أبل تسرّع استراتيجية الذكاء الاصطناعي بتطوير معالجات جديدة
كشفت شركة أبل عن خطة جديدة لإعادة تنظيم عملياتها بما يواكب متطلبات عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير جيل مبتكر من المعالجات، وهي خطوة تؤشر إلى تحول استراتيجي في أولويات الشركة.
تأتي هذه التحركات في وقت تشتد فيه المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى كل شركة إلى تطوير معالجاتها الخاصة لتعزيز قدراتها التنافسية.
ومع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في تحديد تصميم الشرائح الإلكترونية وجدولة إطلاقها، كشفت معلومات مسربة عن خطط أبل المستقبلية لإعادة رسم خارطة تطوير معالجات أجهزة "ماك"، إلى جانب المعالجات المخصصة لخوادم تشغيل خدمات Apple Intelligence في مراكز البيانات.
ووفقاً لوكالة "بلومبرغ"، تخطط أبل لتعديلات غير مسبوقة في دورة تطوير معالجات "ماك"، حيث تعتزم إصدار معالج M6 الأساسي في خريف العام الحالي، ثم توقف لأول مرة عن إكمال العائلة التقليدية بإصدارات Pro وMax وUltra، لتنتقل فوراً إلى تطوير الجيل التالي M7 بسرعة أكبر من المعتاد.
خطوات متسارعة
وتشير التسريبات إلى أن الشركة أنهت مرحلة تثبيت التصميم النهائي لمعالج M7 بعد نحو ستة أشهر فقط من بدء العملية ذاتها لمعالج M6، وهو جدول زمني يعكس أولوية واضحة لتسريع إدخال تحسينات واسعة في قدرات المعالجة العصبية والذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع طرح M7 خلال النصف الأول من عام 2027، على أن تتبعه نسختا M7 Pro وM7 Max في وقت لاحق من العام نفسه، بينما يصل M7 Ultra خلال عام 2028.
وتقول المعلومات إن هذا الإصدار الأخير سيحمل أكبر القفزات التقنية، مع أداء يُتوقع أن يقترب من أداء المسرعات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي المستخدمة في مراكز البيانات، مثل منصة Blackwell من NVIDIA، بما قد يفتح الباب أمام تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً مباشرة على أجهزة "ماك".
ولا تقتصر خطط أبل على الحواسيب الشخصية، إذ تشير المعلومات إلى أن الشركة تنوي توظيف التقنيات نفسها في البنية التحتية السحابية الخاصة بمنظومة Apple Intelligence. فبينما تستعد قريباً لنشر خوادم جديدة تعتمد على معالج M5 Ultra ضمن مشروع يحمل الاسم الرمزي J246، يعمل مهندسو الشركة بالفعل على منصة خوادم أكثر تطوراً تعتمد على تقنيات M7 Ultra، ويتوقع أن تدخل الخدمة بحلول عام 2029.
وتفيد التسريبات أن هذه الخوادم ستوفر ذاكرة تصل سعتها إلى 1.5 تيرابايت، أي نحو ضعف السعة المخطط لها في الجيل المعتمد على M5 Ultra، مما يمنح أبل مرونة أكبر في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتقديم خدماتها السحابية عبر Apple Intelligence، مع بقاء تنفيذ هذه الخطط رهناً بأوضاع سوق الذاكرة العالمية وتوفر الإمدادات.
مشروع سيارة أبل
كما تكشف المعلومات أن أبل بدأت بالفعل العمل على الجيل اللاحق M8، إلى جانب مشاريع أخرى تحمل أسماء رمزية مثل Soko وCardinal، مع توجه نحو استخدام تقنيات تصنيع أكثر تقدماً بدقة 1.4 نانومتر، بهدف رفع كفاءة الأداء وتقليل استهلاك الطاقة وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في الأجيال المقبلة.
ورغم أن هذه الخطط تبدو مرتبطة مباشرة بسباق الذكاء الاصطناعي الحالي، فإن جذورها تعود إلى مشروع مختلف تماماً أوقفته أبل قبل عامين.
فعندما قررت الشركة إلغاء مشروعها لتطوير سيارة ذاتية القيادة في عام 2024، بدا القرار آنذاك بمثابة نهاية لأحد أكبر رهاناتها التقنية، بعد نحو عقد من العمل الذي شمل آلاف الموظفين واستثمارات تجاوزت 10 مليارات دولار، إلى جانب تطوير مراكز أبحاث متخصصة وتسجيل مئات براءات الاختراع.
