رغم اضطرابات المنطقة.. الدبلوماسية تنعش التجارة التركية-الخليجية
قيمة الصادرات التركية إلى دول مجلس التعاون الخليجي بلغت 826 مليون دولار خلال يونيو 2026
من إسطنبول – مجاهد أنس سوينج (الأناضول)
تعد دول الخليج شريكًا تجاريًا رئيسيًا لتركيا، وتسعى أنقرة باستمرار إلى تعزيز العلاقات معها عبر قنوات دبلوماسية واقتصادية.
شهدت الصادرات التركية إلى دول الخليج العربي انتعاشًا ملحوظًا بفضل الحراك الدبلوماسي المكثف الذي أسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي على الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة.
** رئيس مجلس الأعمال التركي للشرق الأوسط والخليج خالد أقر للأناضول:
- النشاط الدبلوماسي المكثف الذي شهدته الفترة الأخيرة بدأ ينعكس بصورة إيجابية على حركة التجارة
- الحوار السياسي الوثيق الذي تواصله تركيا مع دول الخليج، وفر بيئة أكثر ملاءمة لتحركات القطاع الخاص
- تقييم العلاقات مع دول الخليج لم يعد يقتصر على أرقام الصادرات، بل بات يشمل أيضا الشراكات الاستثمارية والتعاون في الإنتاج وتطوير الممرات اللوجستية الجديدة
في دلالة على تحسن التبادل التجاري بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، تجاوزت قيمة الصادرات التركية إلى تلك الدول 826 مليون دولار في يونيو 2026، مدفوعة بالنشاط الدبلوماسي الذي رسّخ العلاقات الاقتصادية رغم التوترات الجيوسياسية بالمنطقة.
وتواصل تركيا تعزيز علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعُمان، في إطار سياستها الهادفة إلى توسيع شبكة علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دول الجوار ومختلف المناطق.
وبحسب بيانات مجلس المصدرين الأتراك، التي اطلعت عليها الأناضول، بلغ إجمالي قيمة الصادرات التركية خلال يونيو الماضي 24 مليارا و940,3 مليون دولار، مسجلا زيادة بنسبة 21.8 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وعند توزيع الصادرات بحسب الدول، برزت الزيادة المسجلة في صادرات تركيا إلى دول الخليج، رغم تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على المنطقة.
وخلال يناير/كانون الثاني من العام الجاري، بلغت قيمة الصادرات التركية إلى دول الخليج 621 مليون دولار، قبل أن ترتفع إلى 814 مليون دولار في فبراير/شباط.
إلا أن تصاعد تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران خلال مارس/آذار انعكس سلبا على حركة التجارة، لتنخفض الصادرات إلى دول المجلس الست إلى 353.6 مليون دولار.
ومع ذلك، أسهمت الاتصالات والجهود الرامية إلى الحفاظ على انسياب حركة التجارة في تعافي الصادرات مجددا، لتبلغ 838.5 مليون دولار في أبريل/نيسان، ثم 646 مليون دولار في مايو/أيار.
وفي 18 يونيو/ حزيران 2026، وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم تضمنت وقفا لإطلاق النار، وبدأتا مفاوضات بوساطة باكستان وقطر لإنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/ شباط من العام ذاته.
غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن، في 8 يوليو/ تموز 2026، انتهاء وقف إطلاق النار على خلفية تجدد التصعيد، بعدما هاجمت إيران، قبل ذلك بيوم، ثلاث سفن أثناء عبورها مضيق هرمز، بدعوى عدم التزامها بمسار الإبحار الذي حددته، لترد واشنطن بشن هجمات على مواقع داخل إيران.
وتدعم واشنطن مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز في مسار يختلف عن ذلك الذي حددته إيران، وهو ما ترفضه طهران، مؤكدة أنها تستهدف أي سفينة لا تنسق معها قبل عبور المضيق الاستراتيجي لإمدادات الطاقة العالمية.
**4.1 مليارات دولار في النصف الأول من العام
وفي يونيو/حزيران، شهدت الصادرات التركية إلى دول الخليج اتجاها تصاعديا، لترتفع بنسبة 35.7 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، مسجلة 826.8 مليون دولار، مقابل 609.2 ملايين دولار.
