ملخص

أصبح إنشاء مخزونات نفط استراتيجية حاجة ملحة لجميع الدول، ومنها دول «أوبك+» وخصوصاً الخليجية. وأظهرت أزمة مضيق هرمز أهمية التعاون الوثيق بين المنتجين والمستهلكين في هذا المجال، لما يوفره من إمدادات سريعة، وخفض للأسعار وقت الأزمات، وتعزيز للأمن القومي، وتوسيع لنفوذ «أوبك+» بتكلفة منخفضة. ورغم وجود عقبات ومشكلات سياسية وقانونية أحياناً، إلا أن الفائدة تعم المنتجين والمستهلكين.

ويزداد التركيز على هذه المخزونات في ضوء التهديدات المتكررة للممرات البحرية الحيوية كمضيق هرمز.

طرحت في مقالة الأسبوع الماضي مقترحات لتطوير دور "أوبك"+ بما ينسجم مع عالم ما بعد هرمز، وركزت على ضرورة أن يبني التحالف منظومة لتخزين كميات كبيرة من النفط قرب الأسواق الرئيسة، بعيداً من المضائق المائية. وفي مقالة اليوم أتوسع في موضوع التخزين الاستراتيجي، لأن ما حدث في هرمز كشف عن أهميته بصورة أوضح من أي وقت مضى.

تُعتبر مخزونات النفط الاستراتيجية من أبرز أدوات سياسات الطاقة التي ابتكرتها الدول الكبرى لحماية اقتصاداتها من أي تراجع مفاجئ أو انقطاع في الإمدادات. وجاء الاهتمام بهذه المخزونات بعد حظر النفط العربي على الولايات المتحدة وأوروبا إبان حرب أكتوبر 1973، وما أعقبه من قفزة سعرية أربعة أضعاف، ثم رسختها الثورة الإيرانية 1979 والحرب العراقية-الإيرانية التي دامت ثماني سنوات.

نظرياً، تمثل هذه المخزونات بوليصة تأمين في مواجهة الأزمات السياسية أو الطبيعية أو الفنية، إذ تهدف إلى منع استمرار ارتفاع الأسعار وتخفيف تقلبات الأسواق. لكن، كما سنرى لاحقاً، فإن التطبيق العملي يختلف كثيراً عن النظرية.

تدير الحكومات هذه المخزونات عادة، وهي تختلف عن المخزونات التجارية التي تملكها الشركات. وتاريخياً، امتلكت الولايات المتحدة أكبر مخزون معلن في العالم، بينما تمتلك الصين اليوم أكبر إجمالي من المخزونات الحكومية والتجارية. وتكمن الإشكالية في تعريف "المخزون الاستراتيجي": ففي الولايات المتحدة يشير المصطلح إلى النفط المملوك للدولة والخاضع لإدارة الحكومة، أما في دول مثل الصين واليابان، فقد يتحول كل مخزون إلى مخزون استراتيجي وقت الأزمات، حتى إن كان مملوكاً للقطاع الخاص، لأن الدولة تستطيع التحكم به.

نشأة المخزونات وأهميتها الاستراتيجية

أنشئ المخزون الأميركي بموجب قانون سياسة الطاقة والترشيد لعام 1975، استجابة لأزمة 1973 التي أسهمت فيها المقاطعة النفطية، وإن كانت الأزمة قد بدأت قبلها. وانضمت الولايات المتحدة إلى وكالة الطاقة الدولية التي تأسست عام 1974، التي تلزم أعضاءها بالاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يوماً من صافي الواردات. وهنا يقع خطأ شائع، حتى بين بعض كبار المحللين: فمتطلبات الوكالة تتعلق بصافي الواردات من جميع السوائل النفطية، لا بالنفط الخام وحده. وبما أن الولايات المتحدة أصبحت مصدر صاف للسوائل النفطية، بما يشمل الخام والمنتجات النفطية، فهي لا تلزم حالياً بالاحتفاظ بأية كمية في المخزون الاستراتيجي. وبعبارة أخرى، تستطيع الولايات المتحدة بيع مخزونها الاستراتيجي كله، من دون الاحتفاظ ببرميل واحد، وتبقى ملتزمة بمتطلبات وكالة الطاقة الدولية.

