الإنفاق العام بالصين يشهد انكماشاً حاداً وسط ضغوط التباطؤ الاقتصادي
سجل الإنفاق الحكومي في الصين هبوطاً ملحوظاً خلال الشهر الماضي مع سعي السلطات لضبط ميزانيتها رغم التحديات والضغوط المستمرة على النمو.
أظهرت بيانات رسمية صينية تقلص الإنفاق العام خلال الشهر المنصرم بمعدل غير مسبوق منذ أكتوبر، مما يعكس توجهاً نحو تقييد الإنفاق المالي وسط مطالبات متزايدة بتحفيز الاقتصاد.
تأتي هذه التطورات المالية في وقت تسعى فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم لموازنة الاستدامة المالية مع متطلبات تحفيز الأسواق.
أظهرت تقديرات وكالة "بلومبرغ" المبنية على بيانات وزارة المالية ليونيو تراجعاً في مؤشر الإنفاق العام بنسبة 11.9% على أساس سنوي، في حين صعدت الإيرادات المالية بواقع 1.8%.
هذا أدى إلى تسجيل عجز عام قدره 4.57 تريليون يوان (675 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام، بانخفاض 13% عن العام السابق، وقدرت مجموعة "جولدمان ساكس" أن الأثر المالي السلبي خلال الفترة من أبريل إلى يونيو أسهم بأكثر من 40% في التراجع المتتابع في النمو الاقتصادي الحقيقي بين الربعين الأول والثاني.
![]()
Tue, 21 2026
تسبب هذا الانكماش المالي في إلقاء ضغوط إضافية على مجمل الاستثمارات بالتوازي مع نمو أبطأ من المتوقع خلال الربع الثاني، وسط ترجيحات بالتحول نحو مسار تحفيزي لتأمين المستهدف السنوي لبكين بين 4.5% و5%.
كتب اقتصاديون في بنك "ستاندرد تشارترد" في مذكرة صدرت الأربعاء، أن تباطؤ الإنفاق المالي "يبدو بمثابة ضبط دقيق ومتعمد لوتيرة الإنفاق بعد النمو القوي المسجل في الربع الأول"، وأضافوا أن "الحكومة لا تزال تتمتع بهامش مالي كبير ضمن إطار الموازنة المعتمد في مارس".
سياسة مالية أنشط
أعلنت وزارة المالية مواصلة تنفيذ سياسة مالية وصفتها بأنها "أكثر نشاطاً"، وفق بيان ورد في مقطع فيديو صدر ضمن إحاطتها الفصلية.
من بين الإجراءات الأخرى، قالت الوزارة إن المسؤولين سيعملون على "تنفيذ جميع السياسات المعتمدة على أرض الواقع"، مع "تسريع وتيرة الإنفاق بصورة معقولة"، إلى جانب زيادة الإنفاق الهادف إلى تحسين رفاهية المواطنين.
![]()
Mon, 20 2026
تعهدت بمواصلة دعم توسيع الاستثمار الفعال، في إشارة لاستمرار تركيز الحكومة على المشروعات عالية الجودة لتجنب الاستثمارات غير المجدية، وهو ما قد يحد من قدرتها على تسريع الإنفاق.
انخفض الإنفاق المرتبط بالبنية التحتية ضمن الموازنة العامة، وهي الأكبر بين الحسابات الأربعة للموازنة الحكومية، 9% من أبريل إلى يونيو مقارنة بالعام السابق، وفق حسابات "بلومبرغ" المستندة إلى أرقام الوزارة.
في الوقت نفسه، ارتفع إجمالي إنفاق الحكومة على التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتوظيف بنسبة 4.9% خلال الفترة نفسها. ومنذ العام الماضي، يروج المسؤولون لسياسة "الاستثمار في الإنسان" ضمن جهود تشجيع المواليد وتحفيز إنفاق الأسر، من خلال تقديم مزايا مثل إعانات رعاية الأطفال وإعفاءات من رسوم مرحلة ما قبل المدرسة.
إيرادات الضرائب في الصين
في مقطع فيديو منفصل، عزت الوزارة ارتفاع الإيرادات العامة بنسبة 4.7% خلال النصف الأول من العام، بما يشمل الحصيلة الضريبية، إلى انتعاش أسعار المنتجات الصناعية وأرباح الشركات، إلى جانب نشاط تداول الأسهم وزيادة الواردات.
