على الرغم من التصاعد في الخطاب حول تراجع سطوة الدولار الأميركي في النظام المالي العالمي، يعتقد محللو بنك ستاندرد تشارترد أن البيانات الفعلية لا تظهر ميلاً نحو التخلي عن العملة الأميركية، بل تكشف عن ظاهرة أطلقوا عليها "إعادة الدولرة"، مدفوعة باستمرار الإقبال على الأصول المقومة بالدولار وتمسك المؤسسات والمستثمرين به بوصفه ملاذاً مالياً رئيسياً.

ويأتي هذا الجدل في وقت يترقب فيه المراقبون تحولات هيكلية محتملة في النظام النقدي الدولي، لكن المؤشرات الإحصائية تظهر تعقيد المشهد.

جاءت هذه النظرة في لحظة تراجعت فيها حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية إلى حوالي 57% خلال عام 2024، بالمقارنة مع 71% في عام 1999، وهو أقل مستوى في 25 عاماً، مع توسع بعض الدول في استعمال العملات المحلية والذهب والعملات الرقمية في التبادل التجاري.

إلا أن خبراء البنك، وفق ما نقلته مجلة فورتشن، يرون أن هذا التراجع في الاحتياطيات لا يعني فقدان الدولار مكانته العالمية، مؤكدين أن تدفقات الاستثمار والاحتفاظ بالعملة الأمريكية ما تزال تدعم موقعها كأهم عملة احتياطية وتمويل في العالم.

Wed, 15 2026

وقال ديفيا ديفيش، الرئيس المشارك لأبحاث الصرف الأجنبي لمنطقة آسيان وجنوب آسيا في بنك ستاندرد تشارترد، إن البنك لا يتبنى فرضية "التخلي عن الدولار"، بل يرى أن الأسواق تشهد اتجاهاً معاكساً يتمثل في "إعادة الدولرة".

وأوضح أن هذا الاتجاه يظهر من خلال احتفاظ الشركات المصدرة بإيراداتها بالدولار بدلاً من تحويلها إلى العملات المحلية، إلى جانب استمرار تدفق الاستثمارات إلى الأسهم والأصول الأمريكية.

وضرب ديفيش مثالاً بتايوان، التي لا تحول سوى دولارين فقط من أصل كل 100 دولار من عائدات صادراتها إلى الدولار التايواني، فيما تحتفظ ببقية الإيرادات بالدولار الأميركي، مما يشير إلى استمرار الثقة في العملة الخضراء.

الذهب واليوان لا يغيران المعادلة

وتتعارض هذه الرؤية مع تحليلات تتوقع تراجع نفوذ الدولار بسبب ارتفاع الدين الحكومي الأمريكي، وتوسع استخدام العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى تنامي التعامل باليوان الصيني والعملات المحلية في بعض المبادلات التجارية.

كما كثفت بنوك مركزية، خصوصاً في آسيا، مشترياتها من الذهب بهدف تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار. وواصل بنك الشعب الصيني شراء المعدن الأصفر لعدة أشهر متتالية، فيما أعاد بنك الاحتياطي الهندي نحو 100 طن من الذهب إلى خزائنه المحلية.

ورغم ذلك، يرى اقتصاديون في ستاندرد تشارترد أن هذه التحركات لا تعني وجود بديل قادر على منافسة الدولار في الوقت الراهن، خاصة في ظل عمق الأسواق المالية الأمريكية وسيولتها المرتفعة.

Thu, 16 2026

غياب البديل يدعم العملة الأمريكية

وقال إريك روبرتسن، كبير الخبراء الاستراتيجيين والرئيس العالمي للأبحاث في البنك، إن المستثمرين قد يبدون مخاوفهم بشأن الدين الأمريكي أو العجز المالي أو السياسات الاقتصادية، لكن المشكلة تكمن في غياب بديل يتمتع بالمزايا نفسها التي يوفرها الدولار.

وأضاف أن أي مستثمر يقرر بيع الدولار سيضطر إلى شراء عملة أخرى، إلا أن الخيارات المتاحة حالياً لا توفر المستوى ذاته من السيولة والموثوقية، وهو ما يحد من احتمالات تراجع الدولار على المدى القريب.

واعتبر روبرتسن أن سوق السندات الأمريكية، وليس سوق العملات، هي التي تعكس بصورة أكبر المخاوف المتعلقة بالوضع المالي للولايات المتحدة، مؤكداً أن الدولار سيظل محتفظاً بدوره كملاذ آمن في الأجلين القريب والمتوسط.

الاقتصاد الأمريكي يجذب رؤوس الأموال

وأشار البنك إلى أن صمود الاقتصاد الأمريكي واستمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً أسهما في استعادة جاذبية الأصول الأمريكية، بعد موجة بيع للدولار شهدتها الأسواق عقب الإعلان عن الرسوم الجمركية العام الماضي.

وأوضح ديفيش أن قوة الدولار لا ترتبط فقط بازدهار قطاع الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بتحسن إنتاجية الاقتصاد الأمريكي في قطاعات متعددة، وهو ما ينعكس على أرباح الشركات ويجذب مزيداً من الاستثمارات الأجنبية.

واختتم بالإشارة إلى أن استمرار الطلب العالمي على الأسهم والسندات والأصول الأمريكية يمثل العامل الأكثر تأثيراً في دعم الدولار، معتبراً أن الحديث عن تراجع مكانته العالمية لا يزال سابقاً لأوانه في ظل غياب بديل قادر على أداء دوره في النظام المالي الدولي.

ويمكن القول إن هذه التطورات لا تعني بالضرورة انهياراً وشيكاً للدولار، إذ تظل الأسواق الأميركية الأكثر عمقاً وسيولة، مما يمنح العملة الأميركية ميزة تنافسية يصعب تجاوزها. كما أن غياب بديل واضح يتمتع بالخصائص نفسها يجعل من المبكر الحديث عن نهاية عصر الدولار، رغم التحديات التي تثيرها السياسات الاقتصادية الأميركية وتنامي الاحتياطيات البديلة.