نهائي كأس العالم يجمع المشجعين الشامتين بخصومهم
تتغذى مباريات كأس العالم على مشاعر الكراهية بين الجماهير، لتصبح وقودًا جماهيريًا وتجاريًا يدفع عجلة البطولة.
تتزايد هذه الظاهرة مع تقدم البطولة واقتراب المباريات الحاسمة.
تُغري الخصومات التاريخية في كأس العالم المشجعين بتشجيع أعداء خصومهم ثأرًا للهزائم السابقة.
الهوية السلبية تفسر إنفاق الجماهير لمشاهدة الفرق المكروهة وهي تخسر مباريات كأس العالم
تنقل منصات التواصل الاجتماعي منافسات كرة القدم من الإثارة الرياضية إلى مواجهات هوياتية.
الخلاصة
تتحول خصومات كأس العالم إلى تجارة جماهيرية رابحة، تدفع المشاهدين لتشجيع عدو العدو وتكشف أثر الهوية السلبية في الرياضة ومنصات التواصل.
يقول أحد أصدقائي بجدية تامة إنه انتقل من الهند إلى المملكة المتحدة ليكون قريباً من ملعب "ستامفورد بريدج"، المعقل التاريخي لنادي "تشيلسي"؛ الفريق الذي يعشقه. وقبل عامين، كنت أبحث عن فريق لندني لأشجعه، فأقنعني بالانحياز إلى "تشيلسي" أيضاً.
كان الأمر ممتعاً للغاية حتى نهاية الموسم الماضي في مايو، والذي كان بائساً بكل المقاييس؛ إذ تهاوى "تشيلسي" ليحتل مركزاً خارج الستة الكبار في الدوري الإنجليزي الممتاز، للمرة الثانية فقط خلال 31 موسماً. زاد الطين بلة أن الغريم التقليدي "أرسنال" انتزع لقب الدوري؛ وهو الإنجاز الذي لم يحققه منذ 22 عاماً.
لم يجد صديقي عزاءً سوى في الاعتراف بأنه استمد شعوراً هائلاً بالرضا من "المشاهدة بدافع كراهية المنافس" (Hate-watching) وهو يرى "أرسنال" يخسر لاحقاً بركلات الترجيح أمام "باريس سان جيرمان" في نهائي دوري أبطال أوروبا. حينها فقط تنفست الصعداء؛ فقد أدركت أنني لست وحيداً في تمني الأسوأ لـ"المدفعجية" (لقب فريق أرسنال).
ستخيم مشاهدة الخصوم بدافع الكره بأبعادها العالمية على المباراة النهائية لكأس العالم 2026 يوم الأحد المقبل.
لكن مواجهات نصف النهائي بدأت بالفعل في شحن الكوكب بأكمله بجرعات مكثفة من الضغائن؛ والسبب في ذلك أن الأمر لا يقتصر على مشجعي فرنسا وإسبانيا وإنجلترا والأرجنتين، التي تأهلت إلى نصف النهائي، بل تحولت المباريات حتى الآن إلى معارك بالوكالة، تختزل المشاعر المتأججة لمشجعي المنتخبات الـ48 الأصلية، الذين يمثلون أكثر من 4 مليارات نسمة، وهم يخرجون من انكسارات الهزائم المريرة، والقرارات التحكيمية المثيرة للجدل، والنعرات الإقليمية الناشئة.
خصوم كرة القدم
تتجه كل هذه المشاعر الآن نحو غاية واحدة، هي التلذذ برؤية الخصم ينال ما يعده المشجعون جزاءً مستحقاً، وذلك في نيوجيرسي يوم 19 يوليو. فإذا لم أتمكن من الفوز، يصبح عدو عدوي، بكل ما تحمله هذه العبارة من صيغ للجمع، هو أداتي للانتقام الصامت.
بين الأرجنتين وإنجلترا خصومات تاريخية قديمة (تلك الحرب؛ وواقعة "اليد" الشهيرة، عندما أحرز دييغو ماردونا هدفاً في مرمى إنجلترا في كأس العالم 1986 باستخدام يده).