وبلغت قيمة الصادرات التركية إلى دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأشهر الستة الأولى من العام، نحو 4.1 مليارات دولار.
وتصدرت السعودية قائمة أكبر الأسواق الخليجية للصادرات التركية خلال يونيو/حزيران، باستيرادها بضائع بقيمة 425.2 مليون دولار، تلتها الإمارات بـ295.6 مليون دولار، ثم الكويت بـ34.7 مليون دولار، وقطر بـ34.2 مليون دولار، وسلطنة عمان بـ29.1 مليون دولار، والبحرين بنحو 8 ملايين دولار.
**السعودية تقود نمو الصادرات التركية إلى الخليج
وعلى أساس سنوي، سجلت السعودية أكبر زيادة في قيمة وارداتها من تركيا خلال يونيو/حزيران مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، إذ ارتفعت بنحو 229.8 مليون دولار.
وجاءت سلطنة عمان في المرتبة الثانية بزيادة بلغت 13.5 مليون دولار، تلتها الكويت بزيادة قدرها 8.2 ملايين دولار، ثم قطر بنحو 7.4 ملايين دولار.
في المقابل، تراجعت الصادرات التركية إلى البحرين بمقدار 567 ألف دولار، وإلى الإمارات بنحو 40.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
وعلى مستوى القطاعات، تصدر قطاع المجوهرات قائمة الصادرات التركية إلى دول الخليج خلال يونيو بقيمة بلغت 105.6 ملايين دولار، تلاه قطاع المواد والمنتجات الكيماوية بـ69 مليون دولار، ثم الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية ومنتجاتها بـ59.2 مليون دولار، وقطاع الكهرباء والإلكترونيات بـ47.9 مليون دولار.
فيما جاء قطاع الآلات ومكوناتها في المرتبة الخامسة بقيمة 29 مليون دولار.
**توقعات بتسارع الصادرات في النصف الثاني من العام
وفي تقييمه لهذه الأرقام، قال رئيس مجلس الأعمال التركي للشرق الأوسط والخليج في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (دييك)، خالد أقر، إن نمو الصادرات إلى دول الخليج، رغم التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، يعكس رسوخ العلاقات الاقتصادية بين تركيا ودول الخليج واستقرارها على أسس أكثر استدامة.
وأوضح أقر، في تصريحات للأناضول، أن النشاط الدبلوماسي المكثف الذي شهدته الفترة الأخيرة بدأ ينعكس بصورة إيجابية على حركة التجارة.
ولفت إلى أن الحوار السياسي الوثيق الذي تواصله تركيا مع دول الخليج، بما في ذلك العراق، وفر بيئة أكثر ملاءمة لتحركات القطاع الخاص.
وأكد أن الثقة تمثل عنصرا لا يقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية في ضمان استدامة العلاقات التجارية.
وتابع: "فيما يتعلق بتوقعاتنا للنصف الثاني من العام، يبرز سيناريوهان رئيسيان، فإذا شهد الوضع الأمني في المنطقة مزيدا من التحسن، نتوقع أن تستعيد الاستثمارات المؤجلة زخمها، وهو ما سينعكس في تسارع الصادرات، ولا سيما في قطاعات مواد البناء والآلات والمعدات الكهربائية والصحة والغذاء والخدمات اللوجستية".
وأضاف أن استمرار المخاطر الجيوسياسية ضمن مستويات يمكن التحكم بها لن يمنع مواصلة الاستثمارات الحكومية في دول الخليج، بفضل متانة أوضاعها المالية، الأمر الذي سيدعم استمرار نمو حجم التجارة.
وشدد على أن السعودية أصبحت أكبر سوق خليجية للصادرات التركية، كما سجلت أعلى معدل نمو، مرجعا ذلك إلى تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إضافة إلى برنامج "رؤية السعودية 2030"، الذي يقود عملية تحول اقتصادي واسعة في المملكة.
وأوضح أن بعض المشاريع العملاقة في السعودية شهدت خلال الفترة الأخيرة مراجعات تتعلق بالميزانيات أو الأحجام أو الجداول الزمنية للتنفيذ، إلا أن ذلك لا يعني توقف الاستثمارات، وإنما يمثل إعادة ترتيب للأولويات وتحسينا لكفاءة استخدام الموارد.
