المقال

الإقرار المالي إجراء استباقي لمواجهة المخاطر

تعد الرقابة على نقل الأموال والمعادن الثمينة ركيزة أساسية في استراتيجيات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لضمان نزاهة النظام المالي وتعزيز الأمن الاقتصادي العالمي؛ وفي مقال سابق نشر في هذه الصحيفة المميزة بتاريخ (1 /6 /2007م)، بعنوان: "إجراءات الإفصاح للمسافرين.. خطوة موفقة ومكملة للجهود الوطنية لمكافحة غسل الأموال"، وذلك بعد محطة تكليف عمل مهنية شرفت واستشرفت فيها، وفريق العمل معي، بواكر مرحلة التأسيس لـ"وحدة التحريات المالية" (الإدارة العامة للتحريات المالية)، بما في ذلك تطبيق إجراءات الإفصاح لأول مرة في المملكة؛ واليوم، وبعد انقضاء قرابة العقدين، أقرت مؤخراً اللائحة التنفيذية الجديدة لنظام مكافحة غسل الأموال تحديثاً جوهرياُ بخفض سقف حد الإقرار المالي الملزم في كافة منافذ الدخول أو المغادرة من المملكة من (60) ألف ريال إلى (40) ألف ريال سعودي؛ هذا التعديل والذي يتوافق مع أفضل التجارب والمعايير المعتبرة، يأتي ليس بوصفه مجرد استجابة لمراجعة دورية لحد رقمي، بل كاستحقاق استراتيجي تفرضه طبيعة تغير المخاطر المالية المعاصرة، والتي باتت تعتمد على تجزئة التدفقات واستغلال الثغرات التنظيمية لتجاوز الرقابة التقليدية.

إن التحليل المتزن والوصف الرصين لهذه التعديلات الأخيرة سواء على النظام واللائحة التنفيذية يكشف عن تحول نوعي في هندسة الرقابة ومواجهة المخاطر والمكافحة الأمنية؛ فالتوسع جاء ليشمل نطاقاً واسعاً من الأصول ويعالج احتمالية فجوة التسييل التي اتخذها المهربون ملاذاً آمناً لنقل المبالغ النقدية والمعادن الثمينة خارج نطاق القنوات المصرفية الرسمية؛ لقد أصبح الإقرار واجباً قانونياً على كل ما تبلغ قيمته أو تفوق (40) ألف ريال سعودي أو ما يعادلها من العملات الأجنبية، بما يشمل العملات، والأدوات المالية القابلة للتداول لحاملها، والسبائك الذهبية، والمعادن الثمينة، والأحجار الكريمة، والمجوهرات المشغولة أو ما في حكمها؛ إن شمول هذه القائمة في عملية الإقرار يمنح "الإدارة العامة للتحريات المالية" معلومات عالية الجودة لبناء قاعدة بيانات تحليلية تتيح استنباط الأنماط سلوكية للتحري عن الأطراف المشبوهة، مما يعكس نضجاً تشريعياً يدرك أن قوة النظام تكمن في دقة استهداف السلوكيات المالية المشبوهة للأفراد قبل تحولها إلى خطر على أمن الاقتصاد الوطني.

إن المراجعة الدورية لحد الإقرار ليست خياراً رقابياً أو مساراً تنظيمياً عادياً فحسب، بل هو التزام أصيل بتطبيق إجراء من عدة مبادرات درجت عليها المملكة منذ بدايات نشأة جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مراحل مبكرة، وتحقيقاً لمتطلبات الفعالية التي تفرضها المعايير الدولية وتستلزمها ضرورة حماية المصلحة الوطنية؛ ولهذا نقول نحن اليوم بحاجة لمبادرات توعوية مستمرة توازي جهود هذه التعديلات التشريعية النوعية الأخيرة، ليعي من خلالها المسافر والمستثمر أن الإقرار عن نقل الأموال النقدية والمعادن الثمينة هو صك أمان وليس قيد، وأن شفافية التدفقات النقدية والأصول العينية هي البوابة الوحيدة لبيئة استثمارية تنافسية؛ إن التحدي القادم إن جاز القول لا يكمن في صدور هذه التعديلات فحسب، بل في تكثيف الرقابة الفعلية ميدانياً والتي توازن بين فرض سيادة القانون ومرونة الحركة الاقتصادية، وهو التوازن الذي ظل دوماً المحك الحقيقي لنجاح أي منظومة رقابية استراتيجية.