شهدت الأسواق الأميركية استقراراً في جلسة الثلاثاء، مع هدوء نسبي في التداولات، عقب إعلان بيانات تضخم جاءت أفضل من توقعات المحللين للشهر الماضي. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه النفط ارتفاعه وسط قلق متزايد من تفاقم التوتر بين واشنطن وطهران، واحتمال اندلاع مواجهات عسكرية واسعة.

وتكتسب بيانات التضخم في الولايات المتحدة أهمية كبرى في تحديد مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتابع عن كثب مؤشرات الأسعار لاتخاذ قراراته بشأن أسعار الفائدة.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة، ليعوِّض جزءاً من خسائره البالغة 0.8 في المائة في الجلسة السابقة. وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنحو 96 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين صعد مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 0.4 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتلقت الأسهم دعماً من تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية، عقب صدور بيانات أظهرت أن المستهلكين الأميركيين دفعوا أسعاراً أعلى بنسبة 3.5 في المائة في يونيو (حزيران) مقارنة بالعام السابق، مقابل تكاليف البنزين والغذاء ومجموعة واسعة من السلع والخدمات.

وعلى الرغم من أن المعدل ما زال يتجاوز المستوى المفضل لدى المستهلكين والجهات الناظمة، إلا أنه تراجع مقارنة بنسبة 4.2% المسجلة في مايو، كما أنه كان أقل من التوقعات التي أشارت إلى 3.9% لشهر يونيو. وقد يسهم هذا التراجع في تخفيف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي الذي يدرس خطواته المقبلة بشأن أسعار الفائدة.

وتسهم أسعار الفائدة المرتفعة في لجم التضخم، ولكنها في المقابل تؤدي إلى إبطاء النشاط الاقتصادي وزيادة تكاليف الاقتراض، ما ينعكس على مختلف فئات الأصول والاستثمارات.

عقب نشر أرقام التضخم، تراجعت توقعات المتداولين بشأن رفع الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة الرئيسي في اجتماعه المقرر نهاية هذا الشهر إلى ما دون 17%، بعد أن كانت حوالي 42% في اليوم الذي سبق، وفقاً لبيانات بورصة شيكاغو التجارية.

كما أدى تراجع عوائد السندات إلى تعزيز أسهم شركات الإسكان؛ إذ قد يساهم انخفاض العوائد في خفض تكاليف الرهن العقاري والقروض الأخرى للأسر والشركات. وارتفع سهم شركة «بيلدرز فيرست سورس»، المتخصصة في مواد البناء، مثل أسطح المطابخ والنوافذ، بنسبة 1.9 في المائة، بينما صعد سهم شركة «لينار» لبناء المنازل بنسبة 1.5 في المائة.

وساهم تعافي أسهم عدد من شركات رقائق الكومبيوتر الكبرى في دعم استقرار السوق، بعد تعرضها لتقلبات حادة خلال الأسابيع الأخيرة، بسبب المخاوف من ارتفاع تقييماتها بفعل موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وارتفع سهم شركة «ميكرون تكنولوجي» بنسبة 4.4 في المائة، بينما صعد سهم «إنفيديا» بنسبة 0.6 في المائة، بعدما كان السهمان من بين الأكثر ضغطاً على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» في الجلسة السابقة، مع تراجعهما بنسبة 4.4 في المائة و3.5 في المائة على التوالي.

لكن مخاطر التضخم لا تزال قائمة؛ خصوصاً مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، واحتمال تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي تمر عبره ناقلات النفط من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية.

وارتفع سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بنسبة 3.5 في المائة إضافية ليصل إلى 86.18 دولار للبرميل. وجاء ذلك بعد قفزة تقارب 10 في المائة يوم الاثنين، ليعود السعر إلى مستوياته المسجلة قبل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف الشهر الماضي.

ويركز المستثمرون هذا الأسبوع على موسم نتائج الشركات، مع إعلان المؤسسات المالية الكبرى عن أرباح الربع الثاني، في وقت تواجه فيه الشركات ضغوطاً لتحقيق نمو قوي يبرر الارتفاعات الكبيرة في أسعار الأسهم خلال الفترة الماضية.

وأعلن «بنك أوف أميركا»، و«سيتي غروب»، و«جي بي مورغان تشيس»، و«غولدمان ساكس»، و«ويلز فارغو» يوم الثلاثاء عن نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، مدعومة بأداء قوي في أنشطة التداول واستمرار متانة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي.

وارتفعت أسهم معظم هذه البنوك عقب إعلان النتائج؛ حيث صعد سهم «غولدمان ساكس» بنسبة 4.7 في المائة، بينما تراجع سهم «ويلز فارغو» بنسبة 1.7 في المائة.

في المقابل، كان سهم شركة «آي بي إم» من أكبر الخاسرين في «وول ستريت»، ما ضغط على مؤشر «داو جونز»، بعدما هبط بنسبة 24.2 في المائة عقب تصريحات الرئيس التنفيذي أرفيند كريشنا بأن أداء قطاعي البرمجيات والبنية التحتية جاء دون التوقعات خلال الربع الأخير.

وأوضح كريشنا أن العملاء في أواخر يونيو أعادوا توجيه إنفاقهم نحو الخوادم والتخزين والذاكرة، تحسباً لارتفاع الأسعار المرتبط بالطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقال في رسالة إلى المستثمرين إن الظروف الحالية تتطلب «أداءً مثالياً»، مضيفاً أن الشركة لم تتحرك بالسرعة الكافية، وأن تأخر إتمام عدد من الصفقات الكبيرة أدى إلى الجزء الأكبر من العجز في النتائج.

وفي سوق السندات، تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.57 في المائة، مقارنة بـ4.62 في المائة في نهاية تعاملات الاثنين، ليوقف بذلك ارتفاعه من مستوى 3.97 في المائة المسجل قبل اندلاع الحرب مع إيران.

وعلى صعيد الأسواق العالمية، تباين أداء الأسهم الأوروبية بعد جلسة قوية في آسيا. وارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 0.7 في المائة، مدعوماً بصعود سهم مجموعة «سوفت بنك» بنسبة 3.3 في المائة. وتعد «سوفت بنك» من أبرز المستثمرين في قطاع الذكاء الاصطناعي؛ حيث انتقد رئيس مجلس إدارتها ماسايوشي سون خلال فعالية في طوكيو فكرة وجود فقاعة في الاستثمارات المرتبطة بتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي.

كما صعدت الأسهم في شنغهاي بنسبة 1.4 في المائة، بعد إعلان الحكومة الصينية ارتفاع صادرات البلاد بنسبة 27 في المائة في يونيو مقارنة بالعام الماضي، بدعم من الطلب القوي المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتظل أسعار النفط عاملاً مؤثراً في اتجاهات التضخم، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي تهدد إمدادات الخام. وتشير تحركات السوق الأخيرة إلى حساسية المستثمرين تجاه أي تغيرات في التضخم وتأثيرها المحتمل على تكاليف الاقتراض. ويراقب المحللون عن كثب قرارات الفيدرالي المقبلة، إذ قد تؤثر على مسار الأسهم والسندات في الفترة المقبلة.