الشرق الأوسط يواصل جذب رواد الأعمال رغم حرب إيران
انتقل كينغ لاي من هونج كونج إلى أبوظبي في فبراير، ضمن أحدث دفعة منضمة إلى برنامج الشركات الناشئة في الإمارة "هب 71" (Hub71). وبعد أيام، بدأت إيران شن غارات جوية على دول الخليج.
ورغم مغادرة بعض المقيمين منذ فترة طويلة بصورة مؤقتة، ودعوات أصدقائه وعائلته إلى العودة لوطنه، اختار لاي البقاء. ومنذ ذلك الحين، نجحت شركته المتخصصة في معلومات الأعمال "ببريو" (Pubrio) في استقطاب عميلين في الإمارات، كما تسعى لجذب شركات رأس المال الجريء المحلية سعياً إلى جمع تمويل، بحسب ما قاله لـ"بلومبرغ نيوز".
يُعد لاي ضمن عدد متزايد من المؤسسين الذين تستقطبهم أبوظبي ودبي والرياض والدوحة، في وقت تكثف فيه الحكومات جهودها لبناء منظومات للشركات الناشئة قادرة على المنافسة عالمياً. وأصبحت تريليونات الدولارات من الثروات السيادية والخاصة، إلى جانب الحوافز السخية وبرامج تسريع الأعمال والضرائب المنخفضة، ركائز أساسية في خطط تنويع الاقتصادات بعيداً عن النفط.
ومع استئناف الولايات المتحدة وإيران هجماتهما هذا الأسبوع، وتصاعد التوتر حول السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي، يُصبح الصراع أكبر اختبار حتى الآن لهذه الاستراتيجية. ورغم بقاء معظم المؤسسين واستمرار إعلانات التمويل، يرى المستثمرون أن الأثر الحقيقي للصراع لن يتضح قبل الأرباع السنوية المقبلة، عندما تبدأ جولات التمويل الجديدة في عكس القرارات التي اتُخذت بعد اندلاع الأعمال العدائية.
في الوقت الراهن، تجلى استعداد رواد الأعمال لتقبل حالة عدم اليقين خلال الفعالية السنوية لبرنامج "هب 71" في يونيو. وتناول الحضور طعاماً مكسيكياً مجانياً، وسددوا رميات نحو سلال تحمل لافتات "الجولة التمويلية أ" (Series A) و"يونيكورن" (Unicorn)، واستمعوا إلى متحدثين من شركات "ووب" (Whoop) و"طلبات" (Talabat) و"كريم" (Careem)، فيما عرض مؤسسو الشركات أفكارهم أمام المستثمرين وسط تنقل الحشود بين الأجنحة.
أُقيمت الفعالية خلال هدنة هشة. وقبل أيام فقط، كانت دولتا الجوار، الكويت والبحرين، تتصديان لهجمات متجددة من طهران. ومع ذلك، لم تنسحب أي من الشركات الناشئة الـ27 المختارة من بين نحو 2500 متقدم للانضمام إلى دفعة فبراير في برنامج "هب 71". كما تلقت الدفعة الأحدث عدداً مماثلاً من الطلبات، وكانت الأولى التي تضم بالكامل شركات من خارج الإمارات.
![]()
Wed, 15 2026
يُعد هذا الصمود مهماً لطموحات المنطقة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الصراع سيترك أثراً أعمق في نشاط الشركات. ويرجح فيليب باهوشي، الرئيس التنفيذي لمنصة البيانات "ماغنيت" (Magnitt)، أن كثيراً من جولات التمويل المعلنة خلال الأشهر الأخيرة جرى الاتفاق عليها قبل تصاعد الأعمال العدائية.
قال باهوشي لتلفزيون "بلومبرغ": "لا أعتقد أن تأثير الحرب انعكس على الأرقام بعد، وسيتضح ذلك في الربعين الثالث والرابع، لكننا نشهد بالفعل تباطؤاً نسبياً، مع التركيز على صفقات المراحل المتقدمة مقارنة بصفقات المراحل المبكرة".
