تحدي التكاليف يبرز أمام "المراعي" في مرحلة تنفيذ خطتها الإستراتيجية
تراجعت أرباح "المراعي" العاملة في إنتاج الأغذية والمدرجة في السوق السعودية، لأول مرة منذ الربع الثالث لعام 2021 على أساس سنوي، في وقت حققت نموا في الايرادات يعد الأعلى بنحو 3 سنوات، ليظهر أن التحدي الأبرز لا يتعلق بقدرة الشركة على تنمية المبيعات، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا النمو إلى أرباح وهوامش وتدفقات نقدية حرة.
ارتفعت إيرادات الشركة 11% على أساس سنوي إلى 5.87 مليار ريال، مدعومة بنمو الأحجام في الأسواق وفئات المنتجات وقنوات البيع. لكن صافي الربح تراجع 1.7% إلى 635.7 مليون ريال، متأثرا بارتفاع تكاليف شحن الأعلاف والطاقة والتوزيع.
وتعكس هذه النتائج مفارقة واضحة "المراعي" تبيع أكثر، لكنها لا تحتفظ بالنسبة نفسها من الأرباح أو النقد الحر.
في الربع الثاني، هبط التدفق النقدي الحر إلى 42.2 مليون ريال فقط، مقابل 383 مليون ريال في الربع المماثل من العام السابق، بتراجع بلغ 89%، نتيجة انخفاض التدفق التشغيلي مع استمرار الإنفاق الاستثماري عند مستويات مرتفعة.
ولا تشير الأرقام، وفق المعطيات المتاحة، إلى أزمة ملاءة أو سيولة مباشرة، لكنها تكشف تحديا متزايدا في جودة النمو، أي في قدرة الشركة على تحويل التوسع في المبيعات إلى نقد حر، خصوصا مع تنفيذ برنامج استثماري يتجاوز 18 مليار ريال حتى 2028، واقتراب الرافعة المالية من المستوى الذي تعدّه الإدارة ملائما استراتيجيا.
أرباح المراعي تسجل أول تراجع ربعي منذ 2021-02
نمو الإيرادات لا يكفي وحده
سجلت المراعي إيرادات بلغت 5.87 مليار ريال في الربع الثاني، بزيادة 11% على أساس سنوي. لكن إجمالي الربح ارتفع 6% فقط إلى 1.82 مليار ريال، فيما بقي الربح التشغيلي شبه مستقر عند 813.6 مليون ريال.
وتوضح هذه الفجوة أن تكاليف المبيعات والمصاريف التشغيلية ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات، ما ضغط على كفاءة الربحية. فقد تراجع هامش الربح الإجمالي إلى 31.1%، مقابل 32.4% قبل عام، وانخفض هامش التشغيل إلى 13.9% من 15.4%، كما تراجع هامش صافي الربح إلى 10.8% من 12.2%.
بمعنى آخر، لم يكن الربع الثاني ضعيفا من زاوية الطلب، بل من زاوية قدرة الشركة على تحويل المبيعات الإضافية إلى ربح صاف. وهذا ما يجعل قراءة الهوامش أكثر أهمية من قراءة الإيرادات وحدها.
وعزت الشركة تراجع الربح إلى ارتفاع تكاليف شحن الأعلاف في قطاع الألبان، وزيادة تكاليف التوزيع المرتبطة بمصروفات الطاقة. وفي المقابل، استمر دعم الإيرادات من نمو مبيعات الدواجن المرتبطة بمشاريع التوسع، إلى جانب تحسن مزيج إيرادات الألبان.
التدفقات النقدية تكشف موضع الضغط
الجانب الأكثر حساسية في النتائج ظهر في التدفقات النقدية. فقد تراجعت التدفقات النقدية التشغيلية في الربع الثاني إلى 1.10 مليار ريال، مقابل 1.46 مليار ريال في الربع المماثل من 2025، بانخفاض 25%.
وفي الوقت نفسه، بقيت التدفقات المستخدمة في الأنشطة الاستثمارية عند مستوى مرتفع بلغ 1.05 مليار ريال، وبذلك تقلص التدفق النقدي الحر إلى 42.2 مليون ريال فقط، مقارنة بـ383 مليون ريال قبل عام.
