الثروة السمكية في المملكة.. إنتاج يتسارع وقيمة مضافة تنتظر
الاستزراع السمكي يقود التحول.. فهل تبدأ مرحلة إحلال الواردات؟
الثروة السمكية في المملكة.. إنتاج يتسارع وقيمة مضافة تنتظر
لفترة امتدت لعقود، ظل قطاع الثروة السمكية يُصنف ضمن الأنشطة التقليدية المرتبطة بالقوارب والأسواق الشعبية، دون أن يُنظر إليه كصناعة استراتيجية قادرة على تغيير ملامح الأمن الغذائي. إلا أن معطيات عام 2025 تقدم صورة مغايرة تمامًا: إنتاج يقترب من 290 ألف طن، ونسبة نمو تتجاوز 17% خلال سنة واحدة، ومساهمة الاستزراع السمكي بنحو ثلثي الإنتاج الكلي. هذه المؤشرات تؤكد أن القطاع لم يعد مجرد نشاط هامشي يتحسن ببطء، بل تحول إلى صناعة سريعة التوسع تفتح آفاقًا واسعة للاستثمار والغذاء والتصدير. بلغ إجمالي الإنتاج 289.9 ألف طن في 2025 مقابل 246.9 ألف طن في 2024، بنمو 17.4%. هذا النمو تحقق عبر الاستزراع السمكي (192.4 ألف طن) والصيد البحري (97.6 ألف طن). والمهم أن القطاع لم يعد يعتمد على البحر وحده، بل أصبح يرتكز على مشاريع منظمة قابلة للتوسع والتحكم ورفع الكفاءة.
ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه المملكة إلى تعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الدخل ضمن رؤيتها الاستراتيجية.
الاستزراع السمكي يقود المشهد
قفز إنتاج الاستزراع السمكي من 161.6 ألف طن إلى 192.4 ألف طن بين عامي 2024 و2025، بنسبة نمو 19%، ليشكل نحو ثلثي إجمالي الإنتاج السمكي في المملكة، وهو ما يبرز تحولًا اقتصاديًا بارزًا. فالاستزراع السمكي أقرب إلى الصناعة منه إلى الصيد التقليدي، إذ يتطلب رأس مال، أعلافًا، تقنيات متطورة، إدارة تشغيلية، مراقبة صحية، وسلاسل تبريد ونقل. ومن ثم، فإن توسع هذا النشاط لا يقتصر على زيادة إنتاج الأسماك، بل يخلق سلسلة متكاملة من الفرص الاستثمارية والخدمات المساندة، بدءًا من المفاقس والأعلاف ووصولًا إلى التصنيع والتوزيع.
المياه المالحة تتصدر.. والداخلية توسع الخريطة
تصدرت مشاريع المياه المالحة إنتاج الاستزراع السمكي في 2025 بكمية 114.6 ألف طن، ما يعادل 59.6% من الإجمالي، فيما بلغ إنتاج مشاريع المياه الداخلية 77.8 ألف طن (نحو 40.4%). هذا التنوع يعزز مرونة القطاع ويخفف الاعتماد على نمط إنتاجي واحد، ويفسح المجال لتوسع الإنتاج ليشمل مناطق داخلية لم تكن تقليديًا جزءًا من النشاط السمكي. فأصبحت الثروة السمكية صناعة يمكن أن تنمو في مناطق متعددة بشرط توفر التقنية والكفاءة التشغيلية.
الروبيان والبلطي في الصدارة
تصدر الروبيان إنتاج مشاريع الاستزراع السمكي بكمية بلغت 86.8 ألف طن، يليه سمك البلطي بكمية 71.2 ألف طن، ثم القاروص بنحو 18.8 ألف طن، والدنيس بنحو 7.6 آلاف طن. هذا التركز مفهوم من الناحية الاقتصادية؛ فالروبيان يتمتع بقيمة سوقية مرتفعة وفرص تصديرية جيدة، بينما يحظى البلطي بطلب محلي واسع ويمكن إنتاجه بكفاءة في مشاريع المياه الداخلية. لكن استمرار النمو يحتاج إلى تنويع الأنواع والمنتجات والأسواق، حتى لا يصبح القطاع معتمدًا على عدد محدود من المنتجات أو معرضًا لتقلبات الطلب والأسعار.
التحدي الحقيقي.. القيمة المضافة
السؤال الأهم ليس كم تنتج المملكة من الأسماك؟ بل كم قيمة اقتصادية تستخرجها من هذا الإنتاج؟ زيادة الكميات خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا لم تتوسع معها أنشطة التصنيع، والتجميد، والتعبئة، والنقل المبرد، والتسويق، والتصدير. فالطن الذي يباع كمنتج أولي يحقق عائدًا مباشرًا، لكن الطن الذي يدخل في عمليات التصنيع والتجهيز والتعبئة يصنع سلسلة أطول من الدخل والوظائف. ومن هنا، فإن نجاح القطاع خلال المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بارتفاع الإنتاج، بل بقدرته على بناء صناعة متكاملة حول هذا الإنتاج.