وعموماً، تعد تسمية المخزون في الولايات المتحدة غير دقيقة، لأنه يتكون بالكامل من النفط الخام، بينما يوحي اسمه بأنه يشمل الخام والمنتجات النفطية معاً. أما معظم الدول الأوروبية فتحتفظ بمخزوناتها الاستراتيجية على صورة منتجات نفطية، لذلك يدعو بعضهم إلى تغيير الاسم ليعكس حقيقته بوصفه "مخزون النفط الخام الاستراتيجي".

وتحتفظ بعض دول "أوبك"، على رغم أنها ليست أعضاء في وكالة الطاقة الدولية، بنوعين من المخزونات: مخزونات استراتيجية من المنتجات النفطية كما في السعودية، ومخزونات خارج المنطقة، كما تفعل السعودية في مصر واليابان وهولندا.

أما الصين، فليست عضواً في وكالة الطاقة الدولية، لكنها تحتفظ بنحو 300 مليون برميل كمخزون استراتيجي، وكما ذكرت سابقاً، تستطيع الحكومة التحكم في مجمل المخزونات، التي تتجاوز 1.2 مليار برميل.

الأهداف الرئيسة للمخزونات الاستراتيجية:

ضمان استمرار إمدادات النفط ومنع تعطل النشاط الاقتصادي.

الحد من استمرار ارتفاع أسعار النفط، وربما خفضها، بما يساعد في تخفيف التضخم وتقليل تباطؤ الاقتصاد.

تعزيز الأمن القومي عبر تقليل فرص الابتزاز السياسي، خصوصاً عندما ينجم نقص الإمدادات عن استخدام النفط كسلاح سياسي.

تاريخ السحب من المخزون الاستراتيجي الأميركي

تم السحب من المخزونات الاستراتيجية بأمر رئاسي بتفويض من الكونغرس، أو بأمر من الكونغرس إما في حالات الطوارئ، أو لتحقيق أهداف استراتيجية، إضافة إلى عمليات بيع لتخفيف العبء على الموزانة. 

في ما يأتي أكبر عمليات السحب تاريخياً:

1991: عملية عاصفة الصحراء - حرب الخليج، تم سحب 21 مليون برميل، وهي أول سحب بسبب الطوارئ، والمفروض أنها أسهمت في تهدئة أسواق النفط وقتها.

2005: إعصار كاترينا، تم سحب 20.8 مليون برميل للتعويض عن انخفاض الإنتاج الناتج من الدمار الذي خلفه الإعصار في المنصات والأنابيب والموانئ.

2011: الربيع العربي، خصوصاً أحداث ليبيا. تم سحب 30 مليون برميل كجزء من الـ60 مليون برميل التي قررتها وكالة الطاقة الدولية للتعويض عن نقص الامدادات، خصوصاً من ليبيا. 

2022: غزو روسيا لأوكرانيا، تم سحب 180 مليون برميل على مدى ستة أشهر تحت غطاء الهجوم الروسي على أوكرانيا ولكن في الحقيقة إنتاج روسيا وصادراتها لم تنخفض كما هو متوقع، مما يوحي بأن الطلب على النفط كان أكبر من المعروض بعد انتهاء إغلاقات كورونا.  

2026: الهجوم على إيران وإعلاق مضيق هرمز، تم إعلان سحب 172 مليون برميل كجزء من 400 مليون برميل التي أعلنتها وكالة الطاقة الدولية. هذه أكبر عملية سحب في التاريخ سواء من وكالة الطاقة أم الولايات المتحدة، ووصل السحب الأميركي إلى أكثر 1.7 مليون برميل يومياً في بعض الأسابيع.

أما عمليات السحب غير المتعلقة بحالات الطوارئ فكانت بقرار من الكونغرس لتخفيف العبء على الموزانة، إذ قرر منذ عام 2015 أن يتم بيع كميات محددة كل عام لتمويل عمليات صيانة البنية التحتية للمخزون وإدارته. 

