دعت جمعيات أوروبية متخصصة في السمنة والتغذية والمرضى إلى عدم التعامل مع أدوية السمنة الحديثة المعتمدة على هرمونات الإنكريتين باعتبارها علاجاً دوائياً منفصلاً، مؤكدة أن استخدامها الآمن والفعال يتطلب رعاية غذائية ونفسية ووظيفية مستمرة، خصوصاً مع اتساع الاعتماد على أدوية مثل ناهضات مستقبلات GLP-1  والتي تستخدم حالياً في علاج السمنة.

وجاءت الدعوة في بيان توافقي جديد أعدته الرابطة الأوروبية لدراسة السمنة، والاتحاد الأوروبي لجمعيات اختصاصيي التغذية، والتحالف الأوروبي لمرضى السمنة، ومن المقرر عرضه خلال المؤتمر الأوروبي للسمنة لعام 2026 في إسطنبول بتركيا. وشارك في إعداد البيان فريق دولي من 26 باحثاً وخبيراً.

وقال معدو البيان إن العلاجات المعتمدة على الإنكريتين، ومنها أدوية GLP-1، أحدثت تحولاً كبيراً في علاج السمنة، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه الباب أمام مخاطر غذائية ووظيفية ونفسية إذا استُخدمت دون متابعة متكاملة.

العلاج الغذائي الطبي

والإنكريتين مجموعة من الهرمونات التي تفرزها الأمعاء بعد تناول الطعام، وتساعد الجسم على تنظيم سكر الدم والشهية؛ إذ ترسل إشارة إلى البنكرياس لإفراز الإنسولين عند الحاجة، وتقلل إفراز هرمون يرفع السكر، كما تبطئ تفريغ المعدة وتزيد الإحساس بالشبع. ومن أهمها هرمون GLP-1، ولذلك تعتمد بعض أدوية السكري والسمنة الحديثة على تقليد تأثيره، فتساعد على خفض الشهية وتحسين التحكم في السكر والمساهمة في فقدان الوزن.

وتعمل تلك الأدوية على تقليل الشهية والمساعدة في خفض الوزن، لكنها غالباً تقلل كمية الطعام المتناول، ما يجعل جودة الغذاء وكفاية البروتين والفيتامينات والمعادن مسألة أساسية لا تقل أهمية عن رقم الوزن على الميزان.

وركز البيان على ما يسميه "العلاج الغذائي الطبي" وهو تدخل يقوده اختصاصي تغذية مسجل، باعتباره عنصراً مركزياً في رعاية المصابين بالسمنة أثناء استخدام هذه الأدوية. ويشمل ذلك تقديم إرشادات لضمان كفاية البروتين والمغذيات الدقيقة، ومساعدة المرضى على التعامل مع الآثار الجانبية الهضمية مثل الغثيان أو القيء أو الإمساك، إلى جانب دعم عادات غذائية صحية قابلة للاستمرار بعد فقدان الوزن.

وأكدت التوصيات أن دور اختصاصي التغذية لا يقتصر على وصف قوائم طعام، بل يمتد إلى دعم تغيير السلوك الغذائي على المدى الطويل، واستخدام لغة تراعي الكرامة ولا تختزل صحة المريض في وزنه فقط.

وأشار البيان إلى أن الرعاية يجب أن تكون "شاملة للوزن" وتحترم تجربة المريض، في إشارة إلى تجنب الوصم الذي يواجهه كثير من مرضى السمنة داخل الأنظمة الصحية وخارجها.

تحذير من فقدان الوزن السريع

وحذّر الخبراء من أن فقدان الوزن السريع أو الكبير قد يصاحبه فقدان جزء من الكتلة الخالية من الدهون، ومعظمها من العضلات. ووفقاً لتحليل تجارب سابقة أشار إليه البيان، فإن ما بين 24 و30% من الوزن المفقود مع هذه العلاجات قد يكون من الكتلة الخالية من الدهون، رغم أن الآثار الصحية الطويلة لذلك لا تزال غير محسومة، خصوصاً لدى كبار السن الذين تكون كتلتهم العضلية أقل أساساً.

واقترح البيان، عند توافر أدوات قياس تركيب الجسم، هدفاً عملياً يتمثل في أن يكون فقدان الدهون إلى فقدان الكتلة الخالية من الدهون بنسبة تقارب 3 إلى 1؛ أي أنه مقابل كل أربع كيلوجرامات يفقدها المريض، يكون ثلاث كيلوجرامات أو أكثر منها دهوناً، وكيلوجرام واحد أو أقل من الكتلة الخالية من الدهون.

كما أوصى بعدم الاكتفاء بمؤشر كتلة الجسم، وإدخال قياسات مثل محيط الخصر أو نسبة الخصر إلى الطول، مع اختبارات بسيطة لقوة العضلات مثل قوة قبضة اليد أو اختبار النهوض من الجلوس خمس مرات.

وفي الحالات الأكثر عُرضة لفقدان العضلات أو الهشاشة، دعا البيان إلى استخدام فحوص أكثر دقة عند توافرها، مثل قياس امتصاص الأشعة السينية مزدوج الطاقة أو تحليل المقاومة الكهربائية الحيوية. لكنه أشار إلى أن هذه الوسائل قد لا تكون متاحة في كل مكان بسبب التكلفة أو اختلاف البنية الصحية من دولة إلى أخرى.