حرب إيران تضغط على التمويل
هناك مؤشرات أولية أخرى على الضغوط. فقد قال مستثمر في رأس المال الجريء إن الشركات الناشئة تواجه ارتفاعاً في تكاليف التشغيل وتراجعاً في التدفقات النقدية، نتيجة لزيادة نفقات الوقود والشحن والتأمين. كما تعاني تأخيرات حادة في تحصيل مدفوعات العملاء، فيما تراجع مستثمر سيادي، في حالة واحدة على الأقل، عن تعهد بضخ مليون دولار في جولة تمويل عند اندلاع الحرب، وفق شخص طلب عدم الكشف عن هويته.
بشكل عام، جمعت الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 1.35 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بانخفاض تجاوز الخُمس مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات "ماغنيت". كما هبط عدد الصفقات بأكثر من الضعف ليصل إلى 214 صفقة. ورغم أن ضعف النشاط لا يقتصر على المنطقة، تراجعت أحجام الصفقات في الشرق الأوسط بشدة خلال الربع الثاني إلى أدنى مستوى لها منذ عامين على الأقل.
![]()
o5K8tW8nuI_1784093302
كان رييس رحمن، رائد الأعمال في مجال التكنولوجيا الحيوية، من بين المؤسسين الذين عطل الصراع جهودهم. فقد انتقل مؤقتاً إلى نيويورك بعد احتدام القتال، قبل أن يعود عقب وقف إطلاق النار في أبريل، بعدما شعر بأن أبوظبي أكثر أماناً، فضلاً عن أهمية وجوده المباشر لإعادة التواصل مع المستثمرين.
تحظى شركته الناشئة لاكتشاف الأدوية "هارمونيك ديسكفري" (Harmonic Discovery) بدعم من "واي كومبيناتور" (Y Combinator) بوادي السيليكون، كما انضم رحمن إلى برنامج "هب 71" في سبتمبر الماضي. وتباطأت المحادثات بشأن جولة التمويل المرحلية التي يعتزم تنفيذها مع تصاعد التوترات، قبل أن تستعيد زخمها خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع مفاوضاته مع شركة رأس مال جريء مقرها دبي.
وقال رحمن: "أصبح هذا الوضع طبيعياً إلى حد ما، وبات الناس يعرفون تقريباً ما يمكن توقعه". وأضاف أن أبوظبي تتيح لشركة "هارمونيك ديسكفري" مساراً أسرع وأقل تكلفة لتطوير أدوية جديدة مقارنة بالولايات المتحدة، مشيراً إلى أن شركته تعتزم إجراء أول تجربة سريرية محلية لعلاج فقر الدم المنجلي.
رغم كافة مزاياها، وتزايد عدد الشركات الناشئة البالغة قيمتها مليار دولار، لا يزال النظام البيئي الإقليمي محدود مقارنة بالمراكز العالمية الراسخة. وكثيراً ما يشير المستثمرون والمؤسسون إلى ضيق قاعدة الكفاءات، ومحدودية التمويل في المراحل المتقدمة، وقلة شركات التكنولوجيا المدرجة في البورصات.
![]()
RvFcLbzJR7_1784092576
مع ذلك، تواصل حكومات المنطقة تنفيذ برامج تستهدف جذب الشركات. فعلى سبيل المثال، يحصل الفائزون في برنامج "هب 71"، المدعوم من شركة "مبادلة للاستثمار"، على استثمارات نقدية وحوافز بقيمة 140 ألف دولار، إلى جانب إتاحة الوصول إلى مستثمري رأس المال الجريء.
قطر تستقطب رأس المال الجريء
في مناطق أخرى من الخليج، استثمرت قطر في العديد من شركات رأس المال الجريء عبر برنامج "صندوق الصناديق"، كما استقطبت العام الماضي شركة "بي كابيتال" (B Capital)، التابعة لإدواردو سافيرين. وارتفع حجم البرنامج من مليار دولار إلى 3 مليارات دولار قبل اندلاع الحرب، فيما جرى بالفعل توظيف نحو ثلث هذه الأموال.
في الوقت نفسه، تلقت مبادرة "ستارت أب قطر" (Startup Qatar) أكثر من 7700 طلب، وقدمت ما يزيد على 51 مليون دولار إلى 45 شركة من أنحاء العالم، بينها 11 شركة منذ بدء الصراع. ويشترط للتأهل انتقال مؤسس واحد على الأقل إلى قطر، في نموذج شائع بالمنطقة يربط الحصول على رأس المال بالحضور الفعلي في السوق.