الخلاف بين الخبراء حول فعالية هذه المخزونات

ينقسم الخبراء إلى اتجاهين رئيسين: الأول يؤيد الاحتفاظ بمخزون نفطي استراتيجي كبير لما يوفره من فوائد اقتصادية واستراتيجية وقت الأزمات، بوصفه بوليصة تأمين ضرورية. أما الاتجاه الثاني فيعارض ذلك، ويرى أن المخزون يمثل تدخلاً حكومياً في الأسواق والأسعار، وأن أضراره قد تفوق منافعه، خصوصاً وأن دراسات تاريخية عدة أظهرت محدودية أثر السحب منه، كما خلصت بعض الدراسات التي قارنت التكاليف بالمنافع إلى أن كلفته تتجاوز فوائده بكثير. ويحذر المعارضون أيضاً من إمكان استخدامه سياسياً للتأثير في الانتخابات تحت ذريعة "الطوارئ". ومع انطلاق ثورة النفط الصخري قبل نحو 15 عاماً، وتحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم وإحدى أكبر الدول المصدرة له، يرى هؤلاء أن الحاجة الأميركية إلى المخزون الاستراتيجي تراجعت كثيراً. وقد شهدت فترة من الفترات محاولات جمهورية لإغلاق وزارة الطاقة وبيع المخزون بأكمله، بل أعلن الرئيس ترمب عام 2017 رغبته في بيع نصفه.

ولكن نظرة تحليلية لهذه الدارسات خلال 35 سنة الماضية توضح ما يلي:

السحب من المخزون حتى عام 2022 كان بكميات قليلة والإعلان تم بطريقة خاطئة، مما جعل أثر السحب في الأسواق ضعيفاً، لهذا جاءت الدراسات بنتائج توضح أن التكاليف أعلى من المنافع.

اقرأ المزيد

جاءت تجربة 2022 لتقلب الموازين، إذ إن الدرس أصبح واضحاً: الأثر لا يظهر إلا إذا كان السحب بكميات كبيرة، وإعلان السحب تم بطريقة معينة مع تأكيد أن الحكومة ستستسمر بالسحب حتى تتحقق أهدافها. وبناء على هذه التجربة تم الإعلان في شهر مارس (آذار) الماضي سحب أكبر كمية في التاريخ، مع التركيز على أنه يمكن سحب كميات إضافية. بالنظر إلى الفوائد من تجربة 2022 و2026 نجد أنها ضخمة لدرجة لا يمكن حصرها. مثلاً، كان السحب من المخزون الاستراتيجي في عام 2022 أحد الأسباب الرئيسة التي خفضت أسعار النفط بنحو 40 دولاراً للبرميل. فإذا كان الطلب العالمي على النفط 100 مليون برميل، فإن المستهلكين وفروا 4 مليارات دولار يومياً، أو 120 مليار دولار شهرياً. ويضاف إلى ذلك الفوائد الاقتصادية بما في ذلك النمو الاقتصادي وانخفاض التضخم وغيرها، فنجد أن المنافع ضخمة جداً مقارنة بالتكاليف. من وجهة نظر عالمية، ميزة المخزون تحت إشراف وكالة الطاقة الدولية والمخزون الاستراتيجي الأميركي والصيني أن التكاليف محلية ولكن المنافع عالمية. فعندما انخفضت أسعار النفط بمقدار 40 دولاراً، استفادت كل دول العالم خاصةً الدول الفقيرة، مع أنها لم تشارك في التكاليف.

هرمز ومخزون النفط الاستراتيجي: الآفاق المستقبلية

تؤكد البيانات أهمية المخزونات الاستراتيجية عندما تستخدم بطريقة مدروسة، أي من خلال سحب كميات كبيرة مقرون برسائل حكومية واضحة تؤكد الالتزام بتحقيق أهداف السحب. وقد عززت أزمة هرمز هذه الأهمية، ومن المرجح أن تدفع كثيراً من دول العالم إلى التوسع في التخزين الاستراتيجي. وكما أوضحت في مقالة الأسبوع الماضي، فإن أحد أبرز دروس الأزمة هو حاجة دول "أوبك+" إلى بناء نظام جديد يناسب عالم ما بعد هرمز، يقوم على إنشاء مخزونات ضخمة في الدول المستهلكة، بعيداً من المضائق المائية ومصادر الأخطار التي قد تعطل الإمدادات. ويعد هذا الخيار أفضل بديل للتعامل مع أية أزمة مشابهة، لأنه سريع التنفيذ، وأقل كلفة بكثير من البدائل الأخرى، وأكثر كفاءة في تحقيق الأهداف، كما يعزز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة. وبما أن كثيراً من الدول ترغب في بناء مخزونات استراتيجية لكنها تفتقر إلى القدرة المالية أو الإدارية، تستطيع دول "أوبك+" التعاون معها لتحقيق ذلك. وإذا وزعت كميات كبيرة على عدد من الدول، فقد تتحول هذه الدول إلى مصادر إمداد وقت الأزمات، مما يوسع قاعدة "أوبك+" ويدعم أحد أهدافها الرئيسة.

