دراسة الجدوى.. الخطوة الأولى نحو المشروع الناجح
مختصون لـ«الرياض»: تجاهل دراسة السوق واحتياجات العملاء من أبرز أسباب تعثر المشروعات
دراسة الجدوى.. الخطوة الأولى نحو المشروع الناجح
تجاوز عدد السجلات التجارية النشطة في المملكة 1.7 مليون سجل مع نهاية الربع الثاني من عام 2025.
يأتي هذا الرقم في ظل النمو المتسارع لقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، المدعوم بمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تجعل ريادة الأعمال محركًا للتنويع الاقتصادي.
يشهد قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المملكة نموًا متسارعًا، مدعومًا بمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي جعلت ريادة الأعمال أحد محركات التنويع الاقتصادي وخلق الفرص الوظيفية، ومع سهولة إطلاق المشاريع، خصوصًا الإلكترونية، بات كثير من أصحاب الأفكار يندفعون نحو التنفيذ، معتقدين أن الحماس أو توفر التمويل كافيان لتحقيق النجاح، بينما يؤكد مختصون أن البداية الحقيقية لأي مشروع ناجح هي دراسة جدوى واقعية تبني القرار على الأرقام لا على التوقعات.
الجعيد: دراسة الجدوى تحوّل الفكرة إلى أرقام
ويرى الأكاديمي والكاتب الاقتصادي الدكتور بندر الجعيد أن واقع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المملكة أصبح أكثر نضجًا مقارنة بالسنوات الماضية، ولم يعد القطاع قائمًا على المبادرات الفردية فحسب، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة للتحول الاقتصادي. ويشير إلى أن عدد السجلات التجارية النشطة تجاوز 1.7 مليون سجل بنهاية الربع الثاني من عام 2025، مع إصدار أكثر من 80 ألف سجل جديد خلال ربع واحد، إلى جانب النمو المتواصل في التجارة الإلكترونية والقطاعات التقنية والأنشطة الواعدة.
ويشدد على أن التمويل بمفرده لا يصنع مشروعًا ناجحًا، مشيرًا إلى أن العديد من المشاريع تتعثر رغم توفر رأس المال بسبب أخطاء في نموذج العمل، كالتسعير غير الدقيق، والمبالغة في تقدير الطلب، وضعف إدارة التدفقات النقدية، أو دخول سوق مزدحم دون ميزة تنافسية.
ويصف الجعيد دراسة الجدوى بأنها الأداة التي تنقل المشروع من مرحلة الحماس إلى مرحلة الأرقام، إذ تختبر حجم السوق، ونقطة التعادل، وهامش الربح، ودورة النقد، وحساسية المشروع لتغير التكاليف، إضافة إلى قياس قدرته على الصمود خلال أول 12 إلى 24 شهرًا.
ويلفت إلى أن البعض لا يزال ينظر إلى دراسة الجدوى كملف للحصول على التمويل أو الترخيص، في حين أنها في الواقع أداة لاتخاذ القرار، تساعد صاحب المشروع في تحديد ما إذا كان سيدخل السوق، وبأي حجم، وفي أي موقع، ووفق أي تكلفة.
ويضيف أن أبرز الأخطاء التي يقع فيها رواد الأعمال تتمثل في المبالغة في توقع المبيعات، وإهمال دراسة المنافسين، والخلط بين الإيرادات والأرباح، وعدم احتساب الزكاة والضرائب والرسوم والتوطين، إضافة إلى استنزاف رأس المال في الديكورات والافتتاحات قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. مشددًا على أن دراسة السوق والمنافسين أصبحت ضرورة، لأن السؤال لم يعد: هل المنتج جيد؟ بل: هل توجد حاجة حقيقية له؟ وهل العميل مستعد للدفع؟ ولماذا سيختار هذا المشروع دون غيره؟
ويرى أن الفرص الاستثمارية الأكثر نموًا اليوم ترتبط بمستهدفات رؤية 2030، وتشمل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتقنية المالية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والترفيه، والألعاب، والتعليم الرقمي، والخدمات الصحية المساندة، وسلاسل الإمداد المحلية.