لكن المشروع الذي لم يثمر عن سيارة تجارية، ترك خلفه إرثاً تقنياً أصبح اليوم جزءاً محورياً من إستراتيجية أبل في مجال الذكاء الاصطناعي.
ففي بدايات المشروع، كانت الشركة تستهدف تطوير مركبة تتمتع بقدرات قيادة ذاتية كاملة من المستوى الخامس (Level 5)، وهو المستوى الذي يفترض قدرة السيارة على العمل دون أي تدخل بشري في مختلف الظروف.
وتحقيق هذا الهدف فرض على أبل الاستثمار مبكراً في مجالات التعلم الآلي والرؤية الحاسوبية ومعالجة البيانات في الزمن الحقيقي.
ولأن أنظمة القيادة الذاتية تتطلب معالجة كميات هائلة من البيانات الواردة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار بشكل فوري، شرعت الشركة في تطوير شرائح مخصصة قادرة على تنفيذ عمليات الذكاء الاصطناعي المعقدة محلياً داخل السيارة، دون الاعتماد على الاتصال المستمر بالخوادم السحابية.
ومن هذه الجهود خرج أحد أهم المكونات التقنية في منظومة أبل الحديثة، وهو محرك Neural Engine أو "المحرك العصبي"، الذي صُمم لتسريع عمليات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على الأجهزة.
وظهر المحرك العصبي للمرة الأولى للمستخدمين مع هاتف "آيفون إكس" عام 2017، حيث مكّن إطلاق مزايا مثل Face ID وAnimoji، قبل أن يتحول تدريجياً إلى عنصر أساسي في جميع شرائح أبل تقريباً.
نقلة تقنية
ومع انتقال أبل إلى معالجات Apple Silicon لأجهزة "ماك" عام 2020، بدأت الشركة في توظيف الخبرات التي اكتسبتها خلال مشروع السيارة داخل قطاع الحواسيب.
فقد جرى دمج المحرك العصبي في مختلف معالجات "ماك"، ما منح الأجهزة قدرة متقدمة على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً، وهو النهج الذي بات يشكل أحد الركائز الأساسية لإستراتيجية أبل في هذا المجال.
كما أسهمت الخبرات المكتسبة من تطوير الشرائح المخصصة للقيادة الذاتية في دعم تطوير معالجات الفئة Ultra عالية الأداء، والتي أصبحت لاحقاً أساساً لخطط الشركة الخاصة بخوادم Apple Intelligence.
وبذلك لم تعد التقنيات التي وُلدت داخل مشروع السيارة مقتصرة على الحواسيب الشخصية، بل امتد تأثيرها إلى البنية التحتية السحابية التي تعتمد عليها خدمات الذكاء الاصطناعي لدى أبل، بما في ذلك الخوادم المصممة لمعالجة الطلبات الأكثر تعقيداً التي لا يمكن تنفيذها محلياً على أجهزة المستخدمين.
ورغم انتهاء المشروع رسمياً، فإن كثيراً من التقنيات التي جرى تطويرها خلاله استمرت في الانتقال إلى منتجات أخرى داخل الشركة. فقد تحولت استثمارات القيادة الذاتية تدريجياً إلى خبرات متراكمة في تصميم الشرائح المخصصة للذكاء الاصطناعي، ومعالجة البيانات محلياً، وبناء بنى حوسبية عالية الأداء قادرة على تشغيل نماذج متقدمة بكفاءة مرتفعة.
ولهذا السبب، تنظر أوساط تقنية اليوم إلى مشروع السيارة الملغى باعتباره أكثر من مجرد تجربة فاشلة لإطلاق مركبة جديدة، فرغم عدم وصولها للأسواق، إلا أن الاستثمارات الضخمة التي ضُخت فيه أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من الأساس التقني الذي تقوم عليها حالياً خطوات أبل في سوق معالجات الذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه الخطط تحولاً جذرياً في استراتيجية أبل التي تركزت سابقاً على تحسين أداء الأجهزة الاستهلاكية، لكنها الآن تتجه نحو بناء بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي. وإذا ما تحققت هذه التوقعات، فقد تتمكن أبل من منافسة كبرى الشركات المتخصصة في هذا المجال، مثل إنفيديا، على صعيد الأداء في مراكز البيانات. ومع ذلك، يظل نجاح هذه الخطط مرهوناً بقدرة أبل على تأمين إمدادات الرقائق والذاكرة وسط تحديات سلسلة التوريد العالمية.
المصدر الأصلي: الشرق للأخبار
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.