تحديات اقتصادية في القياس
بقلم كل من كريستوفر كلايتون وماتيو ماجيوري وجيسي شريجر
يتناول المقال أدوات قياس الضغوط الجيواقتصادية وتأثيرها على السياسات في ظل التنافس بين القوى الكبرى.
رغم أن الدقة النظرية ضرورية، إلا أنها يجب أن تترجم إلى استنتاجات قابلة للاختبار وتوجيهات عملية. وفي ظل الغموض الجيواقتصادي العالمي، يحتاج واضعو السياسات إلى أدلة وبيانات تفسرها النماذج الاقتصادية. وهناك على الأقل مقاربتان واعدتان لتطبيق النظريات على البيانات المتاحة.
وتستخدم الطريقة الأولى أوجه التقدم في نمذجة التجارة وبيانات التجارة الثنائية لتقدير حجم معاناة بلد مُستهدَف بسبب فقد إمكانية الحصول على المُدخلات التي تسيطر عليها قوة مهيمنة، مع قياس الأهمية الكمية للتهديدات. ومعظم التهديدات ليست قوية، وأغلب الصناعات ليست إستراتيجية، لأن القوة المهيمنة لا تسيطر عليها بالشكل الكافي، أو لأنه يسهل على البلد المُستهدَف العثور على بدائل جيدة. ويمكن إعمال المنطق نفسه على تدفقات رؤوس الأموال، إضافة إلى تجارة السلع.
من الصعوبات الواضحة في القياس أن أقوى التهديدات الجيواقتصادية لن تتحقق إذا امتثلت البلدان المستهدفة. لكن التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي تقدم حلاً محتملاً، عبر استخدام نماذج اللغة الكبيرة لتحليل نصوص تقارير المحللين ومكالمات الأرباح للشركات متعددة الجنسيات المسيطرة على التجارة والتمويل العالمي.
وتتصدى هذه الطريقة لجزء من مشكلة القياس لأن المحللين والمسؤولين التنفيذيين للشركات يناقشون الإجراءات الجيواقتصادية التي تم التهديد بها ولكنها لم تُتخذ بعد. ويمكن أيضا أن تقيس التهديدات بتفاصيل دقيقة للغاية. وقد تشمل مطالب القوى المهيمنة مجالات عديدة يصعب تحديدها مسبقا مثل، لا تشتروا هذا، أو لا تبيعوا ذاك، أو امنحونا امتيازا سياسيا.
وفي دراستنا، نوضح أن نماذج اللغة الكبيرة يمكنها استخراج إشارات بشأن الضغط الجيواقتصادي على مستوى شركة أو أداة أو ردود أفعال محددة. ويمكن تنفيذ هذا الأمر بطريقة شبه لحظية، ما يعزز القيمة بالنسبة لصناع السياسات. وعلى نحو أكثر تحديدا، طبقنا في هذه الدراسة نماذج اللغة الكبيرة على مكالمة إعلان الأرباح المالية للشركات وتقارير المحللين لمعرفة طريقة تصدي الشركات للتعريفات الجمركية والعقوبات وضوابط التصدير. وكانت النتائج التي توصلنا إليها لافتة للنظر؛ فالضغط الجيواقتصادي يعمل في الواقع كقوة فعالة تؤثر بطريقة قابلة للقياس في قرارات الشركات بشأن التسعير والاستثمار وسلاسل الإمداد.
وردت الشركات الصينية على ضوابط التصدير التي فرضتها الولايات المتحدة على أشباه الموصلات بزيادة البحث والتطوير على المستوى المحلي. وفي الغالب، أعلنت الشركات الغربية التزامها بالمطالب الأمريكية بتخفيض حجم مبيعات تكنولوجيات معينة للصين. وتعلن الشركات الأمريكية أنها تأثرت سلبا بصفة عامة بالتعريفات الجمركية الأمريكية، وأنها تنوي زيادة أسعار المبيعات لمواجهة ارتفاع أسعار المُدخلات.
مسار عبر العاصفة
على المدى القصير، من غير المرجح أن يعود العالم إلى حقبة العولمة التي سبقت احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. والمنافسة الجيواقتصادية سمة مميزة للحظة الراهنة، ومن شبه المؤكد أنها ستستمر كذلك للسنوات المقبلة. غير أن علم الاقتصاد أيضا يقدم رسالة أمل. فمن خلال سياسة إستراتيجية ومُوجَّهة على النحو الأمثل، من الممكن تجنب حدوث تشتت كامل.
وفيما يتعلق بالبلدان التي تتبع سياسات مناهضة الإكراه، فإن التنويع المُوجَّه في القطاعات الرئيسية الخاضعة لسيطرة القوى المهيمنة يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حاد في تعرض البلد المعني للمخاطر دون الحاجة إلى فك الارتباط الشامل. ويتمثل التحدي على مستوى السياسات في تحديد نقاط الاختناق الحقيقية - أي القطاعات حيث يبلغ الاعتماد ذروته وتصل الموارد إلى أقصى مستويات الندرة - وتركيز جهود التنويع فيها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المنافع الأوسع نطاقا للتكامل.
أما فيما يتعلق بالقوى المهيمنة، فإن الحفاظ على القوة في بيئة عالمية تخشى التعرض للضغط الجيواقتصادي سيتضمن التعهد باستخدام محدود للقوة لمصلحة تشجيع البلدان الأصغر على البقاء في فلك نظام يحقق منافع للجميع. وإستراتيجية الهيمنة الأكثر فعالية هي الإستراتيجية التي تحافظ على التزامات موثوقة باتباع السلوك القائم على القواعد، والإبقاء على النظام العالمي جذابا للمشاركين، والاحتفاظ بأدوات الإكراه لأغراض واضحة ومحدودة.
وتؤدي هذه الطريقة إلى زيادة الثقة في التزامات القوى المهيمنة بالتعاون العالمي والحد من الاستجابات الدفاعية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تضاؤل قوة هذه القوى المهيمنة.
وستشكل المنافسة الجيواقتصادية العلاقات الدولية في العقود المقبلة. فالبلدان التي تفهم عدم خطية القوة، وقيمة التنويع المُوجَّه، ومبدأ ضبط النفس ستجتاز هذه الفترة بنجاح أكبر من البلدان التي لا تفهم هذه الأمور.
والعالم ليس بحاجة إلى أن يتشتت بالكامل لمنح البلدان الأمان الاقتصادي، ولا يتعين على القوى المهيمنة التخلي كلية عن نفوذها للحفاظ عليه. وهذا توازن يصعب تحقيقه، غير أن البديل، المتمثل في اقتصاد عالمي متصدع حيث ينتهي المطاف بالجميع وهم أكثر فقرا وأقل أمانا، يجعل الأمر يستحق بذل الجهد.
خبراء اقتصاديون في صندوق النقد
تشير النتائج إلى أن الضغط الجيواقتصادي يؤثر فعلياً في قرارات الشركات بشأن التسعير والاستثمار وسلاسل الإمداد. على المدى القصير، من المستبعد العودة إلى عولمة ما قبل التوتر الأميركي الصيني، لكن السياسات الاستراتيجية يمكنها تجنب التشتت الكامل. ويبقى التحدي في تحديد نقاط الاختناق الحقيقية وتركيز جهود التنويع مع الحفاظ على فوائد التكامل.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.