اختتمت مدينة بوسطن الأمريكية مسيرتها في تنظيم كأس العالم 2026، بعد استضافة 7 مباريات على أرضية ملعب "جيليت" في فوكسبورو. وشهدت المدينة على مدى 27 يوماً تحولاً كاملاً إلى كرنفال سياحي وثقافي عالمي، تميز ببيع كامل تذاكر المباريات وبسجل أمني منضبط، وسط تدفق مالي قياسي لقطاع الضيافة والحانات المحتلفة. ورغم هذا النجاح الجماهيري، كشفت البطولة عن أزمات تمويل خلف الكواليس، وقيود هجرة وتأشيرات مثيرة للجدل، إلى جانب تعقيدات فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، وفق صحيفة "بوسطن جلوب".

وأفادت مصادر محلية أن العاصمة التاريخية لولاية ماساتشوستس لم تكن تتوقع حجم "الغزو الاسكتلندي"، حيث تدفق نحو 50 ألف مشجع من "الجيش الترتاني" بالملابس التقليدية، مغيرين الملامح الصوتية والبصرية لوسط المدينة بأناشيدهم وقربهم الموسيقية. وبلغت الإثارة ذروتها بمسيرة نصر حاشدة اتجهت نحو ملعب "فينواي بارك" الشهير عقب الفوز الأول لمنتخب اسكتلندا في المونديال منذ نحو 3 عقود.

وظهر هذا الزخم البشري إيجاباً على الحركة التجارية؛ إذ أكدت منصات المدفوعات الرقمية (Square) و(Toast)  أن حجم المعاملات المالية في المقاهي في بوسطن قفز بنسبة 28% خلال أول أسبوعين فقط، وهي النسبة الأعلى بين جميع المدن الأمريكية الـ ١١ المستضيفة للبطولة. وسجلت مبيعات الجعة قفزة بمعدل 50% في أيام السبت مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

وعلى الصعيد التنظيمي، تلاشت المخاوف الكبيرة التي سبقت انطلاق البطولة بشأن قدرة هيئة النقل بخليج ماساتشوستس على إدارة الحشود، وذلك بعد تسوية الخلافات الحادة بين إدارة العمدة "ميشيل وو" وهيئة النقل حول خطط السير عند محطة جنوب بوسطن.

ونجحت الهيئة بالتعاون مع مشغل قطارات الضواحي في استنفار أكثر من 700 موظف لكل مباراة. وأظهرت البيانات الرسمية نقل نحو 100 ألف مشجع بأمان تام خلال المباريات الست الأولى، مع تسجيل معدلات انتظار لم تتجاوز 20 دقيقة، ووصول بنسبة 100% للمسافرين في الوقت المناسب لتجاوز البوابات الأمنية. ورغم الطوابير الطويلة والشكاوى التي ظهرت في المباراة الافتتاحية بين هايتي واسكتلندا، إلا أن حركة القطارات استقرت بكفاءة عالية طوال بقية أيام المنافسات.

أمنياً، فرضت الشرطة انضباطاً كاملاً بالتعاون مع السلطات الاتحادية التي أحبطت محاولات اختراق للأجواء بطائرات مسيرة حول الملعب. واقتصرت البلاغات في ساحة البلدية على 33 مخالفة ممتلكات بسيطة، فيما انتشرت لقطات لرجال الشرطة وهم يشاركون الجماهير اللعب بالكرة، ما أظهر الطابع السلمي والبهيج للحدث.

وأكد تقرير "بوسطن جلوب" أن الكواليس الإدارية واجهت عقبات وتحديات بالغة الصعوبة. وبدأت الأزمات بمواجهة شائكة استمرت طوال فصل الشتاء بين بلدة "فوكسبورو" والاتحاد الدولي ومجموعة كرافت المالكة للملعب. وتفاقم الوضع المالي بسبب تباطؤ المشرعين المحليين في إقرار دعم حكومي بقيمة 20 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب، بالتزامن مع عزوف الشركات والجهات الراعية عن تقديم التمويل الكافي.

كما واجه الاتحاد الدولي ورئيسه جياني إنفانتينو انتقادات لاذعة من الأوساط المحلية والجماهيرية؛ بسبب السيطرة المطلقة على عوائد البطولة، وبطء الإجراءات في منح التراخيص لبلدات المنطقة لتنظيم حفلات مشاهدة جماعية، إلى جانب الاختناقات التي شابت عملية تصفية واختبار المتطوعين.

ولم تخلُ البطولة من العيوب الهيكلية، حيث واجه نظام "تأشيرة فيفا" (FIFA Pass)  المخصص لتسريع الدخول انتقادات حادة لكونه انتقائياً، ما حرم آلاف المشجعين من دول مثل هايتي من الحضور ومؤازرة منتخباتهم.

اقتصادياً، اشتكت الجماهير من الغلاء وتراجع "فيفا" عن وعوده بتأمين نقل مجاني في المدن المستضيفة؛ حيث اضطر المشجعون لدفع مبالغ تراوح بين 80 و95 دولاراً لتذاكر القطارات والحافلات ذهاباً وإياباً نحو ملعب فوكسبورو.

وأدى العجز المالي في جمع التبرعات من قبل لجنة التنظيم المحلية (Boston 26)  إلى تقليص مدة "مهرجان المشجعين" المجاني بساحة البلدية بنسبة 59% ليعمل لمدة 16 يوماً فقط بدلاً من 39 يوماً كما كان مقرراً في البداية. وشكّل هذا التقليص ضربة للمشجعين ذوي الدخل المحدود الذين لم يتمكنوا من شراء تذاكر المباريات الأصلية، ما عكس مفارقة تنظيمية واضحة في البطولة الإقليمية.

رغم هذه العثرات الإدارية والمالية الكبيرة، تتفق الأوساط الرياضية في ماساتشوستس على أن الأداء الجماهيري والفني فوق العشب الأخضر الذي تكلل بحضور أكثر من 63 ألف مشجع لكل مباراة وتألق نجوم بارزين مثل إيرلينغ هالاند وعثمان ديمبيلي وكيلين مبابي ونجح في إنقاذ هيبة البطولة وتأكيد مكانة بوسطن كمدينة رياضية ذات أبعاد دولية.