التضخم المرتفع باقٍ.. وعلى الجميع التعايش معه
أليسون شراجر
عود التضخم إلى مستويات 2% قد يكون أصعب مما يتصور البعض، إذ من المتوقع أن تتراوح المعدلات بين 3% و4%.
يأتي ذلك في وقت يواصل فيه الاحتياطي الفيدرالي سياسة التشديد النقدي لمحاولة كبح التضخم، لكن النتائج ما زالت دون التوقعات.
- التضخم في الولايات المتحدة تراجع إلى 3.5% لكنه لا يزال أعلى بكثير من هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي
- استمرار التضخم يضغط على القوة الشرائية للأسر خصوصاً عندما لا تواكب الأجور ارتفاع الأسعار
- عوامل هيكلية مثل تراجع أثر العولمة والتكنولوجيا وشيخوخة السكان قد تجعل التضخم المرتفع أكثر استمراراً
الخلاصة
من المتوقع أن يستقر التضخم عند نسب تفوق هدف الفيدرالي، مما يثقل كاهل الأسر ويؤدي إلى تقلبات في الفائدة والأسواق، بينما تبدو العودة إلى 2% أكثر تعقيدًا.
أفاد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، الثلاثاء، بأن مؤشر أسعار المستهلكين انخفض بنسبة 0.4% في يونيو، ما أدى إلى تراجع معدل التضخم خلال الاثني عشر شهراً الماضية إلى 3.5%.
هذا خبر جيد، لكنه لا يزال غير كافٍ. فما زال التضخم مرتفعاً أكثر من اللازم. وحتى مع الانخفاض المسجل في يونيو، الذي يعود بدرجة كبيرة إلى تراجع أسعار البنزين، بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الثلاثة الماضية 3.8%، أي نحو ضعف الهدف الذي حدده مجلس الاحتياطي الفيدرالي عند 2%.
وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري أخيرا ما يدركه الجميع: الناس يكرهون التضخم، الذي يعانون منه منذ أكثر من 5 سنوات، وفي كل مرة يذهبون فيها إلى متجر البقالة "يشعرون بأنهم يتخلفون أكثر فأكثر عن مجاراة ارتفاع الأسعار".
مما لا شك فيه أن عدم مواكبة الأجور للتضخم يلحق الضرر بالأفراد، إذ تنخفض قوتهم الشرائية. ويزيد الطين بلة عدم اليقين، حيث لا يدرك المستهلكون أسعار السلع قبل التسوق.
في عالم المال، تقل قيمة الأصل كلما زادت تقلبات عوائده. ويفعل التضخم غير المتوقع الشيء نفسه بالأجور. وتراجعت الأجور الحقيقية المتوسطة بالساعة، بعد احتساب أثر التضخم، بنسبة 0.33% خلال أشهر أبريل ومايو ويونيو، مقارنة بمتوسط مكاسب خلال العشرين عاماً الماضية، وفقاً لبيانات جمعتها "بلومبرغ". لكن بينما يتفق الجميع على أن معدل التضخم مرتفع أكثر من اللازم ويتسم بدرجة كبيرة من عدم اليقين، لا أحد يريد الاعتراف بأن هذا قد يكون الوضع الطبيعي الجديد.
إلى متى سنتعايش مع التضخم المرتفع؟
قد يغيب عن الأذهان أنه قبل فترة ليست ببعيدة كان صناع السياسات يرغبون في تضخم يراوح بين 3% و4%. وخلال جزء كبير من القرن العشرين، كان هذا المستوى سيُعد نجاحاً للسياسات الاقتصادية. ثم، طوال معظم عقد 2010، ظل التضخم دون المستوى المستهدف، قريباً من الصفر، وبدا حينها منخفضاً أكثر من اللازم. ترك ذلك البنوك المركزية شبه عاجزة عن التأثير في الاقتصاد. في ذلك الوقت، كان كثير من صناع السياسات والاقتصاديين يرون أن تضخماً عند 4% أفضل من 2% لأنه يمنح السياسة النقدية مساحة أكبر لتكون فعالة.
كما أن الشركات لم تكن تمانع ذلك، لأن التضخم المرتفع يتيح خفض الأجور بصورة غير مباشرة. فعندما يكون التضخم مرتفعاً خلال فترة ركود، تستطيع الشركات خفض تكاليف العمالة بمجرد الامتناع عن منح زيادات في الرواتب. وقد يبدو ذلك أمراً سيئاً، لكنه يظل أفضل من تسريح الموظفين.
رئيس الاحتياطي الفيدرالي: لا تهاون مع التضخم المرتفع.