وشددت التوصيات على أن النشاط البدني ليس إضافة هامشية إلى العلاج الدوائي، بل جزء أساسي من إدارة السمنة. وقال البيان إن أي مستوى من الحركة يمكن أن يساعد في فقدان الوزن وتقليل استعادته، لكنه ركز بصورة خاصة على تدريبات المقاومة وتقوية العضلات إلى جانب التمارين الهوائية، بهدف الحد من فقدان الكتلة العضلية وتحسين القدرة الوظيفية والصحة العامة والنفسية.

الجانب النفسي

وتناول البيان الجانب النفسي لاستخدام أدوية السمنة، مشيراً إلى أن كثيراً من المصابين بالسمنة لديهم قابلية سابقة لمشكلات نفسية أو اضطرابات في الأكل أو ضغوط مرتبطة بصورة الجسد. ورغم أن فقدان الوزن قد يرتبط بتحسن في الصحة النفسية لدى بعض المرضى، فإن التغير الكبير في الوزن والهوية الشخصية والعلاقات الاجتماعية قد يؤدي لدى آخرين إلى عودة مشكلات نفسية أو ظهور صعوبات جديدة.

ودعا معدو البيان إلى فحص الحالة النفسية قبل بدء العلاج، ومتابعة المرضى أثناء استخدام الأدوية، خصوصاً من لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل أو الاكتئاب أو القلق. كما أوصوا بفحص اضطرابات تعاطي الكحول قبل بدء العلاج بأدويةGLP-1، ضمن تقييم أوسع للمخاطر والسلوكيات الصحية.

ويضع البيان قضية العدالة الصحية في قلب النقاش، إذ يقول إن السمنة تؤثر بدرجة أكبر على بعض الأقليات العرقية والفئات الأقل دخلاً، بينما تكون هذه الفئات نفسها أقل قدرة على الوصول إلى خدمات السمنة المتخصصة أو تحمل تكلفة الأدوية الحديثة. وأضاف أن أنظمة الدفع الخاص قد تزيد فجوة الحصول على العلاج، بينما ترتبط الهشاشة الاقتصادية والاعتماد على التأمين العام في بعض الدول بضعف الاستمرار في العلاج.

ولفت البيان إلى أن السياسات الحالية في بعض الأنظمة الصحية قد تمنح أولوية أكبر للمرضى الذين لديهم مضاعفات مشخصة مرتبطة بالسمنة، بينما يتأخر حصول المصابين بالسمنة وحدها على العلاج. واعتبر معدو التوصيات أن ذلك يعكس استمرار الوصم المحيط بالسمنة كمرض مستقل، داعين إلى توسيع تغطية هذه العلاجات وتحسين الوصول إلى الرعاية الغذائية التي يقودها اختصاصيو التغذية.

تقييم شامل

وقال الخبراء إن الأدلة العلمية ما زالت تعاني فجوات كبيرة. وخلصت مراجعة منهجية شملت 417 تجربة عشوائية على علاجات الإنكريتين إلى أن أقل من 20% منها أبلغت عن المدخول الغذائي أو المؤشرات الحيوية الغذائية، وأن أقل من 5% أبلغت عن نتائج تتعلق بالعظام أو المغذيات الدقيقة أو الأداء البدني، ما يترك أسئلة مفتوحة بشأن السلامة الغذائية والوظيفية والنفسية طويلة المدى.

وتشمل أولويات البحث التي حددها البيان تطوير مجموعة موحدة من النتائج التي يجب قياسها في تجارب أدوية السمنة، وتحسين مراقبة سوء التغذية ونقص المغذيات، وتقييم قوة العضلات والحركة والأداء البدني، ودراسة أفضل الطرق للحفاظ على الكتلة العضلية والعظام، وتحديد الكمية المثلى من البروتين أثناء العلاج، وفهم التأثيرات النفسية وتجارب المرضى في العالم الحقيقي.

وتتسق تلك التوصيات مع اتجاه أوسع في الرعاية الطبية ينظر إلى السمنة باعتبارها مرضاً مزمناً يحتاج إلى علاج طويل الأمد، لا مجرد تدخل قصير لإنقاص الوزن.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد دعمت في إرشاداتها استخدام علاجات GLP-1 للسمنة ضمن خطة علاج شاملة تتضمن الغذاء الصحي والنشاط البدني، مع التحذير من أن محدودية الوصول إلى هذه الأدوية قد توسع الفوارق الصحية بين المرضى.

وخلص البيان إلى أن أدوية الإنكريتين تمثّل "تحولاً نموذجياً" في علاج السمنة، لكن نجاحها يتوقف على دمجها داخل رعاية متعددة التخصصات، تشمل العلاج الغذائي بقيادة اختصاصيي تغذية، والدعم النفسي، ومراقبة الوظائف العضلية والجسمية، والتعامل المبكر مع الأعراض الهضمية ونقص المغذيات.

وأردف معدو البيان بالقول إن حماية العضلات والعظام، وضمان الغذاء الغني بالعناصر الأساسية، ومتابعة المرضى بعد وقف العلاج أو بعد جراحات السمنة، يجب أن تكون جزءاً من المرحلة المقبلة في أبحاث وسياسات علاج السمنة.