لكن إذا كنت مصرياً، فمن المرجح أنك أطلقت صيحات الاستهجان ضد ليونيل ميسي ورفاقه خلال مواجهة هاري كين وجود بيلينغهام في مباراتهم؛ والسبب هو أن مصر ما زالت تغلي غضباً من القرارات التحكيمية التي يرون أنها أهدت المنتخب اللاتيني فوزاً بنتيجة 3-2 في دور الـ16.
قد يكون للإنجليز خطايا تاريخية يجب أن يكفروا عنها بصفتهم المستعمر السابق لمصر، لكن فضيحة "فارجنتينا" (VARgentina) -وهو لقب ساخر يجمع بين اختصار تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) واسم الأرجنتين- حدثت قبل أسبوع واحد فقط! أو قبل 3 أيام فقط إذا كنت سويسرياً وما زلت تستشيط غضباً من تقنية "الفار" نفسها التي انحازت للأرجنتين في ربع النهائي. من الصعب حقاً أن تظل محايداً في مثل هذه الظروف.
في المقابل، قد يميل ملايين المشجعين الأمريكيين الجدد للنجم النرويجي إرلينغ هالاند، إلى دعم الأرجنتين؛ وذلك بسبب تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) التي صمتت ولم تنطق في اللحظة الحاسمة!
ففي مباراة إنجلترا، يُقال إن الكرة ارتطمت بسلك "الكاميرا العنكبوتية" (Spider-cam)، ما منح بيلينغهام تمريرة حاسمة سجل منها هدف التعادل الذي مهد الطريق لفوز الفريق الملقب بـ"الأسود الثلاثة" لاحقاً. فهل نجرؤ على تسميتها "كاميرا القدر"؟
فرصة لمسوقي الرياضة
لطالما كانت المشاعر العدائية مادة خصبة لمسوقي الرياضة، وإن كان خبراء الصناعة يفضلون تسميتها "منافسات صاخبة" بدلاً من "كراهية".
بطبيعة الحال، يبقى المشجعون الأوفياء هم الأساس، لكن الأهم هم أولئك الذين يكرهون الفرق الأخرى بوضوح ومستعدون لدفع المال فقط لرؤيتها تُهزم، ويُفضل أن يكون ذلك على يد فريقك.
ثمة مصطلح علمي لهذا النوع من العداء المضاد للولاء يُدعى الهوية السلبية، ويُقصد به تعريف الذات من خلال ما تقف ضده وتعارضه.
شاع هذا المفهوم في الأوساط المعنية بعلم الاجتماع خلال 2001 إثر دراسة عن أشخاص عرفوا أنفسهم بأنهم خصوم لـ"الجمعية الوطنية للبنادق" (NRA) بسبب دعمها لحقوق حمل السلاح.
لكن لا تدع هذا المنشأ الأكاديمي يقلل من شأنه؛ فمتابعة كأس العالم بدافع الكراهية تعد تجارة رابحة للغاية؛ إذ تولد الحماسة التي تملأ المدرجات، وتبيع التذاكر بأسعارها الفلكية، وتنعش الحركة التجارية مع صعود أيقونات عالمية جديدة مثل بيلينغهام وهالاند.
ومع ذلك، فإن السوق لا تخضع دائماً لسيطرة رجال التسويق، فهناك دائماً منصات التواصل الاجتماعي التي تفتح الباب على مصراعيه للمشاعر البدائية والوحشية، وما هو أسوأ بكثير.
يتجلى ذلك بوضوح في السجالات القبيحة حول الهوية العرقية والوطنية التي يجب أن تكون عليها المنتخبات. ففي منصة "إكس"، شنت عضو مجلس الشيوخ من باراغواي هجوماً على الفرنسي كيليان مبابي واصفة إياه بأنه "كاميروني خاضع للاستعمار، يستميت للتظاهر بأنه فرنسي".
ثم انضم رئيس الوزراء الإسباني السابق ماريانو راخوي إلى هذه المعمعة خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ حيث صرح السياسي المحافظ بأن منتخب فرنسا "لا يضم أي لاعب فرنسي". جاء ذلك قبل 3 أيام فقط من مواجهة إسبانيا وفرنسا في نصف النهائي (التي حسمها الإسبان بالفوز 2-0).