كما يرى أن نجاح المشاريع المدروسة ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني، من خلال خلق الوظائف، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، ورفع المحتوى المحلي، مشيرًا إلى أن الاقتصاد السعودي سجل نموًا حقيقيًا بلغ 4.5 % خلال عام 2025، فيما كانت الأنشطة غير النفطية المحرك الرئيس لهذا النمو بمساهمة بلغت 2.7 نقطة مئوية، وبنمو وصل إلى 4.9 %، إضافة إلى اقتراب سوق العمل من مستهدفات رؤية 2030، مع انخفاض معدل بطالة السعوديين إلى 7.2 % في الربع الرابع من عام 2025.
ويختتم الجعيد بالتأكيد على ضرورة البدء بما يحتاجه السوق، لا بما يفضله صاحب المشروع فقط، مع اختبار الفكرة بأقل تكلفة ممكنة، وبناء نموذج مالي محافظ، وحساب نقطة التعادل، والاحتفاظ بسيولة تكفي ستة أشهر على الأقل، وعدم التوسع قبل أن تثبت الأرقام قدرة المشروع على النمو، لا مجرد البقاء.
العصيمي: إنشاء متجر إلكتروني لا يعني إنشاء مشروع ناجح
من جانبه، يؤكد المهتم بالتسويق الإلكتروني خالد العصيمي أن سهولة إطلاق المشاريع الإلكترونية خلقت انطباعًا مضللًا لدى البعض بأن النجاح أصبح قريبًا، في حين أن دراسة الجدوى تظل الخطوة الأولى للإجابة عن أسئلة أساسية، مثل: من هو العميل؟ وما المشكلة التي يحلها المشروع؟ وهل يوجد استعداد حقيقي للدفع؟ وكيف يمكن الوصول إلى العميل وتحقيق الاستدامة؟
ويشير إلى أن دراسة الجدوى في المشاريع الإلكترونية تختلف عن نظيرتها في المشاريع التقليدية، إذ تتضمن عناصر إضافية مثل تكلفة اكتساب العميل، ومعدلات التحويل، وتجربة المستخدم، والإعلانات الرقمية، وبوابات الدفع، والشحن، والمرتجعات، والأمن السيبراني، وهي عناصر قد تحدد نجاح المشروع أو تعثره.
ويضيف أن من أكثر الأخطاء شيوعًا البدء بإنشاء المتجر أو الهوية التجارية قبل التأكد من وجود احتياج حقيقي في السوق، مبينًا أن المنصة ليست مشروعًا بحد ذاتها، بل مجرد قناة للبيع، بينما يكمن التحدي الحقيقي في جذب العميل، وإقناعه، والمحافظة عليه.
ويرى أن اختبار السوق يجب أن يسبق الاستثمار، وذلك من خلال صفحة هبوط، أو حملة إعلانية محدودة، أو استقبال طلبات مسبقة، أو إطلاق نموذج أولي، لأن استعداد العميل للدفع هو المؤشر الحقيقي على جدوى الفكرة.
كما يحذر من إغفال كثير من التكاليف غير المباشرة، مثل صناعة المحتوى، وإدارة الحملات، وبوابات الدفع، والشحن، والمرتجعات، وخدمة العملاء، والاشتراكات التقنية، مؤكدًا أن الاعتماد الكامل على الإعلانات المدفوعة قد يجعل المشروع هشًا إذا لم يمتلك منتجًا مميزًا وتجربة شراء جيدة.
ويشير العصيمي إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد في تنظيم الأفكار وبناء النماذج الأولية، لكنها لا تغني عن دراسة السوق أو اختبار العملاء الحقيقيين، مؤكدًا أن البيانات الواقعية تظل الأساس في اتخاذ القرار.
ويختتم بالتأكيد على أن التراجع عن تنفيذ مشروع بعد اكتشاف عدم جدواه ليس فشلًا، بل قرار استثماري صحيح، لأن إيقاف فكرة غير مجدية في بدايتها أقل تكلفة بكثير من الاستمرار في مشروع يستهلك الوقت والمال دون مؤشرات حقيقية على النجاح.
السعدون: دراسة الجدوى خارطة الطريق وليست ورقة تمويل
ويرى رائد الأعمال فهد السعدون أن دراسة الجدوى تمثل خارطة الطريق لأي مشروع، وأن غيابها أو الاعتماد على دراسات جاهزة مجهولة المصدر قد يقود إلى التعثر مبكرًا، لأنها لا تعكس واقع السوق ولا طبيعة العملاء.
