لماذا رفض أينشتاين رئاسة دولة إسرائيل؟
عام 1952، عرض ديفيد بن غوريون رئاسة دولة إسرائيل على ألبرت أينشتاين. رفض أعظم عالِم فيزيائي في القرن العشرين، قائلاً في حديث خاص: "لو أصبحت رئيساً لكان عليّ أحياناً أن أقول للشعب الإسرائيلي أموراً لا يرغبون في سماعها".
يعيد المؤرخ والصحفي الفرنسي سيمون فيل، المختصّ بشخصية ألبرت أينشتاين وتاريخ الفكر في القرن العشرين، النظر بالمواقف السياسية للعالم الفيزيائي، في كتابه "أينشتاين في القدس: حلم السلام"، الصادر عن دار نشر "la tribu" في مايو 2026، وهو مؤلف كتاب "أينشتاين في مأساة القرن العشرين" الصادر عن دار "Imago" عام 2013.
كرّس فيل سنوات عدّة من البحث لدراسة كتابات العالِم السياسية، ولا سيما مواقفه من الصهيونية، وتأسيس دولة إسرائيل، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
لكن لماذا كتب المؤرخ كتاباً ثانياً عن أينشتاين، يجيب في مقدمة كتابه: "أعتقد أن ذلك كان منطقياً في ظل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الراهن. كان من المهم تسليط الضوء على القوة الأخلاقية، والصلابة المعنوية لهذا الرجل، والتي لا تحظى بشهرة واسعة".

من خلال كتابه "أينشتاين في القدس"، يتيح فيل لجمهور أوسع موضوعاً كان حكراً على المؤرخين والمختصين لفترة طويلة. ويطرح أسئلة حساسة مثل هل كان ألبرت آينشتاين صهيونياً؟ ما هي الهوية اليهودية لأبي النسبية؟ كما يتتبع تاريخ الصهيونية واليهود في القرن العشرين.
كان أينشتاين الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921، ومؤسس نظرية النسبية، "روحاً حرّة" بحسب الكاتب، وهو "رفض الانتماء حصرياً إلى أي قضية أو فكرة أو جماعة. وقد أثار هذا قلق بعض القادة الصهاينة عندما قرر عدم غض الطرف عن قضية الفلسطينيين العرب، ودعا إلى دولة ثنائية القومية".
وكتبت الدار الفرنسية في بيانها عن الكتاب "تبدأ الرواية عام 1911، وتنتهي عام 1955 بوفاة أينشتاين، وتتمحور حول مواقفه السياسية الرئيسة. هذا العالم غير التقليدي، المتمرد في السياسة كما في العِلم، تجرّأ على تحطيم جميع أطر الفيزياء والسياسة باسم رؤية عالمية تتجاوز الانتماءات الضيقة والفئات المهمّشة".
وتضيف: "في هذه الأوقات العصيبة التي تشهد حرباً في الأراضي الفلسطينية الإسرائيلية، وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، تبرز الحاجة الملحّة إلى تسليط الضوء على أقواله السياسية والأخلاقية الحكيمة، ووضوح تحليله، ونظرته الشاملة".
كان أينشتاين شاهداً رئيساً على ولادة الصهيونية وتأسيس إسرائيل، لذلك يساعدنا هذا السرد التاريخي "على فهم الأسباب التي أوصلت إسرائيل وفلسطين إلى مأزقهما الحالي. ولو أننا استمعنا في زمانه إلى تنبؤاته بما حدث لا محالة، لكان بإمكاننا تجنب هذا الصراع الذي لا ينتهي"، وفقاً للناشر.
محمد حسنين هيكل..وسؤال الهوية
في مقدّمة كتابه يروي المؤرخ ما جرى أثناء لقاء أينشتاين بالصحفي المصري محمد حسنين هيكل في برينستون عام 1953. إذ قال له أينشتاين: "هل أنا يهودي؟ بلا شك أنا يهودي، لكن هل أنا صهيوني؟ لا أعلم".
لكن كيف اصطدم مخترع النسبية بالحركة الصهيونية؟ بدأ ذلك عندما رفض العرض المفاجئ من أول رئيس وزراء لإسرائيل. كان حاييم وايزمان، أول رئيس للبلاد والزعيم الأبرز للحركة الصهيونية قد رحل لتوه، بعد أن كرّس حياته لتوطين اليهود في فلسطين المحتلة. أما أينشتاين، فكان قد تجاوز السبعين من عمره، وكان يقضي سنواته الأخيرة في منزله في برينستون الأميركية.
لكن ما هي الدوافع الحقيقية وراء رفض أعظم علماء عصره الرئاسة؟ هذا ما قرّر المؤرخ التركيز عليه في كتابه، من خلال الغوص في تاريخ العلاقة بين أينشتاين والصهيونية.
