تعد زيادة عدد القطاعات والشركات المدرجة في السوق المالية أمراً جوهرياً لتنويع الخيارات الاستثمارية وتحقيق تمثيل أوسع للاقتصاد، مما يسهم في توازن حركة السوق ويرفع جاذبيته. وقد تحقق ذلك في السوق المالي السعودي عبر سوقيه الرئيسي والموازي (نمو)، إلا أن الملاحظ هو انخفاض متوسط السيولة المتداولة لفترة مطولة إلى مستويات لا تتناسب مع حجم السوق وقيمته التي تتجاوز 9.5 تريليون ريال للسوق الأول. فوجود سوق مالي بفرص استثمارية متنوعة ومئات الشركات يتطلب نمواً في حجم السيولة اليومية، وإلا سيكون كـ«جسم طائرة جامبو ضخمة بمحركات سيارة صغيرة» - أي عاجزاً عن الإقلاع إلى المستوى اللائق أو المواكب لنمو النشاط الاقتصادي.

وتُعد السيولة شرطاً أساسياً لحيوية أي سوق مالي، فهي تتيح للمستثمرين تنفيذ صفقاتهم بسهولة وتعكس ثقة المتعاملين في أداء السوق.

قد يرى البعض أن الأساس في الاستثمار هو التركيز على العائد من التوزيعات النقدية للشركات مقارنة بالفرص البديلة، دون النظر إلى تحركات سعر السهم أو المؤشر. وهذا المنطق نظرياً يتوافق مع قواعد الاستثمار، لكنه يتجاهل عوامل مهمة للاستثمار طويل الأجل، كالتضخم الذي يفترض أن تستوعبه الأصول للحفاظ على القوة الشرائية. فالمستثمر الذي يشتري ورقة مالية بقيمة معينة، وإذا لم ترتفع قيمتها رغم نمو أرباح الشركة لسنوات، سيجد عند الخروج أن قوته الشرائية قد تآكلت، كما يتجلى في ارتفاع أسعار العقار والسيارات والسلع بفعل التضخم المستمر منذ عقدين، وخاصة بعد التيسير الكمي الهائل الذي ضخته أمريكا ودول كبرى بعد أزمة 2008 المالية.

من خصائص أسواق المال سرعة التخارج، لكن تراجع السيولة يصعّب ذلك، مما يثني المستثمرين ويفقد السوق أحد أهم عوامل الجذب. ويؤثر هذا سلباً على خطط إعادة توزيع المراكز أو التحول إلى أصول خارج السوق، فيفقد الاقتصاد ديناميكية حركة الاستثمار. وقد يضطر البعض إلى البيع بأي سعر لعدم تفويت فرصة بديلة، مما يضغط على الأسعار. فالمضاربة تُعتبر ملح السوق والعامل الرئيسي لجاذبيته، وتراجع السيولة دون 4 مليارات ريال يومياً (أي 0.04% من القيمة السوقية الإجمالية) يمثل تحدياً كبيراً، بينما تبلغ نسبة التداول اليومي في الأسواق الأمريكية نحو 1.5% من قيمتها السوقية، وهي نسبة مثالية تمنحها أعلى جاذبية عالمياً.

قاع سوق الأسهم يبدو أنه أصبح واضحا بما أن المؤشر وجل أسعار الشركات استقرت لمدة طويلة فاقت العامين بهذه المناطق السعرية الحالية لكن متوسط السيولة يتراجع ولا يعرف أين قاعه؟ وهو ما يتطلب إعادة دراسة الأسباب المؤدية لذلك وإزالة أي معوقات تحد من تدفق السيولة للتداول اليومي بما يتناسب مع التوسع بعدد الفرص الضخم بالسوق والإصلاحات التنظيمية الكبيرة التي شهدها منذ أعوام ورفعت من مستوى تقييمه ليكون من بين الأسواق الناشئة المنضمة لأهم المؤشرات العالمية ويعكس التطور بنشاط الاقتصاد وتضاعف حجمه في آخر تسعة أعوام.

ويظل السؤال حول قاع السيولة مفتوحاً، خاصة مع استقرار المؤشر عند مستوياته الحالية لأكثر من عامين، مما يستدعي مراجعة شاملة للمعوقات التي تحد من تدفق السيولة. وتشير التجارب الدولية إلى أن الإصلاحات التنظيمية وحدها لا تكفي، بل لا بد من تحفيز المشاركة المؤسسية والأفراد عبر أدوات مبتكرة، وإلا فقد يواجه السوق تحديات في جذب الاستثمارات الجديدة والحفاظ على ديناميكيته.