أزمة "جنون البقر" فجّرت خلافاً تجارياً بين بريطانيا والأردن
ملخص
تُظهر الوثائق البريطانية المسربة كيف حوّلت لندن مفاوضات اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والأردن إلى أداة ضغط سياسي لتحقيق مكاسب تجارية صرفة، مما يكشف التداخل الوثيق بين السياسة الخارجية والمصالح الاقتصادية، والدور الذي اضطلعت به مؤسسات التكتل الأوروبي في مساندة أولويات الدول الأعضاء وقت الأزمات التجارية.
وكانت أزمة جنون البقر التي هزت بريطانيا في منتصف التسعينيات قد أثارت موجة من الحظر التجاري على المنتجات البريطانية في العديد من الدول.
في ربيع 1996، شهدت أوروبا أزمة صحية كبرى زعزعت ثقة المستهلكين في الغذاء، إذ تحولت قضية مرض جنون البقر (BSE) من مشكلة بيطرية إلى أزمة سياسية وتجارية ودبلوماسية دولية، طالت تداعياتها عشرات الدول التي أسرعت بفرض حظر على الواردات البريطانية خشية انتقال العدوى إلى البشر.
وفي خضم تلك الأزمة، لم يكن الأردن استثناءً، فقد قررت السلطات الأردنية حظر استيراد منتجات الألبان البريطانية، استناداً إلى المخاوف الصحية السائدة آنذاك، غير أن هذا القرار، الذي بدا في ظاهره إجراء احترازياً، تحول سريعاً إلى قضية سياسية احتلت مساحة واسعة داخل المراسلات السرية للحكومة البريطانية، التي عدت استمرار الحظر تهديداً لمصالحها التجارية وسمعة صادراتها.
وتظهر البرقيات والمذكرات البريطانية الرسمية في 1996 أن لندن نظرت إلى الحظر الأردني ليس كخلاف فني حول سلامة الأغذية، بل كملف دبلوماسي يستدعي تحريك وزارة الخارجية والمفوضية الأوروبية والبعثات الدبلوماسية لممارسة ضغط منسق على عمان لإلغائه.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها تكشف، من داخل دوائر صنع القرار البريطانية، كيفية توظيف مفاوضات اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والأردن باعتبارها إحدى أدوات الضغط السياسي لتحقيق هدف تجاري بحت، وهي بذلك تقدم نموذجاً واضحاً للتداخل بين السياسة الخارجية والمصالح الاقتصادية، وللدور الذي لعبته مؤسسات الاتحاد الأوروبي في دعم أولويات الدول الأعضاء خلال الأزمات التجارية.
أزمة صحية تتحول إلى أزمة دبلوماسية
مع الإعلان عن وجود احتمال لانتقال مرض جنون البقر إلى الإنسان، واجهت بريطانيا عزلة تجارية غير مسبوقة، فقد سارعت دول عديدة إلى وقف استيراد المنتجات البريطانية، وخصوصاً اللحوم ومشتقاتها، بينما وسعت بعض الحكومات نطاق الحظر ليشمل منتجات الألبان والحلويات المصنعة من الحليب، على رغم عدم وجود إجماع علمي في ذلك الوقت على ضرورة هذه الإجراءات.
ويستفاد من الملف الدبلوماسي أن الحكومة البريطانية عدت هذا التوسع في الحظر مبالغاً فيه، وبدأت حملة واسعة لإقناع الدول بأن منتجات الألبان لا تمثل خطراً على الصحة العامة، ولم تقتصر الحملة على الاتصالات الثنائية، بل جرى تنسيقها عبر المفوضية الأوروبية، التي تبنت بدورها موقفاً داعماً للمطالب البريطانية.
وفي هذا السياق، اكتسب الأردن أهمية خاصة بالنسبة إلى السياسة البريطانية، فالحظر الذي فرضته عمان لم يكن مجرد قرار سيادي يتعلق بالصحة العامة، بل جاء في وقت كانت المفاوضات بين الأردن والاتحاد الأوروبي في شأن اتفاق الشراكة تمر بمرحلة متقدمة، مما وفر لبريطانيا فرصة لاستخدام هذا المسار التفاوضي كورقة ضغط.
