ملخص

على رغم أن الحكومة المصرية سبق أن وعدت في نهاية العام الماضي بتجميد أسعار الوقود خلال عام 2026 فإن ظروف الحرب في منطقة الخليج وما تبعها من أزمات في الطاقة دفعتها للتخلي عن ذلك الوعد.

يترقب الشارع المصري باهتمام بالغ اجتماع لجنة التسعير التلقائي للوقود خلال الأيام المقبلة لمراجعة أسعار البنزين والسولار وكل المحروقات لثلاثة أشهر مقبلة، وسط أزمة طاقة يشهدها العالم ويُستبعد معها رؤية أسعار وقود أقل في محطات التعبئة المصرية على المدى المنظور.

وأمام هواجس الزيادة التي تلوح يبدو محمود الملواني، سائق سيارة الأجرة أكثر تقبلاً للصدمة من ذي قبل، غير أن الملواني من دون غيره من السائقين يأمل في سرعة حساب كلفة "دورة المدارس" التي يباشر عبرها نقل ستة تلاميذ من وإلى المدرسة مضافاً إليها أسعار الوقود الجديدة، قبل حلول العام الدراسي الجديد في سبتمبر (أيلول) المقبل.

تمرير الكلفة إلى الركاب

في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، يقول سائق التاكسي الذي يعمل على سيارته في نقل التلاميذ إلى المدارس في حي حدائق القبة وسط القاهرة، إن كلفة نقل التلميذ الواحد العام الماضي كانت في حدود 2000 جنيه (40.30 دولار)، وهذه الكلفة ستزيد بارتفاع أسعار الوقود في العام الدراسي الجديد، وآمل حساب تلك الكلفة قبل بدء الدراسة.

يشير، إلى أنه لا يحبذ اللجوء إلى تحريك تلك الكلفة في كل مرة يرتفع خلالها سعر الوقود أثناء العام الدراسي بفصليه الأول والثاني، غير أنه سيتعين عليه التحوط من الزيادة مستقبلاً خلال العام، تجنباً لفعل ذلك أثناء أشهر الدراسة.

وعلى رغم أن تحميل تلك الزيادة السعرية في الوقود على الركاب فإن محمود، يعترف بمعاناته هو الآخر، كونه رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، بجانب أن الزيادة في أسعار الطاقة سرعان ما تُترجم في موجة غلاء تطاول كل شيء، من الغذاء حتى الدواء والخدمات.

ارتفاع معدل التضخم

سجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.3 في المئة في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة بـ14.6 في المئة في مايو (أيار) السابق عليه، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة الأسبوع الماضي. 

لمثل هذه المعاناة، يستقبل المصريون أنباء تحريك أسعار الوقود في بلادهم باستياء بالغ، وعلى رغم أن الحكومة المصرية سبق أن وعدت في نهاية العام الماضي بتجميد أسعار الوقود خلال عام 2026 فإن ظروف الحرب في منطقة الخليج وما تبعها من أزمات في الطاقة دفعتها للتخلي عن ذلك الوعد.

في مارس (آذار) الماضي، رفعت مصر أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت ما بين 14 و30 في المئة، في ثالث زيادة خلال آخر 12 شهراً، بحسب بيان صادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية آنذاك. 

زيادة الأسعار 

وصعدت أسعار السولار، أحد أكثر أنواع الوقود استخداماً في مصر، ثلاثة جنيهات إلى 20.50 جنيه (0.3887 دولار)، بعدما كانت 17.50 جنيه (0.35 دولار)

وارتفعت أسعار البنزين بما يصل إلى 16.9 في المئة، وفق نوعه، فبلغ ⁠سعر البنزين ⁠80، 20.75 جنيه (0.42 دولار)، وصعد سعر البنزين 92 إلى 22.25 جنيه (0.45 دولار)، والبنزين 95 إلى 24 جنيهاً (0.48 دولار).

وقبل أيام، أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفي مدبولي عودة لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية للعمل مرة أخرى، بدءاً من الربع الأول من العام المالي الحالي.

مدبولي في مؤتمر صحافي رد على ما يثار حول ضرورة خفض أسعار المنتجات البترولية، وقال إن لجنة تسعير المنتجات البترولية ستحدد وفقاً لآليات عملها ومعادلاتها ودراساتها ما إذا كانت ستخفض أم تثبت الأسعار الحالية للمنتجات البترولية.

