الرياضة النسائية في المملكة

الأحد 19 يوليو 2026

لم تعد مشاركة المرأة السعودية في المجال الرياضي مجرد مؤشر على توسع الانخراط المجتمعي، بل تحولت إلى تجسيد حي للتحول الوطني القائم على تنمية الإنسان كأساس للنهضة. ففي غضون أعوام قليلة، تخطت المرأة الرياضية مرحلة إتاحة الفرص إلى المساهمة الفاعلة في التدريب والإدارة والقيادة، في مشهد يترجم عملياً أهداف رؤية 2030 التي تضع تمكين المرأة في صلب استراتيجيات التنمية المستدامة.

ويأتي هذا التطور في إطار الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الشاملة التي تشهدها المملكة بقيادة رؤية 2030، والتي عززت حضور المرأة في مختلف القطاعات.

العربوشعوب الشرق الأوسط

لقد فتح هذا التحول آفاقاً جديدة أمام المرأة السعودية لتكون عنصراً نشطاً في الوسط الرياضي، سواء كلاعبة أو مدربة أو إدارية أو باحثة أو رائدة أعمال. ويعكس هذا الانتقال الحقيقي من مجرد توفير الفرص إلى مرحلة بناء كفاءات مهنية قادرة على النهوض بالقطاع ورسم مستقبله.

شهادة من ميدان التدريب

من خلال عملي في التدريب والتأهيل، أتيحت لي فرصة تدريب عدد من المدربات السعوديات في برامج مهنية متنوعة. وخلال هذه التجربة، لمست مستوىً مرتفعًا من الجدية، والرغبة في التعلم، والالتزام بالتطوير المهني. كما برزت لدى العديد منهن قدرات متميزة في القيادة، والتواصل، وتحمّل المسؤولية، وهي عناصر أساسية في نجاح المدرب المهني.

ولا تعني هذه الملاحظة أن جميع الخريجات يصلن إلى المستوى نفسه، لكنها تعكس وجود قاعدة واعدة من الكفاءات الوطنية التي تستحق الاستثمار فيها من خلال برامج تدريبية عالية الجودة، وإشراف مهني مستمر، وفرص حقيقية للممارسة والتطوير.

الجودة قبل الأعداد

إن تمكين المرأة في الرياضة لا يقتصر على زيادة أعداد المشاركات أو منح الشهادات، بل يرتبط بجودة التأهيل والمواظبة على التطوير ومواءمة التدريب مع متطلبات سوق العمل الفعلية. فالمدرب المتميز لا يقاس بعدد الدورات التي تلقاها، وإنما بقدرته على تطبيق المعرفة علمياً والتعامل مع المتدربين بمهنية والالتزام بمعايير الأخلاق المهنية.

كما أن القطاع الرياضي يشهد تطورًا متسارعًا في مجالات متعددة، مثل اللياقة البدنية، والتأهيل الرياضي، والصحة الوقائية، وإدارة المنشآت الرياضية، والتقنيات الحديثة. وهذا التطور يتطلب تحديثًا مستمرًا للبرامج التدريبية، وتكاملًا بين الجهات التعليمية والجهات المهنية، لضمان إعداد كوادر وطنية قادرة على مواكبة المتغيرات وتحقيق أعلى معايير الجودة.

ويبرز هنا دور المؤسسات التعليمية والجهات التدريبية في تصميم برامج ترتكز على الكفاءة العملية، والتقييم المستمر، والتعلّم القائم على الأدلة، بما يسهم في تخريج كوادر تمتلك المعرفة والمهارة معًا، وقادرة على الإسهام في تطوير المنظومة الرياضية.

الاستثمار في الإنسان

لقد أثبتت المرأة السعودية في العديد من القطاعات قدرتها على التميز متى ما توفرت البيئة الداعمة، والقطاع الرياضي ليس استثناءً. ومع استمرار الدعم الذي يحظى به هذا القطاع، تبدو الفرصة كبيرة لتخريج جيل جديد من المدربات والقيادات الرياضيات القادرات على الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتعزيز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا.

إن بناء قطاع رياضي مستدام لا يعتمد على المنشآت والتجهيزات فحسب، بل يعتمد قبل ذلك على الاستثمار في الإنسان. وعندما تتوافر برامج تأهيل عالية الجودة، وفرص مهنية عادلة، وبيئة تشجع على التطور المستمر، فإن الكفاءات الوطنية ستكون قادرة على قيادة مستقبل الرياضة السعودية بثقة واقتدار، والإسهام في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها نموذجًا إقليميًا في التنمية الرياضية.

** **

- د. نورة العمراني

اقرأ أيضاً

ولضمان استدامة هذا التقدم، تحتاج البرامج التدريبية إلى تحديث مستمر وتكامل بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية لإعداد كوادر وطنية مؤهلة لمواكبة التطورات العالمية. كما أن الاستثمار في الكفاءات النسائية يُعد ركيزة أساسية لتحقيق تنمية رياضية شاملة ترتكز على الجودة والابتكار. وتبقى المتابعة الدقيقة لأثر هذه البرامج على أداء المدربات والرياضيات مقياساً حقيقياً لنجاح مسار التمكين.