الأردن في قلب الاهتمام البريطاني
تشير إحدى البرقيات الصادرة عن البعثة البريطانية في بروكسل إلى أن المسؤولين البريطانيين تابعوا بصورة يومية موقف الأردن من حظر منتجات الألبان، ولم تكن المتابعة مقتصرة على وزارة الخارجية البريطانية، بل شملت أيضاً ممثلي بريطانيا لدى الاتحاد الأوروبي، ووزارة الزراعة، ووزارة التجارة والصناعة، فضلاً عن المفوضية الأوروبية نفسها.
وتوضح البرقية أن الاتصالات البريطانية ركزت بصورة خاصة على مسؤولين داخل المفوضية الأوروبية، هما "شتادلر" من المديرية العامة السادسة، و"راين" من المديرية العامة الأولى، بهدف ضمان أن يكون ملف الحظر الأردني حاضراً في جميع اللقاءات مع المسؤولين الأردنيين.
ويظهر من مضمون البرقية أن لندن كانت ترى في مؤسسات الاتحاد الأوروبي أداة أكثر فاعلية من الاتصالات الثنائية المباشرة، إذ إن الأردن كان حريصاً على إنجاز اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما منح بروكسل قدرة تفاوضية أكبر من قدرة بريطانيا وحدها.
اتفاق الشراكة يتحول إلى وسيلة ضغط
من أبرز ما تكشفه البرقيات البريطانية أن المفوضية الأوروبية لم تكتف بإبداء انزعاجها من استمرار الحظر الأردني، بل ربطت بصورة مباشرة بين رفع الحظر وبين مستقبل مفاوضات اتفاق الشراكة.
وتفيد إحدى البرقيات بأن المسؤول الأوروبي "شتادلر" أبلغ الجانب البريطاني أن المفوضية أوضحت للمسؤولين الأردنيين في بروكسل أن المفاوضات الخاصة باتفاق الشراكة لا يمكن أن تختتم ما لم يُرفع الحظر المفروض على منتجات الألبان المقبلة من دول الاتحاد الأوروبي.
وتكشف هذه العبارة، الواردة في تقرير دبلوماسي داخلي، عن أن المسألة تجاوزت حدود النقاش الصحي، لتصبح جزءاً من عملية تفاوض سياسي واقتصادي أشمل، إذ استخدمت إحدى أهم الاتفاقات التي كان الأردن يسعى إلى إنجازها وسيلة للضغط عليه في ملف تجاري محدد.
غير أن البرقية نفسها تشير إلى وجود تباين داخل المفوضية الأوروبية. فبينما تبنى "شتادلر" موقفاً متشدداً، بدا المسؤول الأوروبي الآخر "راين" أكثر حذراً، إذ رأى أن معالجة القضية ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية، ولم يبد حماسة لربطها بصورة مباشرة بمفاوضات الشراكة.
ويعكس هذا التباين اختلافاً في أساليب إدارة الأزمة داخل المؤسسات الأوروبية، لكنه لا يغير من حقيقة أن الاتجاه العام كان يميل إلى استخدام أدوات التفاوض السياسي لدعم الموقف البريطاني.
حملة منسقة داخل مؤسسات الدولة البريطانية
تكشف المراسلات أن التحرك البريطاني لم يكن جهداً منفرداً لوزارة الخارجية، وإنما شاركت فيه عدة مؤسسات حكومية بصورة منسقة.
فقد عُقد اجتماع ضم وزارة الخارجية ووزارتي التجارة والصناعة والزراعة، أعقبه تكليف البعثة البريطانية لدى الاتحاد الأوروبي بإثارة القضية خلال اجتماعات مجموعة المغرب – المشرق، وجرى التواصل مع المفوضية الأوروبية لضمان استمرار الضغط على الأردن.
وتبرز البرقيات أن لندن لم تكن تكتفي بمتابعة الموقف من العاصمة البريطانية، بل أصدرت تعليمات مباشرة إلى سفارتها لدى عمان للتنسيق مع مكتب المفوضية الأوروبية هناك، والتأكد من أن المسؤول الأوروبي "راين" سيطرح قضية الحظر خلال زيارته الأردن يومي الثاني والثالث من مايو (أيار) 1996.
ومن خلال هذه التفاصيل يتضح أن بريطانيا كانت تدير حملة دبلوماسية متكاملة، جمعت بين الاتصالات الثنائية والعمل الجماعي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، مع الحرص على استثمار كل زيارة أو اجتماع رسمي لإعادة طرح القضية على الجانب الأردني.
من الحوار إلى الضغط السياسي
بعدما نجحت الحكومة البريطانية في إقناع المفوضية الأوروبية بتبني موقفها، انتقل الاهتمام إلى كيفية توظيف هذا الموقف في مواجهة الأردن.
