مصر تعد برنامجًا اقتصاديًا لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي
تعمل الحكومة المصرية على إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، على أن يطرح للحوار المجتمعي قبل إعلانه رسميًا، فيما تقول الحكومة إن البرنامج يستهدف تحديد أولويات الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة، بينما يرى اقتصاديون أن نجاحه سيعتمد على التركيز على الإنتاج والاستثمار وإدارة الدين العام.

تستعد الحكومة المصرية لصياغة برنامج اقتصادي وطني يُعقِب انتهاء المرحلة الحالية من الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، ومن المقرر أن يُطرح للحوار المجتمعي قبل الإعلان الرسمي. وتؤكد الحكومة أن البرنامج يهدف إلى رسم أولويات الاقتصاد في المرحلة المقبلة، في حين يرى خبراء أن نجاحه يتوقف على تعزيز الإنتاج والاستثمار وضبط إدارة الدين العام.
يأتي هذا الإعداد في ظل تحديات اقتصادية إقليمية وعالمية، مع سعي مصر إلى تحقيق استقرار اقتصادي بعد مرحلة الإصلاح.
يأتي هذا البرنامج في وقت تقترب فيه مصر من إنهاء برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، الذي تم توسيعه في مارس 2024 من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار ضمن حزمة دعم أوسع. كما أبرمت القاهرة والصندوق مؤخرًا اتفاقًا على مستوى الخبراء حول المراجعة السابعة، بانتظار موافقة المجلس التنفيذي، وتعتبر هذه المراجعة قبل الأخيرة في البرنامج الحالي.
وترأس رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، اجتماعًا ضم محافظ البنك المركزي وعددًا من الوزراء والمسؤولين لمتابعة إعداد البرنامج، مؤكدًا أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع البنك المركزي من خلال مجموعة عمل تضم الجهات المعنية، تمهيدًا للانتهاء من إعداد البرنامج وإعلانه بعد استكمال مراحله الإجرائية.
واستعرض الاجتماع الملامح الرئيسية للبرنامج وأولوياته ومستهدفاته، إلى جانب الاستفادة من تجارب دول نفذت برامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، مع التأكيد على البناء على ما تحقق في برنامج الإصلاحات الهيكلية ورؤية مصر 2030.
وكان الصندوق والحكومة قد توصلا مؤخرًا إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة للبرنامج، بما يفتح الباب أمام صرف نحو 1.6 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي، وذلك قبل المراجعة الأخيرة المقررة للبرنامج.
أكد الخبير المصرفي محمد عبد العال أن البرنامج الاقتصادي الجديد ينبغي أن يركز على إتمام ما لم يكتمل في برنامج الإصلاح مع الصندوق، مع إعطاء أولوية لتخفيض الدين الخارجي وإعادة هيكلته عبر تقليل الاعتماد على القروض الباهظة التكلفة وزيادة التمويل الميسر والمنح، فضلاً عن تحويل الودائع الخليجية إلى استثمارات مباشرة للتخفيف من أعباء خدمة الدين.
وأضاف عبد العال، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن من بين أولويات المرحلة المقبلة الإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، وتنشيط الاستثمار المباشر، ودعم المشروعات الإنتاجية، مع استكمال مستهدفات زيادة الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي وتوطين الصناعات، بما يضمن ألا تتجاوز تكلفة استيراد مدخلات الإنتاج العائد المتحقق من الصادرات.
وأوضح عبد العال أن استمرار مرونة سعر الصرف يمثل أحد أهم ركائز السياسة النقدية، إلى جانب مواصلة سياسة التيسير النقدي تدريجيًا عندما تسمح الظروف بذلك، متوقعًا استمرار تراجع معدلات التضخم إذا لم تؤد التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات جديدة في سلاسل الإمداد.
ورأى أن الحكومة تمتلك بالفعل رؤية اقتصادية تمتد حتى عام 2030، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب إعلان برنامج اقتصادي واضح يتضمن مستهدفات محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات متابعة للتنفيذ.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسن الصادي، إن البرنامج الاقتصادي الوطني ينبغي أن يقوم على إعادة هيكلة الاقتصاد ورفع كفاءة استغلال الموارد، بدلًا من الاعتماد على الاقتراض، مع إعطاء الأولوية لزيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية.
وأضاف أن البرنامج يجب أن يركز على خفض أعباء الدين الخارجي، والتوسع في جذب الاستثمارات المباشرة، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة، بما يسهم في زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات.
وأشار الصادي، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، إلى أن عددًا كبيرًا من المصانع لا يعمل بكامل طاقته الإنتاجية بسبب نقص رأس المال العامل، داعيًا إلى توفير التمويل اللازم لرفع معدلات التشغيل وخفض تكلفة الإنتاج، بما ينعكس على تنافسية الاقتصاد.
وأضاف أن تنشيط قطاع السياحة ينبغي أن يكون أحد المحاور الرئيسية للبرنامج الجديد، من خلال تحسين جودة الخدمات وتأهيل العاملين وتعزيز الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري، باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
ودعا الصادي إلى التوسع في التدريب الفني وربطه باحتياجات سوق العمل، ومراجعة بعض التشريعات المنظمة لسوق العمل بما يعزز الإنتاجية ويرفع كفاءة التشغيل، معتبرًا أن تحسين إنتاجية العامل المصري يمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن استمرار مرونة سعر الصرف، إلى جانب سياسات نقدية تحقق التوازن بين السيطرة على التضخم وتحفيز النمو، سيظل من الركائز الأساسية للسياسة الاقتصادية، لافتاً إلى أهمية أن يتضمن البرنامج الجديد أهدافًا واضحة قابلة للقياس وآليات محددة للتنفيذ والمتابعة.
يراقب المحللون ما إذا كان البرنامج الجديد سيتمكن من معالجة المعوقات الهيكلية في الاقتصاد المصري، خاصة مع اقتراب نهاية البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي. ويبقى نجاحه مرهونًا بقدرة الحكومة على جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاجية، في وقت تواجه فيه المنطقة توترات جيوسياسية قد تؤثر على سلاسل الإمداد والتضخم. كما أن مرونة سعر الصرف ستظل ركيزة أساسية للسياسة النقدية في المرحلة المقبلة.
المصدر الأصلي: CNN بالعربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.