ويؤكد أن كل مشروع يحتاج إلى دراسة جدوى، لكن مستوى التفصيل يختلف بحسب حجم الاستثمار والمخاطرة، فالمشاريع الصغيرة قد تكتفي بدراسة مبسطة، بينما تحتاج المشاريع الكبرى إلى دراسات احترافية متكاملة.
ويشير إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتماد على توقعات مبيعات متفائلة، وإهمال دراسة المنافسين، وتجاهل رأس المال التشغيلي، مبينًا أن فهم سلوك المستهلك أصبح عنصرًا أساسيًا، خاصة مع التغيرات السريعة التي أحدثتها التقنية ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي قد تغير طبيعة الطلب حتى داخل المدينة الواحدة.
ويؤكد السعدون أن الخبرة لا تغني عن دراسة الجدوى، لأن السوق يتغير باستمرار، وكذلك الفكرة وحدها لا تكفي؛ فكل فرصة استثمارية تبدأ بفكرة، لكن ليست كل فكرة فرصة حقيقية، ولا تصبح كذلك إلا إذا أثبتت الدراسة وجود طلب فعلي، وعائد مجزٍ، وميزة تنافسية واضحة.
ويضيف أن صاحب المشروع يستطيع إعداد دراسة أولية بنفسه إذا امتلك المعرفة الكافية بالسوق، بينما تستدعي المشاريع الكبيرة الاستعانة بمكاتب متخصصة لضمان دقة التحليل وحياديته.
كما يشدد على ضرورة تحديث دراسة الجدوى كلما تغيرت ظروف السوق، سواء بارتفاع التكاليف، أو دخول منافسين جدد، أو تغير الأنظمة، أو انخفاض المبيعات، أو تغير أسعار المواد الخام، لأن الدراسة ليست وثيقة ثابتة، بل أداة تتطور مع تطور المشروع.
ويبين أن تعثر المشاريع غالبًا ما يكون نتيجة اجتماع ضعف الدراسة وسوء التنفيذ، لافتًا إلى أن بعض المشاريع تنهار أيضًا بسبب الخلافات بين الشركاء وعدم توثيق الاتفاقيات منذ البداية.
ويضرب أمثلة على أنشطة وصلت إلى مرحلة التشبع في السوق، مثل بعض المقاهي المتشابهة، ومتاجر الحلويات ذات النمط الواحد، وبعض المطاعم السحابية، ومتاجر التجارة الإلكترونية التي تبيع منتجات متطابقة دون ميزة تنافسية، مؤكدًا أن المشكلة ليست في النشاط، بل في دخول السوق دون تميز أو دراسة كافية.
ويختتم بالتأكيد على أن تكلفة إعداد دراسة جدوى احترافية تبقى أقل بكثير من تكلفة فشل مشروع غير مدروس، ناصحًا أصحاب المشاريع الأولى باختبار أفكارهم على نطاق محدود، والاستفادة من خبرات العاملين في القطاع، والاهتمام بالتسويق، وتوفير احتياطي نقدي يكفي من ثلاثة إلى ستة أشهر، وبناء شبكة علاقات مع الموردين والعملاء، مؤكدًا أن دراسة الجدوى ليست ضمانًا للنجاح، لكنها من أهم العوامل التي ترفع احتمالاته وتقلل تكلفة الأخطاء.
يُذكر أن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة يُعد أحد المرتكزات الرئيسة في رؤية السعودية 2030، إذ تستهدف المملكة رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تعزيز ريادة الأعمال، ورفع معدلات الابتكار، وزيادة فرص العمل، من خلال حزمة من البرامج والمبادرات الداعمة لبيئة الأعمال والاستثمار.
1
2
3
4
5
د. بندر الجعيد
6
فهد السعدون
7
خالد العصيمي
وتؤكد هذه المعطيات أن دراسة الجدوى لم تعد رفاهية بل ضرورة لضمان استدامة المشاريع. فالمشاريع المدروسة تسهم بشكل أكبر في خلق الوظائف وتعزيز المحتوى المحلي، مما يعزز النمو الاقتصادي غير النفطي الذي يقترب من مستهدفات الرؤية.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.