وتوضح إحدى البرقيات أن زيارة المسؤول الأوروبي راين إلى عمان في الثاني والثالث من مايو 1996 عدت فرصة مناسبة لإثارة القضية مباشرة مع المسؤولين الأردنيين، ولم يكن المطلوب مجرد طرح الموضوع، بل التأكد من أن المفوضية الأوروبية تمارس ضغطاً فعلياً خلال المحادثات المتعلقة باتفاق الشراكة.
ولهذا السبب، طلبت وزارة الخارجية البريطانية من سفارتها لدى عمان التواصل مع مكتب المفوضية الأوروبية في الأردن، والتأكد من أن جميع ممثليها على علم بالتزام المفوضية بالسعي إلى رفع الحظر عن منتجات الألبان البريطانية.
ويعكس هذا الإجراء حجم التنسيق بين المؤسسات الأوروبية والبريطانية، إذ لم تكن لندن ترغب في ترك أي مساحة لاختلاف الرسائل السياسية الموجهة إلى الجانب الأردني.
سياسة العصا الناعمة
ومن بين أكثر ما يلفت الانتباه في هذه البرقيات أن الحكومة البريطانية لم تكن، في تلك المرحلة، ترغب في الإعلان صراحة عن استخدام اتفاق الشراكة وسيلة ضغط، على رغم أنها كانت تناقش ذلك داخلياً.
ونصت إحدى البرقيات على ضرورة تجنب الربط المباشر بين توقيع اتفاق الشراكة ورفع الحظر، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن هذا الربط كان مفهوماً ضمناً لدى المفوضية الأوروبية، وأنه قد يصبح معلناً إذا لم تحقق الضغوط غير المباشرة النتائج المرجوة.
ويكشف هذا النص عن اعتماد لندن سياسة يمكن وصفها بـ"العصا الناعمة"، أي الإبقاء على التهديد السياسي حاضراً دون التصريح به رسمياً، بما يتيح للجانب الأردني استيعاب الرسالة من غير أن يتحول الأمر إلى أزمة دبلوماسية علنية.
ومن اللافت أن الوثائق لا تتحدث عن وجود خلاف داخل الحكومة البريطانية حول مشروعية هذا الأسلوب، بل ينصب النقاش على توقيت الإعلان عنه، وهو ما يدل على أن استخدام مفاوضات الشراكة كورقة ضغط كان خياراً مطروحاً منذ البداية.
إذا فشلت الضغوط
وفي تعليق أرفقته وزارة الخارجية البريطانية بإحدى البرقيات، يظهر أن المسؤولين في لندن كانوا يدرسون خطوات تصعيدية في حال لم تحقق زيارة راين النتائج المطلوبة.
وجاء في المذكرة أن الحكومة البريطانية ستنتظر تقرير الزيارة، ثم تقرر الخطوات التالية، مضيفة أنه إذا أخفقت جهود المفوضية الأوروبية فقد يصبح من الضروري الربط بصورة أكثر وضوحاً بين توقيع اتفاق الشراكة وبين رفع الحظر.
اقرأ المزيد- بريطانيا تفرض حظرا ليليا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للمراهقين
- ترمب يستقل "إير فورس وان" القديمة ويرسل الطائرة الجديدة إلى بريطانيا
- بريطانيا.. عندما ينقلب المهاجر على أقرانه
ولا تتوقف أهمية هذا النص عند الأردن وحده، إذ تمتد لتشمل السياسة الأوروبية في المنطقة عموماً، فقد أوردت البرقية أن تطبيق هذا الأسلوب قد يستلزم اعتماد السياسة نفسها مع لبنان، الذي كان يفرض بدوره قيوداً على منتجات الألبان البريطانية، في وقت كانت مفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي تمر بمرحلة مشابهة.
وهنا تتجاوز القضية إطار العلاقات الثنائية مع الأردن لتكشف عن توجه أوسع يقضي باستخدام اتفاقات الشراكة الأوروبية كوسيلة للتأثير في قرارات عدد من دول الشرق الأوسط.
الأردن ليس الحالة الوحيدة
توضح التقارير البريطانية أن الأردن كان جزءاً من قائمة أطول للدول التي فرضت قيوداً على المنتجات البريطانية، وتضمنت المذكرة المعدة لوزارة الزراعة البريطانية أسماء دول عدة، من بينها السعودية وسوريا ولبنان واليمن، وكذلك تركيا والأرجنتين والأوروغواي وغينيا بيساو، إلا أن لندن لم تتعامل مع جميع هذه الدول بالطريقة نفسها.
