تاريخ مضيق باب المندب شاهد على فشل محاولات السيطرة وتعطيل الملاحة الدولية
يستعرض تقرير تاريخي أهمية مضيق باب المندب الإستراتيجية الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن، مسلطا الضوء على فشل المحاولات التاريخية والتهديدات الحوثية الأخيرة في السيطرة على الممر الحيوي.
تشابهت محاولات تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب عبر التاريخ، إذ لم تكن أحداث فيلم "كابتن فيلبس" سوى إسقاط سينمائي على خطورة الفوضى في هذا الممر الحيوي، حيث حاول الممثل برخاد عبدي تجسيد دور القرصان الخانق لتجارة العالم قبل أن ينتهي التدخل الحاسب بفرض حقيقة أن باب المندب خط أحمر.
يعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في التجارة العالمية، حيث تربط أهميته التجارية والعسكرية بين البحر الأحمر وخليج عدن وصولا إلى قناة السويس.
توالت التهديدات البحرية مع إعلان ميليشيات الحوثي عبر متحدثها العسكري نيتها فرض حصار على السفن السعودية بالبحر الأحمر وباب المندب، مما ينذر بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن حيث يرزح 90% من السكان تحت خط الفقر بمتوسط إنفاق يومي لا يتجاوز 2 دولار.
ما يفعله الحوثيون سبق وفعله البرتغاليون في مطلع القرن السادس عشر وكانوا يوصفون بالقراصنة الغزاة، وقد خططوا بقيادة زعيمهم فاسكو دا غاما لإغلاق جميع المضائق البحرية في وجه السفن العربية وذلك من أجل تجويع العرب والمسلمين في اليمن وعمان ومصر وكذلك عثمانيو تركيا، ورغم شراستهم في القتال وسفنهم الحربية الضخمة لم يتمكنوا على مدى قرن من تحقيق هذا الهدف نتيجة براعة الشعب اليمني الذي ابتكر إستراتيجية الزوارق الصغيرة وشن حرب عصابات في البحر أجبرت المحتل البرتغالي على الرحيل.
![]()
Sat, 18 2026
في 1799 كرر البريطانيون المحاولة ولكن بشكل أذكى تلك المرة إذ أدركوا أن احتلال المضيق يتطلب السيطرة على جزر بعينها مثل جزيرة "ميون" التي احتلتها وتلتها بالسيطرة على عدن، لتنجح بتلك الطريقة في السيطرة على الممر المائي الذي تضاعفت أهميته بعد افتتاح قناة السويس المصرية 1869، وعلى مدى قرن ونصف كانت بريطانيا هي المتحكم الأول في هذا المنفذ المائي الذي وصفه رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل ببوابة العبور إلى اليمن ومفتاح السيطرة على مقدراته.
بعد طي صفحات الاستعمار القديم دخل مضيق باب المندب فصلا جديد، خاصة بعد ظهور موجات القرصنة الصومالية التي هددت شريان الملاحة العالمية في الفترة من 2008-2012 ما دفع الدول الكبرى إلى ابتكار مفهوم "الأمن الدولي المشترك" وبموجبه تحولت جيبوتي المقابلة للمضيق إلى قاعدة عسكرية لقوات أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية مهمتها الوحيدة الحفاظ على باب المندب بعيدا عن أي تهديد قد تسببه الميليشيات الإرهابية والقراصنة.
تلك المنظومة الدولية خرقتها ميليشيات الحوثي في سبتمبر 2014 حين لم تكتف بالسيطرة على بعض المدن اليمنية بل قررت أن ترتدي ثوب القراصنة الجدد فأحكموا سيطرتهم على محافظة تعز وميناء "المخا" القريب من باب المندب وبذلك أصبحوا يشرفون بريا على شواطئ باب المندب وجزيرة ميون الإستراتيجية، وهذا ما دفع قوات التحالف إلى التدخل وطرد الميليشيات الحوثية وتأمين الممرات المائية في نهاية عام 2015 ما أسهم في استقرار الأوضاع نسبيا.
استغلت الميليشيات الأذرع التكنولوجية لزرع الآلاف من الألغام البحرية العائمة والزوارق المسيرة المفخخة لاستهداف ناقلات النفط، وهو النهج الذي تجسد في نوفمبر 2023 وأدى إلى تحريك تدخل أمريكي بريطاني لإعادة الاستقرار إلى الممر التجاري.
![]()
Thu, 19 2026
المفارقة أن البروباغندا الحوثية تبرر تلك الجرائم بالدفاع عن مصالح الشعب اليمني وحمايته من الإفقار بينما تكشف الحقائق عن أنهم السبب الأول والأساسي وراء إفلاس البلاد وتجويع المواطنين، فالمدن الواقعة تحت سيطرتهم يعيش فيها 85% من الشباب عاطل عن العمل ويعاني القطاع الخاص شللا كاملا فضلا عن ارتفاع المواد الغذائية وصهاريج المياه بنسبة 300%، وتكشف أحدث تقارير رسمية للحكومية اليمنية أن جماعة الحوثي سرقت 103 مليارات دولار من الموارد العامة وهذه الأموال كانت كافية لتغطية رواتب موظفين لمدة 30 سنة، إضافة إلى تبديد 4 مليارات دولار كانت احتياطي نقدي ذهبت جميعها في شراء العقارات والسيارات الفاخرة لأعضاء الحوثي وقادته.
أكاذيب الحوثيين استمرت لدرجة أنها زعمت أن السعودية تفرض حصار اقتصادي على اليمن لكن كالعادة تسقط الأكاذيب على أرض الواقع الذي يشير إلى أن السعودية دعمت الاقتصاد اليمني بما يفوق 17 مليار دولار خلال السنوات الماضية في هيئة ودائع ودعم رواتب موظفين وتشغيل محطات كهرباء وتحسين حياة الناس، إضافة إلى أكثر من 300 سفينة تحمل وقود وبضائع ومواد بناء خلال النصف الأول من 2026 فقط فضلا عن مساعي السلام التي تتولاها الرياض للحفاظ على استقرار الملاحة في البحر الأحمر بما يؤدي ذلك إلى تخفيف آلام الشعب اليمني.
تلك الصورة كانت حاضرة أمام الخارجية السعودية التي أصدرت بيان ذكرت فيه بوضوح أن ميليشيات الحوثي هي من دمرت البنى التحتية لليمن عبر استهداف مطار عدن وما نتج عنه من مقتل عشرات الشهداء والجرحى في 2020 كما استهدفت موانئ تصدير النفط في الجنوب 2022 وتلى ذلك مصادرة 4 طائرات يمنية، وقبل كل هذا فقد زجت باليمن في حروب ليس له علاقة بها، وبعيدا عن أكاذيب الحوثيين فقد رفضت السعودية التخلي عن اليمنيين مؤكدة استمرار دعمها لهم وعدم الاستسلام لمغامرات "القراصنة الجدد"، وهو الموقف الذي اتفق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤكدا أن أي تهديد سيتم التعامل معه حتى وإن كان فيلما حوثيا هوليووديا كما يحدث حاليا.
يمثل مضيق باب المندب شريانا حيويا للاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، مما يجعل أي مساس بأمنه محط متابعة دقيقة من القوى الإقليمية والدولية. وتؤكد التجارب التاريخية والمعاصرة أن محاولات السيطرة غير الشرعية على هذا المنفذ تصطدم دائما بردود فعل دولية حاسمة. وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى استقرار الملاحة رهنا بمدى نجاح الجهود الرامية لكبح التهديدات المستمرة وحماية المصالح الحيوية.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.