هل أخطأ وارن بافت بالتخارج جزئياً من السوق ومراكمة الكاش؟
"من الأفضل بكثير أن تشتري شركة رائعة بسعر عادل، على أن تشتري شركة عادية بسعر رائع"؛ اعتبر المستثمر الشهير "وارن بافت" أن هذه هي القاعدة الأهم في إدارة استثمارات محفظة شركة "بيركشاير هاثاواي"، قبل اعتزاله في بداية العام الحالي. وأصبح منهج "بافت" هذا محل تشكيك من البعض، بعدما قرر قبل حوالي عامين تقليل حيازته من الأسهم تدريجيًا مقابل زيادة مخزون "الكاش"، خاصة بعد أن واصلت المؤشرات الأمريكية تسجيل قمم تاريخية جديدة. السوق يرتفع وبافت يراكم الكاش ولكنه، ووفقًا لـ"بافت" نفسه، فإن الانضباط الاستثماري ي…
هل أخطأ وارن بافت بالتخارج جزئياً من السوق ومراكمة الكاش؟
يرى المستثمر الشهير وارن بافت أن أهم مبدأ لإدارة استثمارات شركته بيركشاير هاثاواي هو شراء شركة ممتازة بسعر معقول بدلاً من شركة عادية بسعر باهظ، وهو المبدأ الذي أعلنه قبل تقاعده في مطلع العام الجاري.
ويأتي هذا النهج في وقت يشهد فيه سوق الأسهم الأمريكي موجة صعود غير مسبوقة، حيث يواصل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تسجيل مستويات تاريخية جديدة.
مع بدء بافت قبل نحو عامين بتقليص حيازته من الأسهم تدريجياً وزيادة السيولة النقدية، أصبحت استراتيجيته محط انتقاد البعض، خاصة في ظل تواصل تحقيق المؤشرات الأمريكية لمستويات قياسية جديدة.
السوق يرتفع وبافت يراكم الكاش
ولكنه، ووفقًا لـ"بافت" نفسه، فإن الانضباط الاستثماري يتحدد بمدى القبول باحتمال تفويت الربح السريع لتجنب الخسارة القاتلة، ومقاومة "التحيز السلوكي" المتمثل في الخوف من تفويت الفرص (فومو).
ومنذ أن بدأ "بافت" في بيع الحيازات من بعض الأسهم تدريجيًا وزيادة الكاش خلال عام 2024 ومطلع عام 2025، شهد مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" قفزات نقلته من مستوى 6000 نقطة في المتوسط وقت مبيعات "بافيت" إلى مستوى 7500 نقطة في منتصف 2026 أي أنه ارتفع بنسبة 25%.
في الوقت الذي كان السوق يواصل صعوده، كان بافت يزيد من مخزونه النقدي ويبيع الأسهم، حتى بلغ الكاش 397 مليار دولار بحلول منتصف يوليو 2026، مرتفعاً من 150 ملياراً منذ بدء التصفية، مما يعكس رغبة واضحة في التحوط ضد المخاطر المحتملة.
وتظل شركة "أبل" هي أهم عامل لتقييم صحة قرار "بافيت"، حيث إن الشركة ارتفعت بنسبة تفوق 33% منذ أن اتخذ بافت قراره ببدء تسييل مراكزه المالية فيها، حيث تخلصت "بيركشاير هاثاواي" من قرابة 75% من حيازاتها من أسهم الشركة على مدى أشهر.
فسهم العملاق التكنولوجي كان بمثابة "درة تاج" محفظته، بعدما بلغت نسبته 50% من إجمالي استثمارات الشركة قبل أن يقدم على خفض حصته فيها بشكل متتالٍ بنسب تجاوزت 75% من حيازته التي ظل يراكمها منذ عام 2016.
وقد علق بافت على تزايد الوزن النسبي لشركة أبل في محفظته قائلاً: 'أنا سعيد جداً بأن تكون أبل أكبر حيازة لدينا، لكنني لم أكن سعيداً عندما أصبحت بحجم يوازي تقريباً كل استثماراتنا الأخرى مجتمعة'.
وفي هذا إرساء لمبدأ توازن المحفظة من حيث القيم المالية، حيث يفضل ألا تتجاوز نسبة سهم واحد فيها 15%، لذا فإن ارتفاع نصيب الشركة بهذا الشكل كان يشكل جرس إنذار لمحفظة من شأن تأثر أسهم "أبل" أن يصيبها بهزة عنيفة للغاية، ومع اتباع مبدأ "الأمان أولًا" كان من المنطقي أن يبيع "بافت" جزءًا كبيرًا من حيازاته في الشركة العملاقة.