ففي حالة الأردن ولبنان، كانت هناك مفاوضات سياسية واقتصادية مع الاتحاد الأوروبي يمكن استثمارها في ممارسة الضغط، بينما افتقرت العلاقات مع دول أخرى إلى ورقة تفاوض مماثلة، ويعني ذلك أن السياسة البريطانية لم تكن موحدة تجاه جميع الدول، وإنما اختلفت باختلاف الأدوات المتاحة للتأثير.
الاستناد إلى المرجعية العلمية
وعلى رغم أن المراسلات ركزت بصورة كبيرة على الجوانب السياسية، فإنها لم تهمل البعد العلمي، فقد تضمنت مذكرة أعدتها وزارة الزراعة البريطانية عرضاً لما وصفته بالأدلة العلمية التي تؤكد سلامة الحليب ومنتجات الألبان.
وأشارت المذكرة إلى أن اللجنة الاستشارية البريطانية لمرض جنون البقر (SEAC) أكدت مجدداً أن الحليب آمن، واستشهدت بتصريحات مفوض الزراعة الأوروبي فرانز فيشلر الذي أكد عدم وجود شكوك علمية في شأن منتجات الألبان.
وأضافت أن منظمة الصحة العالمية أصدرت في الثالث من أبريل (نيسان) 1996 بياناً عدت فيه أن الحليب ومنتجاته آمنة حتى في البلدان التي تشهد انتشاراً مرتفعاً لمرض جنون البقر.
غير أن قراءة الوثائق مجتمعة تظهر أن هذه المبررات العلمية لم تكن تستخدم بمعزل عن الأدوات السياسية، بل جاءت جزءاً من خطاب متكامل يهدف إلى إقناع الدول المتحفظة أو ممارسة الضغط عليها.
حملة إعلامية ودبلوماسية متزامنة
ويتبين من المذكرات أن الحكومة البريطانية لم تعتمد على القنوات الرسمية وحدها، بل أعدت ما يشبه "رسائل إعلامية موحدة" لتستخدمها بعثاتها الدبلوماسية في مختلف أنحاء العالم.
وقد تضمنت هذه الرسائل نقاطاً محددة، منها تأكيد موقف منظمة الصحة العالمية، والإشارة إلى موقف المفوضية الأوروبية، والتذكير برأي اللجنة العلمية البريطانية، وإبراز الدول التي رفعت الحظر بالفعل.
وكان الهدف من ذلك إظهار أن الدول التي لا تزال تتمسك بالحظر أصبحت استثناءً، وأن استمرارها في هذا الموقف لا يستند إلى أساس علمي.
وتكشف هذه الاستراتيجية عن إدراك بريطاني لأهمية توحيد الخطاب السياسي والعلمي في آن، بحيث تتحدث جميع السفارات البريطانية باللغة نفسها عند مخاطبة الحكومات الأجنبية.
إبراز الدول التي استجابت
ولتعزيز موقفها، حرصت لندن على تسجيل النجاحات التي حققتها حملتها، وتفيد المذكرة بأن عدداً من الدول، منها روسيا وماليزيا وتايلاند ومصر والمغرب والبرازيل والإكوادور وبيرو، قررت رفع القيود المفروضة على منتجات الألبان البريطانية بعد الاطلاع على البيانات العلمية المتوافرة.
ولم يكن ذكر هذه الدول مجرد استعراض للنجاحات، بل كان يحمل رسالة سياسية موجهة إلى الحكومات التي لم ترفع الحظر بعد، ومفادها أن المجتمع الدولي بدأ يقتنع بالموقف البريطاني، وأن استمرار القيود سيضع تلك الدول في موقف مغاير للاتجاه العام.
تسلط هذه الوثائق الضوء على كيفية تحويل خلافات تجارية إلى أدوات ضغط سياسي، مما يطرح تساؤلات حول حيادية الاتفاقات التجارية الأوروبية. كما يعكس الموقف البريطاني أولوية المصالح التجارية حتى على حساب العلاقات الدبلوماسية مع دول شركاء. ويبقى أن معرفة هذه التفاصيل قد تؤثر على نظرة الأردن ودول أخرى إلى مفاوضات الشراكة المستقبلية.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.