وأكد أن قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة والإسكان والبنية التحتية ستظل ضمن أولويات المملكة، بما يوفر فرصا واعدة للشركات التركية على المديين المتوسط والطويل.
**الإمارات والكويت وعُمان توفر فرصا جديدة
وقال أقر إن الإمارات حافظت خلال يونيو على موقعها ثاني أكبر سوق خليجية للصادرات التركية، بقيمة بلغت 295.6 مليون دولار.
وذكر أن التراجع المسجل بنحو 40.8 مليون دولار لا ينبغي اعتباره مؤشرا على اتجاه دائم.
وأوضح أن الإمارات ما تزال تمثل مركزا إقليميا مهمًا للتجارة وإعادة التصدير نحو الأسواق الإفريقية والآسيوية، معربا عن اعتقاده بأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الموقعة بين البلدين ستسهم في زيادة حجم التجارة خلال المرحلة المقبلة.
وفي ما يتعلق بالكويت، أكد أن الإيرادات النفطية التي تتمتع بها الدولة، إلى جانب توقعات استئناف مشاريع البنية التحتية الحكومية بوتيرة أسرع، ستواصل توفير فرص مهمة أمام شركات المقاولات التركية والمنتجين الصناعيين.
وأضاف أن قطر توفر بدورها فرصا واعدة للشركات التركية، خاصة في قطاعات الصحة والأمن الغذائي والخدمات اللوجستية والصناعات ذات القيمة المضافة، في حين تعد سلطنة عمان واحدة من أسرع الأسواق نموًا في المنطقة.
ورجح أقر أن تسهم الاستثمارات الجارية في الموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية في تعزيز مكانتها كسوق مهمة للمصدرين الأتراك خلال الفترة المقبلة.
أما البحرين، فرغم محدودية حجم سوقها، فإنها لا تزال تحتفظ بأهمية استراتيجية بفضل مكانتها مركزا ماليا، فضلا عن ارتباطها اللوجستي الوثيق بالسعودية، ما يجعلها إحدى الحلقات المهمة في سلسلة التجارة الخليجية، وفق المتحدث نفسه.
وأكد أقر أن تقييم العلاقات مع دول الخليج لم يعد يقتصر على أرقام الصادرات، بل بات يشمل أيضا الشراكات الاستثمارية والتعاون في الإنتاج وتطوير الممرات اللوجستية الجديدة.
وبيّن أن القدرات الإنتاجية والهندسية لتركيا وموقعها الجغرافي يمنحانها مزايا مهمة لتعزيز تعاونها مع دول الخليج خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن مجلس الأعمال التركي للشرق الأوسط والخليج في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية يواصل، عبر 13 مجلس أعمال ثنائي، تنظيم المنتديات والفعاليات الاقتصادية لاستكشاف فرص الاستثمار، لافتا إلى تنظيم أكثر من 160 فعالية خلال النصف الأول من العام.
وأضاف أن مجلس الأعمال التركي-العراقي يعمل كذلك على تسهيل الاستثمارات وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، معربا عن اعتقاده بأن مشروع "طريق التنمية" سيسهم في توثيق الروابط الاقتصادية بين العراق ودول الخليج، ويجعل تركيا أحد أبرز المستفيدين من هذا الممر التجاري الجديد.
ومشروع "طريق التنمية"، يمتد من ميناء الفاو العراقي على الخليج العربي وصولا إلى أوروبا عبر تركيا، ويشمل سككا حديدية وطرقا برية بطول 1200 كيلومتر، يجري التخطيط له بمشاركة الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا والعراق.
يُظهر هذا الارتفاع في الصادرات أن الدبلوماسية النشطة يمكن أن تخفف من آثار التوترات الإقليمية على التبادل التجاري. ومع استمرار تركيا في استراتيجيتها لتنويع شركائها الاقتصاديين، من المتوقع أن تزداد الاستثمارات المشتركة والتعاون في الممرات اللوجستية. لكن التطورات الجيوسياسية، مثل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، تظل عوامل خطر قد تؤثر على وتيرة هذا التكامل.
المصدر الأصلي: وكالة الأناضول
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.