المصائد البحرية تواصل النمو
ارتفعت كمية الصيد البحري إلى 97.6 ألف طن في عام 2025، مقابل 85.3 ألف طن في 2024، بنمو بلغ 14.4 %. وتصدر الخليج العربي بكمية مصيد بلغت 61.4 ألف طن، مقابل 36.2 ألف طن من البحر الأحمر. هذه الفجوة بين الساحلين تستحق الدراسة، فقد تعكس اختلافًا في كثافة الصيد، أو وفرة الأنواع، أو البنية التحتية، أو أعداد القوارب والموانئ. كما أن البحر الأحمر قد يحمل فرصًا أكبر في الصيد والخدمات اللوجستية والتصنيع والمشاريع الساحلية، لكن بشرط أن يكون التوسع متوازنًا مع متطلبات الاستدامة البيئية. فالمهم ليس صيد أكبر كمية ممكنة، بل تحقيق أعلى عائد اقتصادي مع المحافظة على المخزون السمكي.
فجوة الواردات تكشف حجم الفرصة
بلغت واردات المملكة من المنتجات البحرية خلال عام 2025 نحو 180.3 ألف طن، بينما بلغت الصادرات 49.4 ألف طن فقط. وهذا يعني أن المملكة، رغم النمو القوي في الإنتاج المحلي، ما زالت مستوردًا صافيًا للمنتجات البحرية بفارق كبير. قد تبدو هذه الفجوة سلبية، لكنها تكشف في الحقيقة عن فرصة استثمارية واضحة؛ فالسوق المحلي يستوعب كميات كبيرة، والطلب قائم، والبنية الأساسية للإنتاج تتوسع. وإذا تمكنت المشاريع المحلية من زيادة الكفاءة، وخفض التكلفة، وتنويع المنتجات، وتحسين التعبئة والتصنيع، فإن جزءًا من الواردات يمكن إحلاله بإنتاج وطني، مع إمكانية التوسع في التصدير لاحقًا. لكن إحلال الواردات لا يعني إنتاج المزيد فقط، بل يتطلب فهم طبيعة المنتجات المستوردة، وأسعارها، وأسباب تفضيل المستهلك لها، ثم توجيه الاستثمار نحو الفجوات الحقيقية في السوق.
من قطاع تقليدي
إلى صناعة غذائية متكاملة
يمتلك القطاع مقومات قوية، من بينها السواحل الطويلة، والطلب المحلي، والدعم الحكومي، والتمويل الزراعي، والمشاريع الكبرى في الاستزراع المائي. لكنه يواجه أيضًا تحديات تتعلق بالأعلاف، والأمراض، والتقنيات، وجودة المياه، والتبريد، والتسويق، وتكاليف التشغيل، والاستدامة البيئية. وهنا يظهر الفارق بين النمو السريع والنمو المستدام؛ فالتوسع غير المنضبط قد يرفع الإنتاج مؤقتًا، لكنه قد يضغط على الهوامش ويرفع المخاطر. أما النمو المبني على التقنية والكفاءة والتخطيط فهو القادر على الاستمرار. الأرقام الحالية تؤكد أن القطاع يسير في الاتجاه الصحيح، لكنها تؤكد كذلك أن المساحة أمامه ما زالت واسعة. إنتاج 289.9 ألف طن إنجاز مهم، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من زيادة الكميات إلى تحسين الربحية والجودة والإنتاجية والقيمة المضافة. السؤال لم يعد: هل ينمو قطاع الثروة السمكية في المملكة؟ فالأرقام حسمت الإجابة.السؤال الحقيقي هو: هل نستطيع تحويل هذا النمو إلى صناعة متكاملة تقلل الواردات، وترفع الصادرات، وتخلق الوظائف، وتمنح الأمن الغذائي ركيزة جديدة؟ وإذا تحقق ذلك، فقد يصبح قطاع الثروة السمكية خلال السنوات المقبلة واحدًا من أكثر القطاعات الغذائية تحولًا في المملكة، لا بسبب ما نملكه من بحار فقط، بل بسبب قدرتنا على تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

ومع استمرار نمو الإنتاج، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذا الفائض إلى قيمة مضافة عبر التصنيع والتعبئة والتصدير. كما أن تنويع أنواع الأسماك المستزرعة والأسواق المستهدفة سيكون عاملاً حاسمًا في استدامة النمو. وتبقى الأنظار متجهة نحو قدرة القطاع على بناء صناعة متكاملة تحقق عوائد اقتصادية أوسع وتوفر فرص عمل جديدة.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.