تجدد الصراع .. هل سنشهد صعودا لمستويات 3 خانات
إثر هدنة نسبية أعقبت توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن في 17 يونيو 2026، والتي أثارت آمالاً بوقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز، عادت التوترات بقوة في بداية الشهر الجاري. فقد أدت هجمات إيرانية على سفن تجارية في المضيق إلى رد عسكري أمريكي وإلغاء الترخيص الأمريكي لتصدير النفط الإيراني، مما أثار المخاوف من انهيار التفاهم واندلاع اضطرابات جديدة في إمدادات الطاقة العالمية.
ويظل مضيق هرمز نقطة ارتكاز حساسة للاقتصاد العالمي، إذ تعتمد استقرار أسواق الطاقة على أمن الملاحة فيه.
مضيق هرمز الخاصرة الاقتصادية للعالم وأحد أهم نقاط الاختناق في سوق النفط العالمية أصبح في عين العاصفة مجدداً وهو الذي يمر من خلاله نحو 20% من الإمدادات العالمية بمعدل 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات البترولية، ما يعني أن أي تهديد له سيؤثر فوراً في تدفقات النفط وأسعاره في البورصات العالمية.
لم يتأخر صدى التصعيد وتجدد القتال في أسواق النفط، حيث صعد سعر خام برنت إلى 87 دولاراً للبرميل وقفز خام غرب تكساس إلى أكثر من 80 دولاراً. كما تراجع عدد السفن العابرة للمضيق بشكل ملحوظ مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن التي كانت قد انخفضت بعد التفاؤل بالاتفاق، لكن التصعيد الجديد أعادها إلى الصعود، خاصة مع إلغاء الترخيص المؤقت للنفط الإيراني.
أسواق النفط في طريقها لمواجهة عدة سيناريوهات محتملة، أولها سيناريو التصعيد المحدود وهو الأكثر احتمالاً حالياً، حيث تضغط واشنطن على ايران للعودة إلى طاولة المفاوضات عبر تكثيف الضربات وخصوصاً بتكثيف الضربات على مصادر الطاقة ومنابع النفط ومنشآته التي تشكل عصب الاقتصاد الإيراني، استمرار هذه الضربات والردود الإيرانية يبقي المخاطر مرتفعة، ما يدعم أسعاراً في نطاق 85 دولاراً للبرميل وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات جزئية في الملاحة وزيادة أسعار التأمين والشحن وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
سيناريو آخر محتمل يتمثل في إغلاق جزئي أو كامل للمضيق، مما قد يؤدي إلى نقص في الإمدادات يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يومياً. وفي هذه الحالة، يتوقع أن ترتفع الأسعار نحو عتبة المئة دولار للبرميل وقد تتجاوزها، خاصة مع صعوبة التعويض عبر الطرق البديلة المحدودة السعة مثل خطوط الأنابيب السعودية شرق غرب والإماراتية عبر الفجيرة. وقد شهدت الأسواق هذا السيناريو سابقاً في بداية الصراع.
الأسواق خارج المنطقة مثل الولايات المتحدة والبرازيل وروسيا قد تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها قد تواجه تحديات في زيادة الإنتاج بسرعة. وقد تقود الأوضاع إلى لجوء الدول المستهلكة وخصوصاً مجموعة السبع الكبرى مع دول أخرى إلى سحب من الاحتياطيات الإستراتيجية، وهو قرار سيزيد الضغط على المخزونات الإستراتيجية المعدة أصلاً للطوارئ لا لأجل الحد من ارتفاع الأسعار والتأثير في الأسواق.
تمدد الصراع قد يقود إلى تداعيات اقتصادية أوسع خارج حدود أسواق النفط، ما ينقل ارتفاع أسعار النفط إلى ارتفاع تكاليف النقل والوقود والسلع الاستهلاكية، وقد يفضي إلى زيادة التضخم العالمي، خاصة في الدول المستوردة. بينما قد نشهد مزيدا من تباطؤ النمو الاقتصادي، حيث حذرت بعض التقارير من تباطؤ النمو العالمي إلى أقل من 2% في حال اضطراب طويل مع مخاطر ركود في اقتصادات متقدمة وناشئة.
أما على صعيد الأسواق المالية فإن ارتفاع أسعار النفط سيدعم الدولار ويرفع عوائد السندات ويزيد التقلبات في الأسهم خاصة قطاعات النقل والصناعة والطاقة ويدفع بالمستثمرين إلى الذهب كملاذ آمن.
قد يتساءل البعض عن الرابحين والخاسرين من سيناريو التصعيد، ولذا فإن الإجابة نسبية، فالولايات المتحدة قد تستفيد نسبياً كمصدر صافٍ، بينما تواجه دول مثل الصين ارتفاع في أسعار النفط، وستعاني دول أخرى نامية ارتفاع فواتير الاستيراد ومخاطر أمن غذائي بسبب الارتفاع في أسعار النفط والمنتجات البتروكيماوية وأهمها الأسمدة.
أما الآفاق المستقبلية في أسواق النفط فهي تعتمد بشكل كبير على نتائج المفاوضات الجارية رغم التوترات فنجاح الجهود الدبلوماسية في تهدئة الوضع وإعادة فتح المضيق بشكل كامل، قد تخفض الأسعار تدريجياً. أما في حال استمرار التصعيد حول مضيق هرمز فمن المتوقع حدوث تقلبات عالية مع احتمالات صعود قوي لأسعار النفط إلى مستويات الثلاث خانات.
خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة
وفي ظل هذه التطورات، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو التصعيد المحدود مع استمرار الضغوط الأمريكية على إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات. غير أن أي إغلاق جزئي أو كلي للمضيق قد يرفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، مما ينعكس على التضخم العالمي ومعدلات النمو. ويترقب المحللون نتائج الجهود الدبلوماسية بين الجانبين لتحديد مسار الأسعار في الفترة المقبلة.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.