سيناريو خفض أسعار المنتجات البترولية

وأكد آنذاك أن الحكومة لا تريد تحميل أية أعباء على المواطن لكن الحرب الأخيرة تسببت في زيادة أسعار البترول لمستويات كبيرة، وهو الأمر الذي دفع إلى زيادة المنتجات البترولية حينها.

1000446540.jpg

ارتفعت أسعار البنزين بما يصل إلى 16.9 في المئة، وفق نوعه (أ ف ب)

ويستبعد خبراء الطاقة، سيناريو خفض أسعار المنتجات البترولية في مصر خلال الأسابيع المقبلة، في ظل تقلبات أسعار الطاقة العالمية، وعودة التوترات الجيوسياسية، بجانب وجود عوامل فنية أخرى تحكم قرار لجنة التسعير التلقائي للوقود. 

لا ينظر أستاذ هندسة البترول والطاقة جمال القليوبي، إلى التراجع الأخير في أسعار النفط العالمية إلى مستويات دون 75 دولاراً للبرميل باعتبارها مؤشراً بالضرورة إلى خفض أسعار المنتجات البترولية في مصر، إذ إن هذا التراجع لا يعد مستداماً، بل مرتبطاً أكثر بعوامل وقتية.

سعر النفط في الموازنة

ويضيف القليوبي، أن الموازنة العامة في مصر للعام المالي الحالي، أُعدت على أساس متوسط سعر لبرميل النفط عند 75 دولاراً، وأن كل زيادة قيمتها دولار واحد فوق هذا المستوى تُحمّل الخزانة العامة أعباء مالية تراوح ما بين 2.5 و3 مليارات جنيه (0.050 و 0.060 مليار دولار).

اقرأ المزيد

ويلفت القليوبي، إلى أن لجنة التسعير التلقائي للوقود تضع في الاعتبار عند اعتماد قراراتها المتعلقة بأسعار المنتجات البترولية عدداً من المؤشرات الرئيسة، من بينها تقارير أسواق النفط العالمية، ومستويات العرض والطلب، وسياسات الدول المنتجة، فضلاً عن توصيات المؤسسات الاقتصادية الدولية، مشيراً إلى أن اللجنة ستواصل متابعة جميع المتغيرات الاقتصادية العالمية خلال الفترة المقبلة قبل إصدار قراراتها.

أما وزير البترول المصري السابق أسامة كمال، فيرى أن التريث من جانب الحكومة قبل اتخاذ قرارات تسعيرية جديدة هو الأمر الأمثل حالياً في ظل تقلبات أسعار الطاقة العالمية، مشيراً إلى أن تراجع أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة لا يعني خفض أسعار المنتجات البترولية في مصر. 

خفض دعم الوقود

ويعتقد كمال، أن متوسط سعر برميل النفط خلال الربع الثاني من العام 90 دولاراً وهو رقم أكثر مما حددته وزارة المالية المصرية حين حددت هذا المتوسط بنحو 75 دولاراً للبرميل في موازنة العام الحالي، الأمر الذي يستبعد معه سيناريو إقدام اللجنة الحكومية لتسعير الوقود على خفض أسعار البنزين والسولار في الوقت الحالي.

تراجع دعم المواد البترولية بمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026-2027 عند نحو 15.840 مليار جنيه (0.32 مليار دولار) مقابل 75.033 مليار جنيه (1.51 مليار دولار) بموازنة 2025-2026، بخفض قدره نحو 59.193 مليار جنيه (1.19 مليار دولار) بنسبة 78.9 في المئة.

ويعد خفض دعم المواد البترولية في مصر مطلباً أساساً لصندوق النقد الدولي الذي تجمعه مع القاهرة برنامج تمويلي منذ مارس 2024 بقيمة 8 مليارات دولار.

وعلى الأرجح، سينحصر قرار لجنة التسعير التلقائي للوقود خلال الأيام المقبلة بين سيناريو تحريك أسعار البنزين والسولار أو في أفضل الأحوال تثبيت تلك الأسعار، وسط آمال عريضة على المستويين الرسمي والشعبي بمغادرة مربع الأزمات المالية والاقتصادية خلال الفترة المقبلة.