بقلم: محمود لعوتة

يمكن تصنيف حصيلة مشاركة المنتخبات العربية الثمانية في كأس العالم 2026 وفقًا للإنجازات المحققة، حيث برز المنتخب المغربي بإنجاز عالمي، تلته كل من مصر والسعودية ببطولة ناجحة، ثم العراق والأردن بمستويات مشرفة، في حين خرجت الجزائر وقطر وتونس دون التوقعات.

يُظهر هذا التصنيف تنامي قاعدة المنافسة العربية في كرة القدم، مما يعكس استثمارات متزايدة في البنية التحتية والتطوير.

ويُظهر هذا التقييم أن كرة القدم العربية أصبحت تمتلك قاعدة أوسع من المنتخبات القادرة على المنافسة، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل المشاركات المشرفة إلى إنجازات مستدامة في النسخ المقبلة.

لم تعد المشاركة في المونديال مقتصرة على البعد الرياضي، بل تحولت إلى استثمار اقتصادي شامل، إذ تُعد البطولة أكبر حدث رياضي منفرد عالميًا من حيث العوائد التجارية وحقوق البث والرعاية.

وبالنسبة للمنتخبات العربية الثمانية، لم تكن المشاركة مجرد منافسة على اللقب، بل فرصة لتحقيق عوائد مالية مباشرة وغير مباشرة، وتعزيز القيمة التسويقية للاعبين، وجذب استثمارات جديدة إلى كرة القدم.

أولاً: الجوائز المالية... مصدر الدخل الأكبر

تمثل الجوائز التي يمنحها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) المصدر المالي المباشر الأول للاتحادات الوطنية المشاركة.

وفي نسخة 2026، ارتفعت القيمة الإجمالية لجوائز البطولة مقارنة بالنسخ السابقة، مع حصول كل منتخب على مقابل مالي نظير المشاركة، ثم مكافآت إضافية ترتبط بالتقدم في الأدوار الإقصائية.

وفقًا للتوزيع التقريبي لعوائد المنتخبات العربية بناءً على مراحل البطولة، فإن ثلاثة منتخبات خرجت من دور المجموعات، ومثلها من دور الـ32، وواحد من دور الـ16، وآخر من ربع النهائي.

وبناءً على هيكل الجوائز المعتمد، فإن المنتخبات العربية مجتمعة حققت عشرات الملايين من الدولارات من الجوائز المباشرة، إضافة إلى عوائد أخرى مرتبطة بالرعاية وحقوق البث المحلية.

ثانياً: القيمة الاقتصادية لا تتوقف عند الجوائز

تؤكد الدراسات الاقتصادية للبطولات الكبرى أن كل منتخب يشارك في كأس العالم يحقق 3 أنواع من العوائد:

أولا: الجوائز المالية وتذهب مباشرة إلى الاتحاد الوطني.

ثانيا: الإيرادات التجارية وتشمل عقود الرعاية ومبيعات القمصان والحملات الإعلانية والمكافآت الحكومية وحقوق استخدام العلامة التجارية للمنتخب.

ثالثا: العوائد غير المباشرة، ومنها ارتفاع القيمة السوقية للاعبين وانتقال اللاعبين إلى أندية أكبر وزيادة الاستثمار في الأكاديميات وتنشيط السياحة الرياضية ورفع القيمة التجارية للدوري المحلي.

المغرب... الرابح الاقتصادي الأكبر

كما كان المغرب الأفضل فنياً، كان أيضاً الأكثر استفادة اقتصادياً.

ويعود ذلك إلى عوامل عدة، منها: بلوغ ربع النهائي واستمرار الاهتمام العالمي باللاعبين، وزيادة القيمة السوقية لعدد من النجوم وتعزيز جاذبية الدوري المغربي والشركات الراعية، وتوسيع قاعدة المشجعين عالمياً. ويُتوقع أن تنعكس هذه النتائج على عقود الرعاية واستثمارات كرة القدم المغربية خلال السنوات المقبلة.