يقول فيل: "بالنسبة للعديد من القادة الصهاينة، كان أينشتاين أعظم يهودي في جيله. كان ديفيد بن غوريون يقدّر بشدة فكرة تشجيع الفكر والعلم، ومن هنا جاءت فكرته: دعوة أينشتاين ليصبح رئيساً جديداً لدولة إسرائيل، لكن استغلال آينشتاين لم يُنصف عظمة فكره".
هل كان أينشتاين صهيونياً؟
السؤال المحوري الذي يدور حوله المؤرخ الفرنسي، هل كان أينشتاين صهيونياً؟ يعتقد فيل أن أينشتاين كان مدفوعاً بأفكار متناقضة. فمن جهة، كان يؤمن بالشمولية، وبفكرة أن لكل إنسان قيمة متساوية. كان يكره القومية. لكنه كان يؤمن أيضاً بأن اليهود بحاجة إلى ملجأ، وأن الصهيونية، وإن كان قد تبناها، لم تكن سوى أداة فقط لمساعدة اليهود على الفرار من محنتهم.
وبحسب الكاتب، "كان يفكر تحديداً بيهود أوروبا الشرقية، ومع ذلك، كان أيضاً مؤيداً للشتات، معتقداً أن جميع اليهود الذين يرغبون في البقاء في بلدانهم يجب أن يتمكنوا من ذلك. كما وصف نفسه بأنه "طائر مهاجر". كان يهودياً من الشتات، لم يرَ نفسه إلا جزءاً من الشتات.
من وجهة نظره، "كان الشتات مصدر ثروة الشعب اليهودي. بعد المحرقة وإنشاء الكيان الإسرائيلي، تغيّر موقفه إلى حد ما: شعر، مثل كثيرين في ذلك الوقت، أن إبادة اليهود بعد الإبادة الجماعية جعلت اللجوء أكثر ضرورة".
في نهاية المطاف، أيّد إنشاء إسرائيل، وحثّ البريطانيين على فتح الهجرة اليهودية إلى فلسطين، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لن يعيش هناك أبداً. "لم يرغب قط في تعلّم العبرية أو الاستقرار هناك. مؤكداً على فكرته الرئيسة: هناك فلسطينيون يعيشون هنا. لا أعرف كل تفاصيل حياتهم، لكن من الواضح أن لهم من الكرامة ما لليهود".
كما كان من أوائل من قالوا: "إن الطريقة التي يُعامل بها عرب فلسطين غير مقبولة؛ يجب الاستماع إلى صوت الفلسطينيين العرب". وبحسب الكاتب "اعتقد أينشتاين أنه إذا لم يتمكن اليهود والعرب من التوصّل إلى تفاهم، فإن الحركة الصهيونية ستكون بلا معنى. كان هذا شرطاً أساسياً للصهيونية. كتب آينشتاين في رسالة إلى وايزمان: "يجب أن نتحدث مع العرب، وإلا فلن ننعم بالسلام ولا بالأمن".
نشأة الصهيونية
عاصر أينشتاين الحركة الصهيونية السياسية، وكان على صلة وثيقة بأبرز قادتها. فمن ماكس برود إلى حاييم وايزمان، مرورا بالألماني كورت بلومنفيلد، وصولاً إلى هوغو بيرغمان المولود في براغ، وتبنى المثل الصهيونية على طريقته الخاصة.
أثار غضبه نظام الحصص المفروضة على الجامعات، والازدراء الذي أبداه اليهود الألمان تجاه يهود أوروبا الشرقية. ثم دافع عن "إخوانه اليهود" الذين كانوا ضحايا للتمييز. كان مقتنعاً بضرورة إيجاد ملاذ آمن لليهود الأوروبيين المضطهدين، وفي الوقت نفسه معادياً للقومية التي اعتبرها خطيرة وعقيمة.
من خلال تواصله مع الناشطين الصهاينة، ومواجهته لتصاعد معاداة السامية في ألمانيا، والتي أدركها في أوائل عشرينيات القرن الماضي، استعاد ارتباطه بهويته اليهودية الثقافية، وانحاز لفترة وجيزة إلى المنظمة الصهيونية العالمية، على الرغم من أنه لم يمارس الديانة اليهودية قط.
كتب إلى صديقه إسحاق هيرش عام 1946: "مع أنني أشبه بالقديسين اليهود، إلا أني لم أدخل كنيساً منذ زمن طويل، لدرجة أني أخشى ألا يتعرف عليّ الله، وإن فعل، فسيكون الأمر أسوأ".