ارتفعت حصيلة ضريبة القيمة المضافة، أكبر مصادر الإيرادات المالية في الصين، بنسبة 6%، فيما زادت إيرادات ضريبة دخل الشركات، ثاني أكبر مصدر، بنسبة 3.9%.
قفزت حصيلة ضريبة الدمغة بنسبة 40.9%، وهي أعلى زيادة بين الضرائب الرئيسية، خلال الفترة نفسها مدفوعةً بتضاعف الإيرادات المحصلة من تداول الأسهم تقريباً. كما تجاوز نمو ضريبة دخل الأفراد، والإيرادات المجمعة من ضريبة القيمة المضافة وضريبة الاستهلاك على الواردات، حاجز 11%.
![]()
Mon, 13 2026
البنية التحتية تتصدر أولويات الإنفاق
في المقابل، واصل الركود العقاري الممتد منذ سنوات الضغط على المالية العامة، بعدما تراجعت إيرادات السلطات المحلية من مبيعات الأراضي بنسبة 31.5% خلال الفترة من يناير إلى يونيو، ومن المقرر أن تصبح مشروعات الأشغال العامة الكبرى محور الإنفاق الحكومي خلال الأشهر المقبلة.
تعهدت الحكومة، بتسريع تنفيذ برنامج "الشبكات الست" الضخم، وهو مشروع وطني استراتيجي لتطوير البنية التحتية، يشمل مراكز البيانات وشبكات الكهرباء والاتصالات، ويستهدف دعم نمو الصين على المدى الطويل في عصر الذكاء الاصطناعي الجديد.
سبق ذلك تعهد رئيس الوزراء لي تشيانغ بالاستفادة القصوى من السياسات القائمة، ودراسة إجراءات إضافية ضمن استجابة أكثر فعالية للتباطؤ الاقتصادي، وبدأت المقاطعات الصينية تكثيف جهود جمع التمويل اللازم للإنفاق الرأسمالي.
الصين توسع أدوات تمويل الاستثمار
في يونيو، أصدرت الحكومات المحلية سندات بقيمة 291.7 مليار يوان، وُجهت أساسا لتمويل الاستثمار في البنية التحتية، بحسب بيانات "بلومبرغ"، وهذا أعلى مستوى منذ فبراير، وأكثر من ضعف إصدارات الشهر السابق، رغم بقائه أقل من مستواه قبل عام، ويرجح استمرار وتيرة الإصدار الأشهر المقبلة، إذ يتبقى للمقاطعات 1.9 تريليون يوان من حصص السندات المقررة، يمكن استخدامها بالنصف الثاني.
بشكل منفصل، خططت الحكومة لإتاحة أدوات تمويل جديدة للسياسات بقيمة 800 مليار يوان هذا العام، وهي آلية شبه مالية تستهدف تحفيز الاستثمار، فيما أفادت صحيفة "سيكيوريتيز تايمز" الحكومية أن التمويل لم يُستغل بعد، ومن المقرر تسريع طرحه خلال الربع الثالث.
قال اقتصاديون في "جولدمان ساكس" في تقرير "بعد تراجع الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني عن المتوقع، نتوقع أن يعزز صُناع السياسات خطاب التيسير النقدي والتعهد بتسريع تنفيذ إجراءات دعم الطلب المقررة، خلال اجتماع المكتب السياسي المرتقب في يوليو"، مضيفين "مع ذلك، فإن قوة الصادرات وإمكانية تحقيق مستهدف النمو السنوي يشيران إلى محدودية الحاجة الملحة لحزمة تحفيز واسعة النطاق وكبيرة على المدى القريب".
يأتي هذا الانكماش المالي في وقت تحاول فيه بكين موازنة حاجتها للتحفيز الاقتصادي مع الالتزام بالانضباط المالي ضمن موازنتها المعتمدة. ويرى المحللون أن وتيرة الإنفاق المستقبلية ستعتمد على مدى نجاح الإجراءات في دعم القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والرفاه الاجتماعي. كما يبقى التركيز منصباً على فعالية السياسات الموجهة نحو تحسين معيشة المواطنين وتشجيع الاستثمار عالي الجودة. وتتابع الأسواق عن كثب ما إذا كانت الحكومة ستلجأ إلى تسريع وتيرة الإنفاق في النصف الثاني من العام لضمان تحقيق مستهدفات النمو السنوية.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.