ذلك لا يعكس تراجعا حادا في الربحية المحاسبية بقدر ما تعكس اجتماع ضغط الهوامش والتكاليف على النقد التشغيلي من جهة، واستمرار الإنفاق الرأسمالي المرتفع المرتبط بدورة التوسع من جهة أخرى.
وعلى مستوى النصف الأول من 2026، تبدو الصورة أقل حدة، لكنها تظل محدودة من زاوية النقد الحر. فقد بلغ التدفق التشغيلي 2.37 مليار ريال، مقابل إنفاق استثماري بنحو 2.16 مليار ريال، ليصل التدفق الحر إلى 215 مليون ريال، مقارنة بـ217.9 مليون ريال في الفترة المماثلة من العام السابق.
وهذا يعني أن التدفق الحر لم يتراجع كثيرا على أساس نصف سنوي، لكنه بقي ضيقا قياسا بحجم الأرباح والاستثمارات والتوزيعات النقدية.
المديونية تحت المراقبة
لا تزال "المراعي" تتمتع بقاعدة تشغيلية قوية ومركز سوقي كبير وتدفقات تشغيلية موجبة. لذلك، لا تكشف الأرقام الحالية عن أزمة مديونية مباشرة. لكنها تجعل مستوى الدين عنصرا يستحق مراقبة أدق، خصوصا مع دخول الشركة في دورة إنفاق رأسمالي كثيفة.
في نهاية 2025، بلغ إجمالي التمويل القائم لدى الشركة نحو 12.5 مليار ريال، موزعا بين تسهيلات مرابحة وتمويل حكومي وصكوك.
كما أوضحت الإدارة أن نسبة صافي الدين إلى الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك عند نحو 2.5 مرة تمثل الهيكل التمويلي الأمثل للمجموعة، بينما بلغ المؤشر 2.48 مرة بنهاية 2025.
ولا يعني ذلك أن الشركة تجاوزت مستوى مقلقا، لكنه يشير إلى أن مساحة التوسع في الدين لم تعد واسعة كما كانت في مراحل الرافعة المنخفضة. فإذا استمر ضعف التدفق الحر، أو تأخرت مساهمة المشاريع الجديدة في الأرباح، فقد تزيد حاجة الشركة إلى الموازنة بين تمويل النمو، ودعم التوزيعات، وضبط المديونية.
الاستثمار يضغط على النقد الحر مؤقتا
لا يمكن فصل تراجع التدفق النقدي الحر عن الخطة الاستراتيجية للمراعي حتى 2028. فقد أعلنت الشركة برنامجا استثماريا يتجاوز 18 مليار ريال، يشمل نحو 7 مليارات ريال للتوسع في قطاع الدواجن، و5 مليارات ريال لتعزيز الألبان والعصائر والمخبوزات، و4 مليارات ريال لتطوير سلسلة التوريد وقدرات المبيعات، إضافة إلى استثمارات في قطاعات غذائية جديدة والتكنولوجيا.
وتشير الإدارة إلى أن تنفيذ البرنامج يتطلب فترة من الإنفاق الرأسمالي المرتفع. وبلغ الإنفاق الرأسمالي خلال آخر 12 شهرا نحو 20% من الإيرادات، مع توقع بقاء الإنفاق عند مستويات مرتفعة خلال مرحلة التنفيذ، قبل أن يعود لاحقا إلى نطاق اعتيادي بين 7% و8% من الإيرادات.
وبناء على ذلك، فإن انخفاض التدفق الحر لا يمثل بالضرورة علامة ضعف هيكلي، بل قد يكون جزءا من تكلفة انتقالية لدورة توسع. لكن اختبار الخطة سيظهر في المرحلة التالية من خلال قدرة استثمارات الشركة الجديدة في توليد عوائد تشغيلية تفوق تكلفة رأس المال وتعيد توسيع التدفق النقدي الحر.
وحدة التحليل المالي
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.