يشهد الاقتصاد السعودي مرحلة واعدة بامتياز، تُظهر متانة أساسياته وقدرته على الصمود واحتواء الصدمات الخارجية بكفاءة لافتة. فرغم التداعيات المؤقتة للتوترات الإقليمية، تكشف بيانات الربع الأول أن الانكماش في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي جاء محدودًا عند 1.2% فقط، وهو أقل بكثير من التقديرات الأولية التي رصدت انكماشًا بنسبة 1.5%، بفضل الدور الاستباقي للإنفاق الحكومي الذي نما بنسبة 7% على أساس ربع سنوي، وهو الأعلى منذ الربع الثاني من 2022.

وقد نجح الاقتصاد في تحقيق مساهمة إيجابية من صافي التجارة الخارجية رغم أزمة الطاقة، إذ تراجعت الواردات بوتيرة أكبر بكثير من الصادرات، فيما حافظ الطلب الخاص على استقراره النسبي رغم انكماش بعض القطاعات كالبناء والعقارات وتجارة التجزئة، وهو ما يُبرز مرونة هيكلية حقيقية ونضجًا متزايدًا في إدارة الدورة الاقتصادية.

والأهم من ذلك أن الآفاق المستقبلية تبدو مبشرة بقوة، فرغم توقعات بانكماش إضافي في الربع الثاني بفعل تراجع مؤقت في إنتاج النفط، تتوقع أرامكو السعودية استعادة الإنتاج تدريجيًا ليصل إلى 10 ملايين برميل يوميًا بحلول الربع الرابع من 2026، ما يمهّد لتوقعات نمو استثنائية تصل إلى 7-8% في 2027 حال استعادة الإنتاج مستوياته الكاملة. وهذا الزخم لا يقتصر على القطاع النفطي، بل يمتد ليشمل تحولًا هيكليًا عميقًا في محركات الاقتصاد غير النفطي، يتجلى بوضوح في الإقبال الاستثماري الكبير على القطاع العقاري في مختلف مناطق المملكة، وليس في الرياض وحدها.

فبينما تستحوذ العاصمة على النصيب الأكبر من الطلب المؤسسي بفضل برنامج المقرات الإقليمية الذي اجتذب أكثر من 700 شركة عالمية بنهاية 2025، متجاوزًا هدف 500 شركة قبل موعده بسنوات، تشهد مدن أخرى مثل جدة والدمام والخبر ومكة المكرمة والمدينة المنورة ونيوم زخمًا عقاريًا متناميًا يشمل المشاريع السكنية والتجارية والسياحية على حد سواء، بدعم من مشاريع تنموية عملاقة تمتد على طول الخريطة السعودية، وهو ما يعكس توزيعًا أكثر توازنًا وشمولًا للنمو الاقتصادي جغرافيًا، بدلاً من تركّزه في مدينة واحدة كما كان الحال في مراحل سابقة.

ويُضاف إلى هذا المشهد الإيجابي مستوى عالٍ من الشفافية في الإجراءات الحكومية، حيث باتت السعودية نموذجًا يُحتذى في تبسيط بيئة الأعمال، عبر منصات رقمية موحدة، ومعايير واضحة لمنح التراخيص والتصاريح، وإفصاح دوري عن البيانات الاقتصادية والمالية يعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.

وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في تدفق الشركات العالمية الكبرى، من أمازون ومايكروسوفت إلى سيمنز وديلويت، وفي الطلب المتصاعد على مكاتب الفئة "أ" التي بلغت معدلات إشغالها 98%، وقفزت إيجاراتها بنسبة تناهز 80% منذ  2021.

ويُعد هذا الضغط على المعروض إيجابيا في جوهره، لأنه يُظهر ثقة استثمارية حقيقية في مستقبل السوق السعودية، حتى وإن استدعى الأمر لجوء بعض الشركات الوافدة حديثًا إلى العمل المؤقت من حاضنات الأعمال ومساحات العمل المشترك، ريثما يكتمل المعروض الجديد البالغ أكثر من 900 ألف متر مربع من المساحات المكتبية المتوقع تسليمها بنهاية 2026.

ومع ذلك، وفي إطار الحرص على مواصلة تحسين بيئة الأعمال التي حققت هذا الزخم أصلًا، تبرز حاجة عملية لا تقلل من الصورة العامة الإيجابية بقدر ما تخدم استمراريتها: ضرورة إسراع بعض الجهات الحكومية في صيانة منصاتها الإلكترونية المخصصة لإصدار التراخيص وتجديدها، إذ لوحظ أن بعض هذه المنصات تتوقف عن العمل لفترات قد تتجاوز الأسبوعين في بعض الأحيان، وهو ما يربك جداول أعمال الشركات ويؤخر إجراءات كان يُفترض أن تكون سريعة وسلسة في ظل التحول الرقمي الشامل الذي تتبناه السعودية.

ولتفادي هذا الانقطاع مستقبلًا، يبدو من الضروري توفير نافذة بديلة موازية، سواء عبر قنوات يدوية مؤقتة أو مراكز خدمة مباشرة أو آلية طوارئ رقمية احتياطية، تضمن استمرارية إنجاز المعاملات دون توقف، بما يحافظ على وتيرة الثقة العالية التي بناها المستثمرون تجاه كفاءة الإجراءات السعودية على مدى السنوات الماضية.

في نهاية المطاف، يقدّم الاقتصاد السعودي اليوم نموذجًا لدولة تتجاوز محنة مؤقتة بثقة راسخة، مدعومة بأساسيات مالية قوية، وزخم عقاري متوازن جغرافيًا يمتد إلى مختلف المناطق، وبيئة تنظيمية شفافة تتجه بثبات نحو مزيد من الكفاءة والرقمنة. ومع استمرار معالجة تحديات تشغيلية محدودة كصيانة المنصات الإلكترونية وضمان استمراريتها، تبدو السعودية في موقع متقدم لتحويل تحديات المرحلة الحالية إلى فرصة نمو مستدام تمتد آثارها الإيجابية إلى ما بعد 2027.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، وعمل مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية، ومستشارا إعلاميًا.