يمثل انتقال المؤسسات الإعلامية السعودية إلى الرياض "حبة الكرز" التي توضع فوق كعكة إعادة التموضع السعودي، سياسيا واقتصاديا ورياضيا وثقافيا، بعد أن نجحت المملكة في تحقيق أهدافها خلال الـ10 سنوات الماضية، بحسب ما أكده رئيس تحرير "الاقتصادية" محمد البيشي في "بودكاست "هللة".

البيشي أوضح أن أثر هذا الانتقال يتجاوز قطاع الإعلام، ليمتد إلى قطاعات اقتصادية أخرى، على رأسها سلاسل الإمداد، وسوق الإعلانات، وقطاع الإنتاج، ‏فضلا عن تمكينه إفراز مزيد من الكوادر الوطنية من السعوديين والسعوديات المتميزين في مجال الإعلام ومحيطه.

كان وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري أشار إلى "إعادة تموضع إستراتيجي لنقل القنوات" خلال تدشين قناة "الشرق بلومبرغ"، في أحدث خطوة لنقل المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية إلى العاصمة السعودية.

سبق ذلك إطلاق البث الكامل لقناة "العربية" رسمياً من مقرها الرئيسي في الرياض في 8 فبراير الماضي، بعد الاكتمال الرسمي لنقل جميع عملياتها وبرامجها في 19 يوليو 2025.

مجموعة "إم بي سي" كانت كذلك قد بدأت رحلة العودة وانتقال عملياتها تدريجياً، وأنهت رسمياً انتقال مقرها الرئيسي إلى الرياض في يناير من العام الجاري، بعد نحو 3 عقود من التواجد خارج السعودية.

البيشي أشار إلى أن هذه الشركات انتقلت أو عادت إلى الرياض في ظل تحولات في المشهد الإعلامي وبعد تحوّل كبير يجري في السعودية منذ نحو 10 سنوات، مع انطلاق رؤية 2030.

اقرأ أيضا: شركة تابعة لـ SRMG توقع عقدا بـ 600 مليون ريال لتقديم خدمات إعلامية

أوضح البيشي أن إعادة التموضع الإستراتيجي التي تحدث عنها وزير الإعلام هو الاستفادة فعلاً من موقع السعودية اليوم بعد هذا التحول "موقعها الاقتصادي والسياسي والثقافي والرياضي، في إطار الإعلام".

وقال: "إعادة التموضع الإستراتيجي هو أن تكسب من كل قدراتك وإمكاناتك ومزاياك النسبية في المنطقة والعالم، وتوظفها في الداخل السعودي، وهذا ما جرى ويجري اليوم في السعودية. كنت أقول لبعض الزملاء إن انتقال القنوات العربية وغيرها من الصحف والقنوات التي يجري انتقالها إلى العاصمة الرياض هو أشبه ما يكون بالكرزة التي تضعها على رأس الكعكة".

تابع: "خلال الـ10 سنوات، صنعت هذه الكعكة، كعكة التحول الاقتصادي والسياسي في السعودية. في المرحلة الأولى، السعودية أعادت التموضع الإستراتيجي في مجال السياسة. واليوم، لا يُنتخب أي رئيس في العالم، أو لا تجري أي مناقشات سياسية في العالم، إلا وتنطلق من الرياض. انتخب الرئيس الأمريكي، وكانت أول زيارة له إلى الرياض، وانتخب الرئيس الفرنسي فكانت أول زيارة له إلى الرياض، وانتخب الرئيس اللبناني، وكانت أول زيارة للرياض".

أضاف: "كبرى الأحداث، مثل القمة العربية الأمريكية، عقدت في الرياض. والقمة الإفريقية الأمريكية عقدت في الرياض، ومعظم الأحداث الاقتصادية أيضا، تم خلال بدايات رؤية 2030 إعادة تموضع إستراتيجي بحكم ثقل السعودية وجغرافيتها".

اقرأ أيضا: تقرير: الرعاية الرياضية تسعى لاقتناص حصة من سوق الإعلان الرقمي

حراك اقتصادي جذب شركات العالم إلى الرياض

البيشي قال إن السعودية انطلقت لتطبيق رؤيتها وتحقيق الحراك الاقتصادي، عبر إعادة جدولة الاستثمار الأجنبي، وصنع قوانين جديدة للاستثمار الأجنبي، وحققت اليوم أعلى نسبة جدولة الاستثمار الأجنبي في المنطقة.

أشار إلى انتقال 700 شركة عالمية اليوم مقراتها إلى الرياض، التي باتت تحتضن كبرى الفعاليات، قائلا: "نتحدث عن مؤتمرات عظمى كانت تعقد في المحيط وفي دول مجاورة، اليوم مقرها الرئيسي الرياض. نتحدث عن مبادرة مستقبل الاستثمار " FII" التي أصبحت اليوم ثاني أكبر تجمع اقتصادي في العالم بعد دافوس".