يتحدث المؤرخ الفرنسي عن منشأ اهتمامه بهذا العالِم قائلاً: "أثناء بحثي لكتابة المقال، اطلعت على أرشيفه في الجامعة العبرية في القدس. ثم التقيت بباربرا وولف، المطلعة على أرشيفه الذي عهد به بنفسه إلى الجامعة العبرية في القدس. وقالت: "هناك العديد من الوثائق غير المنشورة، وخاصة تلك المتعلقة بالصهيونية. يجب فعل شيء حيالها".
يضيف: "كتبت حينها كتابي "أينشتاين في مأساة القرن العشرين" ونشرته دار "إيماجو" عام 2013".
يصف الكاتب أينشتاين بأنه غالباً ما يُختزل بجانبه العلمي، "وهو جانب استثنائي ورائع بالفعل. لكننا لا نعرف ما يكفي عن تواضع أينشتاين وكرمه، فهو جسّد السمو الأخلاقي على أعلى مستوى، وسعى إلى الحقيقة والعدالة".
وقال: "لطالما استمتع هذا الرجل بكسر الأعراف السائدة. بل اعتقد أنها كانت هوايته المفضلة. كانت النسبية، كما يوحي اسمها، بمثابة هدم لكل ما بنينا عليه فهمنا".
وعن علاقة أينشتاين بهويته اليهودية يوضح فيل أن أينشتاين "كان شخصاً يتجوّل في عالم العلوم بعقلٍ منفتح. ثم، واجه هوية متغيرة". ويوضح أنه "ظهر أول تعبير علني عن هويته اليهودية عام 1914 عندما دافع عن اليهود المضطهدين في روسيا. ثم، بدءاً من عام 1919، دافع عن يهود ألمانيا الشرقية، الذين كانوا فقراء للغاية ويتعرّضون لازدراء شديد من قِبل اليهود البرجوازيين المندمجين في المجتمع الألماني".
أينشتاين والقنبلة الذرية
ولد ألبرت أينشتاين عام 1879 من عائلة يهودية ألمانية من الطبقة المتوسطة. كان والداه قلقين لأنه نادراً ما كان يتكلم حتى سن الثالثة، كان طفلاً هادئاً يبني بيوتاً عالية من ورق اللعب، يكره لعب دور الجندي، وينبهر بكتب الهندسة.
في الخامسة عشرة من عمره، ترك المدرسة الثانوية، ساخطاً على التلقين والحفظ والأساليب الصارمة للمعلمين، ولحق بعائلته إلى إيطاليا حيث نقلوا أعمالهم المتعثرة. ثم التحق بمدرسة سويسرية وبعدها بالمعهد الفدرالي للتكنولوجيا في زيورخ.
عام 1909 أصبح أينشتاين أستاذاً مساعداً في جامعة زيورخ، ثم انتقل إلى الجامعة الألمانية في براغ. واصل نشر أبحاث فيزيائية مهمة، ساعياً وراء فكرة أساسية: "أريد أن أعرف كيف خلق الله هذا العالم. لا يهمني هذا أو ذاك من الظواهر، ولا طيف هذا أو ذاك من العناصر. أريد أن أعرف أفكاره؛ أما الباقي فهي تفاصيل".
عام 1915 أنجز أينشتاين نظريته النسبية العامة. فقلب المفاهيم القديمة للمكان والزمان، وتوصّل إلى فهم جديد للجاذبية. وفي الوقت نفسه، واصل التوقيع على عرائض السلام.
دافع عن الحكومة الجمهورية الألمانية الناشئة وغيرها من القضايا الليبرالية. وتعرّض هو ونظريته النسبية لهجوم شرس. عام 1921 حصل على جائزة نوبل في الفيزياء.
رفض العيش في ألمانيا تحت الحكم النازي الجديد، ورحل عن ألمانيا، ثم انضم إلى معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، نيوجيرسي عام 1933.
عام 1939، وقّع رسالة أبلغ فيها الرئيس فرانكلين روزفلت باحتمالية امتلاك الألمان قنابل نووية، محذراً من أن الألمان قد يحاولون صنعها. وفي العام التالي، حصل أينشتاين على الجنسية الأميركية.
يقول في أحد خطاباته: "إن الشعور بما ينبغي وما لا ينبغي أن يكون ينمو ويموت كالشجرة، ولن يُجدي أي نوع من السماد نفعاً كبيراً. ما يستطيع الفرد فعله هو أن يكون قدوة حسنة، وأن يتحلى بالشجاعة للتمسك بقناعاته الأخلاقية في مجتمع مليء بالمتشائمين. لقد حاولت طويلاً أن أسلك هذا النهج، بنجاح متفاوت."
عام 1955، كان ما يزال يبحث عن نظرية المجال الموحد الحقيقية لفهم أعمق للطبيعة. وبينما كان يتبادل الرسائل حول مشروع جديد مناهض للحرب ويكتب خطاباً لإسرائيل، أصيب بمرض خطير وتوفي.
المصدر الأصلي: الشرق للأخبار
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.