أسهمت استضافة كأس العالم 2026 في تحقيق قفزة نوعية لكرة القدم بأمريكا الشمالية، إذ تمكنت الولايات المتحدة والمكسيك وكندا من إدارة البطولة وجذب اهتمام جماهيري واسع للعبة.

يأتي هذا النجاح في وقت تشهد فيه كرة القدم في أمريكا الشمالية تحولات هيكلية واهتمامًا متزايدًا على مستوى القاعدة الجماهيرية والاستثمارات.

يثير نجاح التنظيم والأداء الجيد للمنتخبات الثلاثة تساؤلات حول قدرة المنطقة على استثمار حماس المونديال في بناء مشروع رياضي دائم.

وبحسب تحليل نشره موقع Inside World Football، فإن الاستفادة من إرث البطولة لن تقاس بما تحقق خلال أسابيع المنافسات، بل بقدرة الاتحادات المحلية على معالجة التحديات الهيكلية وتطوير المواهب واستثمار الشعبية التي عززها كأس العالم.

تجارب متباينة

رغم اشتراك الدول الثلاث في استضافة البطولة، فإن مسار تطور كرة القدم يختلف بينها بشكل واضح.

فالمكسيك استعادت كثيراً من ثقتها بعد سنوات من النتائج السلبية أمام الولايات المتحدة، بينما تواصل كندا تضييق الفجوة مع جارتها الجنوبية، بعدما تحولت مواجهاتها الأخيرة أمام المنتخب الأمريكي إلى أكثر توازناً مقارنة بما كانت عليه خلال العقدين الماضيين.

أما الولايات المتحدة، فرغم امتلاكها أكبر قاعدة من اللاعبين المسجلين في الفئات السنية، فإن نتائج المنتخب الأول لا تزال أقل من الطموحات، وفقاً للتحليل.

النموذج الكندي

يعد المنتخب الكندي أبرز المستفيدين من عملية إعادة البناء خلال السنوات الأخيرة، إذ نجح، بقيادة المدرب الأمريكي جيسي مارش، في تكوين هوية فنية واضحة تعتمد على الضغط العالي والانضباط الجماعي، مدعوماً برؤية موحدة داخل الاتحاد الكندي لكرة القدم.

ويرى التحليل أن الخطوة التالية تتمثل في توسيع قاعدة اللاعبين، واستقطاب مزيد من أصحاب الجنسيتين، بما يمنح المنتخب عمقاً أكبر خلال البطولات المقبلة.

تفاؤل مكسيكي

أنهت المكسيك مشاركتها في كأس العالم بخسارة، لكنها خرجت بمؤشرات إيجابية، أبرزها بروز جيل جديد من اللاعبين واكتسابهم خبرات دولية، إلى جانب صعود مواهب شابة يتقدمها جيلبرتو مورا.

كما يمنح تعيين رافائيل ماركيز على رأس الجهاز الفني دفعة إضافية لمشروع إعادة البناء، رغم استمرار النقاش بشأن مستقبل الدوري المحلي في ظل غياب نظام الصعود والهبوط، بحسب التحليل.

أسئلة أمريكية

على الجانب الآخر، يرى التقرير أن المنتخب الأمريكي عاد إلى نقطة مراجعة جديدة بعد نهاية البطولة، إذ تبدد التفاؤل الذي رافق بدايتها عقب الخروج أمام بلجيكا.

ويشير التحليل إلى أن الجدل داخل الولايات المتحدة غالباً ما يركز على نظام “الدفع مقابل اللعب” في قطاع الناشئين، بينما تكمن المشكلة الأعمق في طبيعة منظومة تطوير اللاعبين، التي تعتمد بصورة كبيرة على الرياضة الجامعية ونظام الامتيازات، ما يقلل فرص احتكاك اللاعبين الشباب بالمنافسات الاحترافية في مرحلة مبكرة.

اختبار إقليمي

تمثل بطولة الكأس الذهبية 2027 أول اختبار حقيقي للبناء على مكاسب كأس العالم، إذ تمنح المنتخبات الثلاثة فرصة للحفاظ على الزخم الجماهيري، وإشراك أفضل اللاعبين، وتعزيز الانسجام قبل الاستحقاقات الدولية المقبلة.

ويرى التقرير أن الولايات المتحدة مطالبة بالتعامل مع البطولة بجدية أكبر، بعدما اعتادت في نسخ سابقة إراحة عدد من لاعبيها المحترفين في أوروبا، وهو ما انعكس على جاهزية المنتخب في البطولات الكبرى.

فرصة تاريخية

ويخلص التحليل إلى أن منطقة الكونكاكاف تقف أمام فرصة قد لا تتكرر لعقود، إذ لن تستضيف كأس العالم مجدداً في المستقبل القريب، ما يجعل استثمار إرث نسخة 2026 ضرورة وليس خياراً.

وأضاف أن نجاح البطولة لن يقاس فقط بالأرقام الجماهيرية أو العوائد الاقتصادية، بل بقدرة الاتحادات الوطنية على تحويل هذا الزخم إلى إصلاحات طويلة الأجل تشمل تطوير اللاعبين، ورفع مستوى المسابقات المحلية، وتوسيع قاعدة الممارسين، بما يضمن استمرار نمو كرة القدم في أميركا الشمالية خلال السنوات المقبلة.

بينما أثبتت البطولة قدرة المنطقة على تنظيم حدث عالمي، يظل التحدي الأكبر في تحويل هذا الزخم إلى تطوير مستدام للمواهب والبنية التحتية. سيكون مستقبل المنتخبات الثلاثة مرهونًا بقدرة اتحاداتها على معالجة نقاط الضعف وتعزيز البرامج الشبابية. وإذا ما نجحت المنطقة في ذلك، فقد تصبح قوة كروية صاعدة في السنوات المقبلة.