تابع: "هذه الأشياء لم تكن تعقد في السعودية سابقا. أعادت السعودية موضعها الإستراتيجي اقتصادياً اليوم. أيضاً مسألة المشاريع الكبرى، فقط بمراجعة لكبرى المشاريع العقارية والتجارية في العالم، ستجد السعودية هي المحطة الأولى لها".

الحراك الاقتصادي والمشروعات العملاقة، مثل القدية والعلا والبحر الأحمر والدرعية، جعلت من السعودية كذلك وجهة جذب سياحية عالميا المستوى. وقال البيشي: "اليوم السعودية في عملية جذب السياح تخطت المستهدف، الذي هو 100 مليون سائح سنوياً. واليوم عندها مستهدف جديد هو 150 مليون زائر سنوياً، وهذا الرقم غير موجود في محيطنا سواء في آسيا أو حتى في عالمنا العربي".

إعادة التموضع السعودي شملت أيضا الجانب الثقافي والرياضي. وقال البيشي: "اليوم السعودية رياضياً تعقد فيها أهم الأحداث الرياضية في العالم. السعودية اعتبرت أن الرياضة جزء من الاقتصاد. لذلك، يجب أن تكون كبرى المسابقات في المنطقة وفي المحيط موجودة في السعودية، وهذا ما تم".

بعد تحقيق إنجازات في الجانب الثقافي، شملت بناء أكبر دار أوبرا في المنطقة وفي العالم العربي في الرياض، وتهيئة المواقع الثقافية مثل مدائن صالح وجدة التاريخية، وغيرهما، جاء دور الإعلام، يقول البيشي

أثر اقتصادي لانتقال المؤسسات الإعلامية إلى الرياض

يحقق انتقال المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى العاصمة السعودية الرياض أثرا اقتصاديا مهما، يشمل سلاسل الإمداد وشركات الإنتاج وأيضا القطاعات الخدمية مثل الفنادق والعقارات واللوجستيات وغيرها، بحسب البيشي.

رئيس تحرير "الاقتصادية" أشار في الحلقة إلى أن بعض الإحصائيات تشير إلى نحو 9 آلاف موظف انتقلوا من هذه المجموعات إلى الرياض.

وقال: "هؤلاء كانوا يستأجرون مساكن، وكانت عندهم أنشطة اقتصادية واستهلاكية. لكن بعيدا عن حجم تأثير هذا العدد في اقتصاد المدينة هناك مكاسب اقتصادية أبعد من ذلك".

أضاف: "مجموعات بهذا الحجم الكبير، تنتج يعني تقريباً وفق بعض الإحصائيات 70% من المشهد الإعلامي المرئي والمسموع والمقروء في المنطقة. هذه المؤسسات تحديداً، لو أضفنا لها أيضاً روتانا خليجية، فالمكاسب الاقتصادية تتعدى مسألة الموظفين إلى مسائل تتعلق بسلاسل الإنتاج، وشركات الإنتاج، ومراكز التوظيف، ونوعية التوظيف، والأعمال المصاحبة للإنتاج الإعلامي وهي متعددة".

ذكر البيشي من بين هذه القطاعات الفنادق، وقطاع السيارات، وقطاع الترفيه، وقطاع المطاعم، التي قال إنها جميعا مرتبطة بشكل أو بآخر بتواجد هذه المؤسسات الكبرى في مكان واحد.

يرى البيشي كذلك أن هناك إمكانية كبيرة لجذب شركاء في مجال الإنتاج والاستثمار في مجال الإعلام، وهذا من المتوقع أن يحقق مكاسب اقتصادية للشركات المحلية والوطنية.

المنشآت الصغيرة المتوسطة أكبر الرابحين

البيشي يرى كذلك أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة ستكونان أكبر الرابحين، إلى جانب إنتاج الكوادر الوطنية في مجال الإعلام

وقال: "أتصور أن الشركات الصغيرة والمتوسطة كانت لديها مشكلة في التواصل مع أهم المؤسسات الإعلامية، لأنها في منطقة غير منطقتها. اليوم أصبح القرب الجغرافي مهما وحيويا للتواصل المباشر مع هذه المؤسسات والاستفادة من حجم العقود".

وأوضح أن القنوات لا تنتج كل محتواها داخلياً، بل تقوم بشراكات مع العشرات من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لإنتاج برامجها أو محتواها المرئي والمقروء والمسموع وأيضاً في العمليات اللوجستية.

فيما يتعلق بالكوادر الوطنية، قال البيشي: "من الأسباب التي كانت دعنا نقول تضعف قدرة الشباب السعودي على كسب الخبرات والمهارات اللازمة في مجال الإعلام بعد المؤسسات الإعلامية عن مركزها. في السابق، كنت مضطرا كشاب سعودي أو فتاة سعودية لديه أو لديها طموح أن تتدرب في مطابخ إعلامية قوية ومهمة للسفر إليها. اليوم هي موجودة في محيطك".