فعلى سبيل المثال، انتقل مايكل لينتس، الشريك في شركة "غولدن غيت فينتشرز" (Golden Gate Ventures)، من سنغافورة إلى الدوحة عام 2024، حيث مكث مع عائلته طوال فترة الصراع.
وقال لينتس: "كثفنا محادثاتنا مع المستثمرين، لكن الجميع حافظوا على هدوئهم". وأبرمت الشركة صفقتين مع اندلاع الحرب، كما تواصل جمع رؤوس الأموال بعد إطلاق صندوق بقيمة 100 مليون دولار، بدعم من مستثمرين قطريين، في عام 2024.
دبي والرياض تدعمان الشركات الناشئة
على بُعد رحلة جوية قصيرة من الدوحة، تبرز دبي بوصفها مركز الأعمال الأصلي في الشرق الأوسط.
فقد أمضت الإمارة سنوات في بناء منظومة تستند إلى الثروات الخاصة، والسياسات الجاذبة للأعمال، وسمعتها باعتبارها واحدة من أكثر مدن العالم انفتاحاً أمام المغتربين. وأسهم ذلك في ظهور مجموعة من شركات اليونيكورن، من بينها "كريم" و"تابي" (Tabby) و"دوبيزل" (Dubizzle) و"بروبرتي فايندر" (Property Finder) و"إكسبانسيو" (Xpanceo).
كما أطلقت دبي منصة "مقر رواد أعمال دبي" (Dubai Founders HQ) قبل اندلاع الحرب بأشهر، لتتيح الوصول إلى برامج تسريع الأعمال، مع منح الأولوية لرواد الأعمال المقيمين في الإمارة. وتخرجت الدفعة الأولى من البرنامج في أبريل.
![]()
Tue, 14 2026
ولا تنافس دبي في هذا المجال سوى الرياض، حيث ترتبط استراتيجية الشركات الناشئة ارتباطاً وثيقاً بتوفير الوظائف وتوسيع الفرص أمام السكان المحليين المتزايدين. واستهدف المؤسسون أكبر سوق استهلاكية في الخليج، وأطلقوا شركات مثل "تمارا" (Tamara) و"نينجا" (Ninja) و"فودكس" (Foodics) و"جاهز" (Jahez)، التي أُدرجت في البورصة السعودية عام 2021.
استفادت شركات كثيرة من حاضنات أعمال، من بينها "الكراج" (The Garage) و"مسرعة سنابل" (Sanabil Accelerator)، إلى جانب مصادر تمويل مدعومة من الدولة، مثل "الشركة السعودية للاستثمار الجريء" (Saudi Venture Capital) و"سنابل للاستثمار" (Sanabil Investments) و"صندوق الصناديق (جدا)" (Jada Fund of Funds). واتسعت قاعدة الدعم مع زيادة نشاط مستثمرين من القطاع الخاص، مثل "إمباكت 46" (Impact46) و"السعودية للاستثمار الجريء التقني" (Saudi Technology Ventures)، ما أسهم في سد بعض فجوات التمويل منذ اندلاع الحرب.
من جانبه، قال باهوشي، من "ماغنيت"، إن وتيرة النشاط الجديد لشركات رأس المال الجريء الإقليمية، وإقبال المستثمرين الدوليين، وعمليات التخارج وصفقات الاندماج والاستحواذ، ستشكل مؤشرات رئيسية تستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة.
ولا يزال مستثمرون عالميون في رأس المال الجريء متفائلين بآفاق المنطقة على المدى الطويل. فقد قال أليكس لازارو، الشريك الإداري المقيم في سان فرانسيسكو لدى شركة الاستثمار بالمراحل المبكرة "فلوينت فينتشرز" (Fluent Ventures): "عندما بدأت الاستثمار في رأس المال الجريء عام 2013، كانت أربع مدن فقط قد أنتجت شركات يونيكورن".
وأضاف: "اليوم تجاوز العدد 300 مدينة، ويأتي جزء كبير منها من الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية ودبي وأبوظبي. وأعتقد أن هذا الاتجاه سيستمر، ولن أتوقف شخصياً عن الاستثمار في المنطقة".
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.