اختلاف التقييم
وعلى الرغم من اعتراف "بافت" نفسه في مقابلة في أبريل الماضي بأنه "ربما" يكون باع أسهم "أبل" بشكل مبكر نسبيًا، لكنه رأى أن تحقيق أرباح قدرها 100 مليار دولار من الشركة في فترة تقل عن ثماني سنوات ليس دافعًا للبقاء فيها، وإنما لإعادة التقييم بعد تحقيق أرباح كبيرة بالفعل.

فالحقائق تشير إلى أنه على الرغم من أن سهم "أبل" واصل الارتفاع بعد قرار البيع، فإن المخاطر المحيطة بالشركة تثبت أن قرار الانسحاب الجزئي، مع الاحتفاظ باستثمارات تصل قيمتها السوقية إلى أكثر من 60 مليار دولار في منتصف عام 2026، كان منطقيًا.
فلا شك أن الارتفاع الكبير في مضاعف الأرباح يعكس اختلافًا كبيرًا في تقييمها؛ فعندما بدأ "بافت" في شراء أسهم الشركة كان المضاعف يبلغ 10.6 في المتوسط، لكنه وصل في نهاية عام 2020 إلى مستوى 35، بينما بلغ في نهاية تداولات 18 يوليو الحالي 40.
فهذا يعكس ارتفاعًا كبيرًا في تقييم الشركة، ويجعل الاحتفاظ بأسهمها وفقًا لمنطق الاستثمار القيمي الذي يتبناه "بافت" رهانًا على العديد من العناصر المجهولة في المستقبل، وليس رهانًا على ما يمكن تقديره بشكل واضح.
وتظهر عدم منطقية مضاعف أرباح "أبل" الحالي، ليس فقط بتتبع ارتفاعه تاريخيًا، ولكن أيضًا عند المقارنة المباشرة مع شركة في القطاع نفسه مثل "إنفيديا"، التي بلغ مضاعف أرباحها في يوم 18 يوليو الحالي أيضًا 31، وذلك على الرغم من أن نمو الأرباح في "إنفيديا" قد يبلغ عشرات أضعاف معدل نمو أرباح "أبل" في الآونة الأخيرة، ولا شك أن معدل نمو الأرباح عنصر حاسم في تقدير المضاعف.
تباطؤ للزخم
كما يظهر الخلل التشغيلي بوضوح عند رصد "تباطؤ زخم المنتج الأوحد"، أو "آيفون"، إذ لا يزال الهاتف الشهير يولد وحده أكثر من 50% من إيرادات "أبل" الإجمالية، مع ملاحظة أنه وصل إلى مرحلة النضج والتشبع الكامل، وهو ما قد يمهد لتباطؤ النمو مستقبلاً.
ويأتي هذا أيضًا بينما يواجه "آيفون" ضغوطًا تنافسية شرسة في أسواق استراتيجية، على رأسها السوق الصينية، لصالح الشركات المحلية، مما يفقد "أبل" ميزتها التنافسية التاريخية وقدرتها على فرض أسعار مرتفعة بعيدة عن المنافسين، وهي الميزة التي وفرت لها أفضلية تنافسية كبيرة حققت من خلالها أرباحًا مرتفعة لسنوات.

وينضم إلى ذلك معضلة الذكاء الاصطناعي والإنفاق الرأسمالي؛ فبينما تحاول "أبل" كسر الجمود وضخ ميزات ذكاء اصطناعي خاصة بها، فإن هذه الخطوة تفرض عليها التزامات رأسمالية ضخمة ومخاطر تقنية مرتفعة للحاق بقطار الشركات الرائدة.
ويشير كثيرون إلى أن نهج الشركة القائم دومًا على طريقة "أول اللاحقين"، بمعنى ألا تكون الشركة في صدارة السوق، وإنما تلحق بالمتصدرين، وبذلك تتجنب المخاطر الكبيرة، لكنها في الوقت نفسه لا تخسر الكثير من زخم البدايات، قد لا يصلح في سوق الذكاء الاصطناعي المستجد، نظرًا لسرعة تطوره الاستثنائية.
لذا فإن صعود سهم "أبل" الأخير لم يكن انعكاسًا لتطورات حقيقية، سواء في الربحية أو في ابتكارات الشركة أو في موقفها التنافسي، بل هو نتيجة لاستفادة الشركات الأكبر من زخم السوق الأمريكي الصاعد في الآونة الأخيرة.