إشكالية الصين واليابان والولايات المتحدة

لن تشتري الشركات الصينية النفط وتخزنه إلا إذا هبط السعر إلى ما دون مستوى معين، وهنا يمكن لدول "أوبك+" الاتفاق مع الصين على تخزين النفط لديها، سواء بالشراكة مع الشركات الصينية أم مع الحكومة مباشرة. وبذلك ينقل النفط من دول "أوبك+" إلى الصين مع بقاء ملكيته للدول المنتجة، ولا تدفع الشركات الصينية ثمنه إلا إذا قررت شراءه لاحقاً.

أما اليابان، فلن تعيد ملء مخزونها الاستراتيجي إلا إذا ارتفع الين فوق مستوى معين، وهو أمر غير متوقع في المدى المنظور. لذلك تستطيع دول "أوبك+" نقل النفط إلى اليابان وتخزينه هناك من دون أن يدفع اليابانيون ثمنه إلا عند شرائه مستقبلاً. وهنا لا بد من تأكيد أن ازمة اليابان ليست نقص الإمدادات بسبب هرمز فقط، وإنما انهيار الين أمام الدولار الأميركي والنفط يسعر بالدولار، مما رفع أسعار النفط في أبريل (نيسان) الماضي مقيماً بالين إلى أعلى مستوى له في التاريخ.

بلغت الكميات التي خططت الولايات المتحدة لسحبها 172 مليون برميل، سُحب منها نحو 100 مليون وبقي نحو 70 مليوناً. وقد أقرضت هذه الكميات للشركات، على أن تعيدها للمخزون مع كميات إضافية تمثل "فوائد عينية" على هذه القروض. وفي السنوات الأخيرة، كانت الحكومة الأميركية تشترط أن يكون النفط الذي تشتريه منتجاً داخل الولايات المتحدة. ولا نعلم ما إذا كانت تشترط الآن على الشركات المقترضة أن يكون النفط المعاد منتجاً أميركياً، خصوصاً أن كميات كبيرة من النفط المسحوب من المخزون الاستراتيجي صدرت إلى دول أخرى، وهي كميات كبيرة. فإذا لم تفرض الحكومة هذا الشرط، فستتجه الشركات إلى الاستيراد من المصادر الأقل كلفة. ويريد ترمب إعادة ملء المخزون الاستراتيجي إلى أعلى مستوياته، لكن الكونغرس يرفض تخصيص أموال لذلك، وهذا يتيح لدول "أوبك+" فرصة تخزين كميات مملوكة لها في الولايات المتحدة وبيعها عند الحاجة.

خلاصة القول إن المخزون النفطي الاستراتيجي بات ضرورة لجميع الدول، بما فيها دول "أوبك+"، ولا سيما دول الخليج. وقد أبرزت أزمة هرمز الحاجة إلى تعاون أوثق بين الدول المنتجة والمستهلكة في مجال التخزين. هذا التعاون يضمن إمدادات سريعة، ويخفض الأسعار في الأزمات، ويعزز الأمن القومي، ويوسع نفوذ "أوبك+" بكلفة منخفضة. ولا أحد ينكر أنه سيكون هناك بعض العقبات، وأحياناً مشكلات سياسية وقانونية، ولكنه في المجمل مفيد للدول المنتجة للنفط والمستهلكة له.

وتبقى مسألة تعريف المخزون الاستراتيجي وإدارته محل جدل، إذ تختلف معايير وكالة الطاقة الدولية عن ممارسات الدول الأخرى. وتحتاج الدول المنتجة والمستهلكة إلى تنسيق أكبر لضمان فاعلية هذه المخزونات في مواجهة الأزمات المستقبلية. وقد أظهرت تجارب سابقة أن التخزين الاستراتيجي يشكل أداة حاسمة لتحقيق التوازن في أسواق النفط.