ورغم إدانة الحكومتين لتصريحات السياسيين، إلا أن كليهما رفض التراجع عنها. بل إن بعض اليمينيين في بريطانيا كانوا يروجون لخطاب مشابه ضد بيلينغهام -وهو من أصول عرقية مختلطة- إلى أن تحول فجأة إلى البطل الشعبي الذي قاد إنجلترا إلى المربع الذهبي لكأس العالم 2026.
تفسير آخر لقمصان كرة القدم
بالطبع، ليست كل وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للدمار؛ فهناك مساحات تحولت لفرص رائعة للتعلم وفهم الآخر. لقد شهدنا احتفاءً حقيقياً باستمرار الصداقة المتينة بين بيلينغهام وهالاند بعد مباراة إنجلترا والنرويج.
كما أن هناك دروساً تاريخية قيمة يمكن استخلاصها؛ على سبيل المثال، نجح الصحفي جوي دي أورسو في تكثيف مضمون كتابه "أكثر من مجرد قميص: كيف تشرح قمصان كرة القدم السياسة والمال والنفوذ العالمي" في منشورات بصرية موجزة ومبهرة على "إنستجرام" تستعرض الجذور التاريخية بين الدول المتنافسة في المونديال. ويعد تحليله للمنتخبين الفرنسي والإسباني بمثابة أطروحة مصغرة مكثفة وعميقة حول تطور "الدولة القومية" الحديثة.
اللاعبون المهاجرون ينعشون كأس العالم 2026..
أعلم ما الذي تفكر فيه: "هذا يبدو كواجب منزلي ممل!". لكن الواقع يقول إن الانتصارات أو الهزائم الرياضية لن تسوي أو تمحو ما صنعته قرون من التاريخ. التفاصيل والفروق الدقيقة مهمة للغاية حتى لا نفقد البوصلة؛ ففي اللغة الإنجليزية، ليست سوى "شرطة صغيرة" (Hyphen) تلك التي تفصل بين "متابعة الخصوم بدافع الكراهية" (Hate-watching) وبين "الكراهية الصرفة والضغينة" (Hate).
لقد حطمت الأرجنتين قلبي عندما أقصت منتخب الرأس الأخضر وحارسه البطل فوزينيا، ولذلك لا يمكنني تشجيعهم؛ لكن هناك فرقاً شاسعاً بين هذا وبين الانضمام إلى متصيدي الإنترنت الذين يطالبون برمي ميسي وزملائه في الجحيم عقاباً على ما يرونه خطايا للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
تشجيع إنجلترا
أنا نفسي أصارع أفكاري السوداء؛ إذ بدأت أخيراً بالاقتناع بتشجيع إنجلترا بالكامل، ولم يكن ذلك يسيراً. فأنا أعيش هنا، وصادف يوم مباراتهم ضد الأرجنتين الذكرى الثامنة لوصولي إلى لندن. بل إنني أصبحت أسميها "فوتبول" (Football) بدلاً من "سوكر" (Soccer) تماشياً مع أهل البلد، وضارباً بعرض الحائط بمصطلحات أبناء وطني الأمريكيين.
لكنني، لكي أكون صادقاً، لم أسامح بعد مدرب إنجلترا توماس توخيل؛ فقد درب "تشيلسي" لفترة قصيرة، لكن قراره بعدم استدعاء كول بالمر، نجم وسط الفريق، إلى تشكيلة كأس العالم آلمني بشدة وأصابني بالصدمة عندما سمعته.
ورغم ذلك، كما قلت، لقد تجاوزت الأمر؛ وسأكون في غاية السعادة والابتهاج لو أعادت إنجلترا "الكأس إلى بيتها". لكن بمجرد إطلاق صافرة النهاية.. سأعود فوراً إلى "تشيلسي".
كاتب عمود أول @opinion يغطي العلاقة بين الأعمال والثقافة. مدير الأخبار السابق لمجلة تايم.
خاص بـ "الشرق بلومبرغ"
تسهم منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم المشاعر السلبية، وتحويلها إلى محتوى تفاعلي يجذب الملايين. ومع توسع كأس العالم ليشمل 48 منتخباً، تزداد فرص نشوء خصومات جديدة وتعقيد التحالفات الجماهيرية. ويظل السؤال قائماً حول تأثير هذه الظاهرة على الروح الرياضية والتنافس الشريف.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.