يأتي هذا بينما تستمر "أبل" في استراتيجيتها الشهيرة باستخدام جانب كبير من سيولتها النقدية في عمليات "إعادة شراء الأسهم" المكثفة، بما يقلص المعروض من الأسهم ويرفع ربحية السهم الواحد دفتريًا بصورة اصطناعية.
شركات أخرى
ولم يكن انسحاب "بافت" مقتصرًا على "أبل"، بل ترك شركات أخرى أو قلص حصته فيها، وأهمها "بنك أوف أمريكا"، الذي كان أحد أهم أسهم "بافت" الدفاعية.
ويمكن إرجاع سبب تقليص الحصة في البنك إلى حساسية القطاع المصرفي الحالية لتقلبات أسعار الفائدة وتآكل هوامش الفائدة الصافية، أي الفارق بين الفائدة التي يمنحها البنك للعملاء وتلك التي يحصل عليها من المقترضين، بما يقلص هوامش ربح البنك بشكل كبير، وربما بصورة هيكلية ومستمرة.
كما أقدم "بافت" على بيع كامل حصته في شركة "باراماونت جلوبال"، العاملة في قطاع البث الترفيهي، معترفًا بأن هذا الاستثمار كان خطأً، خاصة بعد دخول قطاع البث الترفيهي في "حرب استنزاف" حادة تفرض حرق كميات ضخمة من السيولة الرأسمالية دون ضمان استدامة المشتركين، ليصبح نموذج عمله الأساسي عالي المخاطرة، وهو ما يبتعد عنه "بافت" دومًا.
وعلى الرغم من المخاطر المتعلقة بالقطاع المالي بشكل عام، فإنه يمثل حاليًا (منذ منتصف 2026 تقريبًا مع مراعاة تقلبات السوق) 34% من محفظة "بيركشاير هاثاواي"، بينما تبلغ نسبة التكنولوجيا قرابة 25%.

ويعكس هذا تغييرًا كبيرًا في تركيبة المحفظة، من وضع هجومي بأسهم تكنولوجية تجاوزت 55% (أغلبها لـ"أبل") إلى محفظة تركز على القطاعين المالي والصناعي وقطاع السلع الاستهلاكية (أمريكان إكسبريس وكوكاكولا وشيفرون نموذجًا).
ويعكس هذا التوجه الدفاعي العام مخاوف "بافت" من حدوث تراجع حاد ومفاجئ في سوق الأسهم، حال انفجار فقاعة شركات الذكاء الاصطناعي إذا تأكد عجز الإيرادات عن اللحاق بالمصروفات، وبالتالي وجود خلل في الهيكل الاستثماري لتلك الشركات، بما سيدعو إلى موجة إعادة تقييم.
ومع محفظة استثمارية بالمليارات، فإن الخروج من السوق، أو حتى إعادة هيكلة المحفظة، ليس أمرًا يسيرًا، ولا يمكن تنفيذه بشكل آني، بل يحتاج إلى وقت ووضع رؤية تُنفذ قبل حدوث التغيرات التي تُجرى تعديلات المحفظة لمواكبتها.
فحينما تتحول الشركات الرائعة من "السعر العادل" إلى "السعر المبالغ فيه والمفرط"، بمضاعف أرباح يلامس 40 مرة دون نمو حقيقي يدعمه، فإن أفكار "بافت" الأساسية تدفعه إلى انتظار أن يعيد السوق تصحيح نفسه بعنف، ليعود مجددًا إلى الشراء وفق شروطه، وبالبحث عن "سعر رائع" جديد، وليس "أصلًا متضخمًا" حاليًا.
المصادر: أرقام- جولدمان ساكس- عدد من مقابلات وارين بافيت واجتماعاته السنوية- ياهو فاينانس- ماكرو تريندز
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
يعد قرار بافت بتقليص الاستثمارات في الأسهم وزيادة السيولة أمراً مألوفاً في مسيرته، حيث يفضل دائماً الحفاظ على هامش أمان واسع. ومن اللافت أن التخلص من جزء كبير من أسهم أبل، التي كانت تشكل أكبر حصة في المحفظة، يأتي في إطار مبدأ تنويع المخاطر الذي يتبعه. ويظل السؤال حول توقيت هذه التحركات قائماً، خاصة أن السوق واصل ارتفاعه بعد البيع، ولكن بافت يرى أن تجنب الخسائر الفادحة أهم من تحقيق أرباح سريعة. ومع تراكم النقد بهذا الحجم الضخم، يترقب المستثمرون تحركات بافت المقبلة، سواء في الاستحواذ على شركات جديدة أو الدخول في صفقات كبيرة.
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.