الدكتور / بكر عبداللطيف الهبوب

منذ أن بدأ الإنسان رحلته في هذا العالم، وهو يخوض معركة لا تنتهي لتقليص جهله به. فكل ثورةٍ صناعيةٍ لم تكن إلا خطوةً جديدةً في هذه المعركة. فالزراعة لم تكن مجرد بذرٍ وحصاد، بل أول محاولة للسيطرة على المستقبل بَدَلَ مطاردته، وكذلك الصناعة لم تكن حديداً وبخاراً، بل مضاعفةً لقدرةِ الإنسانِ حتى تحرر من قيد عضلاته، ثم جاءت الطاقة، فقلّصت أثر الزمن والمسافة، وجعلت العالم يعمل كوحدةٍ واحدة متصلة.

لكن تلك الثورات جميعاً تعاملت مع عوامل تحيط بالانسان، حتى جاءت الثورة الرقمية، فاقتحمت عالم الانسان الداخلي من ذاكرةٍ، وقرارٍ، وسلوكٍ. ولم يعد جوهر الاقتصاد فيما نملك، بل فيما نعرف ونوّجه، ومن هنا أصبحت البيانات مصدر قوة المستقبل.

قال تعالى "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء"، ليست الآية وصفاً للغيب بقدر ما هي تحديد لحدود الإنسان. فما يغيب عنه ليس قَدَراً مغلقاً، بل مساحة عمياء في إدراكه. فالإنسان يخسر لأنَّه يرى متأخراً، ويخطئ لأنه يقرر ناقصاً. ومنذ الأزل وهو يسعى إلى سلطان العلم ليحوّل المجهول إلى معلوم، والمخاطرة إلى حساب. وهذا تحديداً ما تفعله البيانات اليومالتي لا تقدم معرفة فحسب، بل تقلّص مساحة المفاجأة.

لم تعد البيانات ناتجاً جانبياً للأنشطة الاقتصادية والإدارية، بل أصبحت مورداً إستراتيجياً قائماً بذاته. ومع ذلك فإن تشبيهها بـ"النفط"، رغم شيوعه، يظل قاصراً عن التعبير بدقةٍ عن طبيعتها. فالنفط يستخرج من باطن الأرض ثم يستهلك، بينما تتولد البيانات باستمرار من تفاعلات الأفراد والمؤسسات والأنظمة، وتزداد قيمتها كلما اتسعت القدرة على توظيفها والاستفادة منها. كما أن وجود البيانات في حد ذاته لا ينتج قيمة اقتصادية، تماماً كما أنَّ توافر المواد الخام لا يكفي لإنشاء صناعة متقدمة ما لم تتوافر القدرة على معالجتها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة.

الفرق بين اقتصادٍ تقليديٍّ واقتصادِ بياناتٍ لا يكمن في حجم الموارد، بل في جودة القراءة. "البيانات الخام" لا تعني شيئاً، كما أنَّ النفط بلا تكريرٍ لا يتجاوز كونه مادةً خامًا. فالقيمة تبدأ عندما تدخل الخوارزميات بوصفها "مصافٍ ذكية" تملك سلسلة قيمة تُحَّول السلوك إلى نمط، والنمط إلى توقع، والتوقع إلى قرار. فقيادة الاقتصاد المعرفي ليست لمن يملك "البيانات الخام"، بل لمن يقدّر على تكريرها وتحويلها إلى قيمة.

لم تنهض شركة "أوبر" لأنَّها تملك سيارات، بل لأنها فهمت حركة المدن في الزمن الحقيقي، ولم تهيمن "أمازون" لأنها تملك المخزون، بل لأنها سبقت الرغبة قبل أن تتحول إلى طلب. وصناعة القيمة ليست حكراً على الشركات بل تسابق الدول على تحويلها لبنيةٍ تحتية لجذب قطاع التقنية.

فاليوم تُعد السعودية من أبرز الدول الرائدة عالميًا في البنية الرقمية والخدمات الحكومية الإلكترونية، وحوّلت منصات مثل "نفاذ" و"أبشر" و"توكلنا" من مجرد أدوات خدمية، إلى ممكنات رقمية ارتكزت عليها خدمات ومنصات امتدت إلى قطاعات أخرى كالتمويل والمصارف، والتأمين، والصحة، والتعليم، والعدل، والتجارة الإلكترونية، والخدمات اللوجستية، وغيرها.

إنَّ البيانات لا تمنح رؤيةً فحسب، بل تمنح نفوذاً. فمَن يملك بيانات الأفراد لا يكتفي بمعرفتهم، بل يقترب من القدرة على التأثير في اختياراتهم وتوجيه سلوكهم وتشكيل تفضيلاتهم. ومع اتساع بناء القرارات الاقتصادية والاجتماعية على النماذج الخوارزمية، تتقدّم السيادة على الكفاءة، ويتحوّل التركيز من مجرد تحسين الأداء إلى التحكم في نتائجه، في ظل انتقال البيانات من كونها أداة إنتاج إلى أداة حكم، ومن كونها وسيلة لتحسين السوق إلى قوة تعيد تشكيله.

أصبح التنافس الاقتصادي اليوم أقل ارتباطاً بحجم الموارد، وأكثر ارتباطاً بقدرة الدول على تحليل البيانات ونمذجتها، وبناء بنية رقمية تُمكّن القطاع الخاص من الابتكار والنمو. فالثروة الرقمية لا تُقاس بحجم ما يُجمع من بيانات، بل بالقدرة على تحويلها إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى ميزة مستدامة.

مستشار قانوني