يتلقى العالم الآن تذكيراً قاسياً بمدى كره الناس للتضخم. فهو لا يجعلهم أفقر فحسب، بل يؤثر أيضاً في الجميع في الوقت نفسه، على عكس البطالة. وكل اقتصاد يتمتع بصحة جيدة يشهد قدراً من التضخم، لأنه يعد علامة على النمو، لكن من الأفضل أن يبقى ضمن المستوى المثالي: معتدلاً، وقابلاً للتوقع، ويمكن تحمله.
لماذا يبدو تضخم 3% أو 4% مرتفعاً اليوم؟
ما المقصود تحديداً بمستوى معتدل ويمكن تحمله؟ فمعدل تضخم يبلغ 4% أو حتى 3% يبدو مرتفعاً لأنه يزيد كثيراً على 2%. وبعد نحو 20 عاماً من التضخم المنخفض، تغيرت التوقعات، وأصبح الناس يتوقعون أن يكون التضخم منخفضاً إلى درجة لا تستدعي التفكير فيه. تنعكس هذه التوقعات على زيادات الأجور، لذلك حتى عندما يشهد الاقتصاد ازدهاراً، فإن تضخماً عند 4% يرفع سقف الزيادات المطلوبة حتى تواكب الأجور ارتفاع الأسعار.
وفي حين قد تكون التخفيضات غير المباشرة للأجور مفيدة عندما يكون سوق العمل في وضع سيئ للغاية، فإنها تكون ضارة في بقية الأوقات. كما أن ارتفاع معدل التضخم يترك مجالاً أكبر للتقلبات، ويصبح عدم اليقين المصاحب لها مدمراً بقدر مستوى التضخم نفسه. وأخيراً، فإن التضخم الأعلى يعني أيضاً أسعار فائدة أعلى وأكثر تقلباً، ما يضيف مزيداً من المخاطر إلى الأسواق المالية ويرفع تكلفة رأس المال.
إذا كان الاقتصاديون قد تعلموا شيئاً خلال السنوات القليلة الماضية، فقد يكون أن التضخم الذي يتجاوز 2.5% أسوأ بكثير مما كنا نعتقد. وهذا أمر مؤسف، لأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد لا يتمكن من إعادة التضخم إلى ذلك المستوى. ظل البنك المركزي يؤكد لسنوات أن معدلات التضخم ستعود إلى المستوى المستهدف، لكن ذلك لم يحدث.
صحيح أن الاقتصاد تعرض لصدمات في السياسات، مثل الجائحة والحروب والرسوم الجمركية، لكن مثل هذه الصدمات جزء من الواقع الاقتصادي. وربما كان انخفاض التضخم خلال عقدي 2000 و2010 نتيجة لضغوط انكماشية فرضتها التكنولوجيا والعولمة، وهي عوامل قد لا تتكرر. بل إن شيخوخة السكان قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم. وعندما تترسخ توقعات التضخم، سواء باتجاه تضخم أقل كما كانت الحال خلال العقدين الأول والثاني من الألفية، أو باتجاه تضخم أعلى كما هي الحال الآن، يصبح من الصعب تغييرها.
ما التحديات الاقتصادية المترتبة على التضخم؟
يفرض عالم يراوح فيه التضخم بين 3% و4% تحديات كثيرة. أولها أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لا يزال يعد بإعادة التضخم إلى 2%. وإذا أخفق في ذلك، فإن مصداقيته ستتضرر، وكذلك قدرته على إدارة السياسة النقدية مستقبلاً. كما أن ارتفاع الأسعار يمثل عبئاً حقيقياً على الأسر، خصوصاً إذا لم تواكب الأجور هذا الارتفاع.
وأخيراً، فإن التضخم المرتفع لا يعقد مهمة البنوك المركزية وحدها، بل يعقد أيضاً مهمة صناع السياسات الآخرين في إدارة المخاطر المختلفة. ويتوقع بعضهم أن تتراجع الضغوط السعرية إذا استقرت أسعار النفط، أو إذا أسهم الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجية الاقتصاد. وقد يحدث ذلك بالفعل، لكن هذا الرهان بدأ يبدو أقرب إلى التمني.
وقبل فترة ليست ببعيدة، كان كثير من الاقتصاديين يعتقدون أن تجاوز هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% قد يكون أفضل من عدم بلوغه، أو أن الهدف نفسه ينبغي أن يكون 3% أو 4%. وربما كان ينبغي علينا جميعاً أن ندرك كم كانت الأوضاع أفضل آنذاك.
كاتبة عمود في بلومبرغ أوبينيون. وهي زميلة بارزة في معهد مانهاتن
خاص بـ " الشرق ـ - بلومبرغ"
وإذا استقر التضخم بين 3% و4%، فقد تضطر البنوك المركزية إلى إعادة تقييم أهدافها طويلة المدى. كما أن استمرار التضخم فوق الهدف سيزيد الضغوط على صناع السياسات لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.