السعودية... المستفيد الإستراتيجي

رغم أن المنتخب السعودي لم يذهب إلى أبعد الأدوار، فإن السعودية خرجت بمكاسب إستراتيجية كبيرة. فكل مباراة خاضها المنتخب مثلت منصة دولية للترويج للمشروع الرياضي السعودي، قبل استضافة كأس العالم 2034 ومن أبرز المكاسب الاقتصادية تعزيز العلامة التجارية لكرة القدم السعودية وزيادة الاهتمام العالمي بالدوري السعودي وارتفاع القيمة الإعلامية للمنتخب ودعم ملف الاستثمارات الرياضية وتنشيط عقود الرعاية.

مصر... القيمة السوقية ترتفع

شكلت البطولة فرصة مهمة لإبراز عدد من اللاعبين المصريين أمام كبرى الأندية الأوروبية. وتشير تجارب النسخ السابقة إلى أن كأس العالم غالباً ما تكون نقطة تحول في مسيرة كثير من اللاعبين، بما ينعكس على رسوم الانتقالات وعقود الاحتراف والإيرادات التي تحققها الأندية والاتحاد المحلي.

العراق والأردن... مكاسب تتجاوز النتائج

قد يكون الخروج المبكر محبطاً جماهيرياً، لكنه اقتصادياً يمثل نقطة انطلاق مهمة. فالمشاركة في كأس العالم تمنح انتشاراً إعلامياً غير مسبوق واهتماماً من الرعاة وفرصاً لتطوير البنية التحتية وزيادة الاستثمار في الفئات السنية.

الجزائر وقطر وتونس

ورغم عدم تحقيق النتائج المأمولة، فإن مجرد المشاركة في كأس العالم أسهمت في تعزيز الإيرادات التجارية وزيادة متابعة الجماهير ورفع القيمة التسويقية لبعض اللاعبين وتوسيع قاعدة الشركاء التجاريين.

سوق انتقالات قد يستفيد من الإنجازات

من المتوقع أن تشهد فترة الانتقالات الصيفية اهتماماً بعدد من اللاعبين العرب الذين برزوا في البطولة، وهو ما ينعكس على ارتفاع رسوم الانتقال وزيادة عوائد الأندية وتحسن التصنيف التسويقي للدوريات العربية وجذب مستثمرين جدد إلى الأندية.

هل كانت المباريات العربية مربحة للفيفا؟

الإجابة نعم فالمباريات التي جمعت المنتخبات العربية، وخاصة مباريات المغرب والسعودية ومصر حيث حققت نسب مشاهدة مرتفعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي سوق إعلامية وإعلانية ذات قيمة كبيرة، ما عزز العوائد التجارية للفيفا وشركائه. لكن من المهم الإشارة إلى أن فيفا لا تنشر حتى الآن بيانات الإيرادات التفصيلية لكل مباراة، لذلك لا يمكن الجزم بقيمة مالية دقيقة لكل لقاء، وإنما يمكن تحليلها من خلال نسب الحضور وأسعار التذاكر والإيرادات الإجمالية للبطولة.

قراءة اقتصادية

إذا كان النجاح الرياضي يُقاس بعدد الانتصارات، فإن النجاح الاقتصادي يقاس بحجم القيمة التي يضيفها المنتخب لكرة القدم في بلاده. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المنتخبات العربية خرجت من مونديال 2026 بمكاسب اقتصادية تتجاوز نتائج المباريات، خصوصاً في مجالات الاستثمار الرياضي، والرعاية، وتسويق اللاعبين، وتطوير البنية التحتية، وهي عناصر سيكون لها أثر ممتد حتى مونديال 2030، ثم كأس العالم 2034 في السعودية.

صحافي في صحيفة الاقتصادية

تعكس هذه المشاركة العربية الواسعة في كأس العالم 2026 تحولًا استراتيجيًا نحو استثمار الرياضة كمحرك اقتصادي. ومع زيادة الجوائز المالية والإيرادات التجارية، يتوقع أن تواصل الاتحادات العربية تعزيز حضورها التنافسي. يبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه المكاسب إلى برامج تطويرية مستدامة تضمن استمرارية الإنجازات في النسخ المقبلة.