سوق يعاني بالفعل من فائض في المعروض. وأضاف أن الطلب أصبح أضعف مقارنة بما كان عليه قبل الأزمة، ما يزيد الضغوط على السوق، مبيناً أن بعض المنتجين قد يضطرون إلى إيقاف عدد من المصانع إذا تفاقم فائض المعروض وتراجعت الأسعار والربحية. من جانبه، قال الدويهي إن مستويات المخزون تمثل العامل الأهم الذي يجب مراقبته على المدى القصير، موضحاً أن تعطل الصادرات خلال النصف الأول من عام 2026 دفع بعض منتجي البتروكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً المنتجين داخل الخليج العربي مثل الجبيل، إلى مواصلة الإنتاج دون القدرة على تصريف كامل الكميات إلى الأسواق الخارجية. وأضاف أن ذلك يرجح تراكم مخزونات من المنتجات النهائية لدى بعض الشركات، مشيراً إلى أنه مع إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً، قد تسعى هذه الشركات إلى بيع تلك المخزونات بوتيرة أكثر قوة، بهدف تحرير رأس المال العامل، وتخفيف قيود التخزين، والعودة إلى تدفقات إنتاج وتصدير أكثر طبيعية. وأوضح أن ذلك قد يدفع المنتجين الخليجيين إلى زيادة الكميات المعروضة مؤقتاً، حتى لو أدى ذلك إلى مزيد من الضغوط على الأسعار العالمية للبتروكيماويات. تكاليف الشحن تتراجع.. والموثوقية تبقى الخطر الأكبر أوضح الدويهي أن تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال النصف الأول من عام 2026، نتيجة علاوة المخاطر الجيوسياسية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف التأمين وأسعار شحن الناقلات وحالة عدم اليقين المرتبطة بالممرات البحرية الرئيسية. وأضاف أن هذه الضغوط بدأت في التراجع خلال الأسابيع الأخيرة، لكنها لم تختفِ بالكامل، في ظل بقاء الوضع هشاً، خصوصاً حول مضيق هرمز، حيث يمكن لأي تصعيد جديد أن يدفع تكاليف الشحن والتأمين للارتفاع مرة أخرى. وبين أن المشكلة الرئيسية بالنسبة لمنتجي البتروكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي لا تتمثل في التكلفة المباشرة للشحن، نظراً لأن الخدمات اللوجستية لا تزال تشكل حصة محدودة نسبياً من التكلفة النهائية لمعظم المنتجات، ما يجعل أثرها على العملاء النهائيين محدوداً إذا كانت الاضطرابات مؤقتة. وأشار إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في موثوقية الإمدادات، موضحاً أنه في حال بدأ المشترون ينظرون إلى الإمدادات الخليجية على أنها أقل قابلية للتنبؤ بسبب تكرار الاضطرابات في مسارات الشحن الرئيسية، فقد يتجهون إلى تنويع قاعدة مورديهم، وهو ما قد يكون أكثر ضرراً من الارتفاع المؤقت في تكاليف الخدمات اللوجستية. السوق بين تصحيح مؤقت وضغوط أعمق يرى ويلسون أن الاتجاه العام لا يزال يميل إلى مزيد من التراجع في أسعار المنتجات البتروكيماوية، مع استمرار انخفاض أسعار النفط وعودة السوق تدريجياً إلى بيئة فائض المعروض. وأضاف أن الأسواق تتجه حالياً إلى بيئة تتراجع فيها أسعار النفط، وهو ما يجعل انخفاض أسعار الكيماويات أمراً متوقعاً. وأشار إلى أن التوقعات في أوروبا ترجح استمرار تراجع الأسعار خلال الأشهر الـ18 المقبلة، مبيناً أن الأسعار شهدت تصحيحاً جزئياً بعد موجة الارتفاع الأخيرة، ولا يزال هناك مجال لمزيد من الانخفاض. من جانبه، قال الدويهي إنه لا يزال من المبكر الجزم بما إذا كان تراجع أسعار بعض المنتجات يمثل مجرد تصحيح بعد موجة ارتفاع مؤقتة، أم بداية لضغوط أعمق على القطاع. وأوضح أن الأسواق الفورية تبدو حالياً وكأنها تسعر سيناريو إعادة فتح شبه كامل وسلس لمضيق هرمز، في وقت تبدو فيه مواد اللقيم المرتبطة بالنفط، مثل النافثا، عند مستويات منخفضة نسبياً. وأضاف أنه إذا عاد إنتاج دول الخليج سريعاً إلى مستويات ما قبل الأزمة، فمن المرجح أن يعود السوق خلال الأرباع المقبلة إلى وضعه السابق، المتمثل في فائض عالمي في المعروض، وأسعار أضعف، وضغوط على هوامش الربحية. وأشار إلى أنه في المقابل، إذا تبين أن الأضرار أكبر من المتوقع، أو إذا واجه مضيق هرمز إغلاقاً جديداً، فقد تشهد أسعار البتروكيماويات موجة صعود جديدة نتيجة تجدد الضغوط على جانب الإمدادات.
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.