هل كسرت الصين احتكار أخطر آلة في العالم؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد التفوق محصوراً في الخوارزميات أو الحواسيب العملاقة، بل أصبح يرتهن بآلة واحدة تُعتبر تاج صناعة الرقائق الإلكترونية.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الحرب التكنولوجية بين القوتين العظميين، حيث تسعى كل منهما لتعزيز قدراتها في مجال أشباه الموصلات.

هذه الآلة التي تحتكر شركة هولندية واحدة إنتاجها، أصبحت تمثل خط الدفاع الأول للحفاظ على التفوق التكنولوجي الغربي، وأحد أهم أدوات الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين.

بينما تسعى واشنطن إلى إبقاء هذه التكنولوجيا بعيدة عن متناول بكين، تثير اتهامات أمريكية جديدة بشأن احتمال وصول إحدى هذه الآلات إلى الصين جدلاً واسعاً، لا يتعلق فقط بصحة الادعاءات، بل بمستقبل المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

آلة هولندية

وتحتل شركة ASML الهولندية موقعاً فريداً في الاقتصاد العالمي، إذ تعد المنتج الوحيد لآلات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، وهي التكنولوجيا الأساسية المستخدمة في تصنيع أكثر الرقائق الإلكترونية تطوراً في العالم، والتي تعتمد عليها معالجات الذكاء الاصطناعي الحديثة والخوادم العملاقة والهواتف الذكية المتقدمة.

وتعتبر الولايات المتحدة أن حرمان الصين من هذه التكنولوجيا يمثل أحد أهم أدواتها لإبطاء تقدم بكين في سباق الذكاء الاصطناعي، لذلك فرضت منذ عام 2019 قيوداً تمنع تصدير أجهزة EUV إلى الصين، بالتعاون مع الحكومة الهولندية.

غير أن الأزمة تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة بعدما أبلغ وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك مسؤولي شركة ASML بمخاوف لدى الإدارة الأمريكية من احتمال وصول إحدى آلات EUV إلى الصين، وهو ما أثار عاصفة من التساؤلات حول مدى نجاح نظام الرقابة على أكثر التقنيات حساسية في العالم.

لكن الشركة الهولندية سارعت إلى نفي هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أنها تعرف الموقع الدقيق لجميع آلات EUV التي صنعتها حتى اليوم، والبالغ عددها نحو 340 آلة، بما في ذلك 26 آلة خرجت من الخدمة.

وأوضحت أن أياً من هذه الأجهزة لا يوجد داخل الصين، وأن نقلها أو تركيبها لا يمكن أن يتم إلا بواسطة مهندسي الشركة نفسها، نظراً لحساسيتها التقنية وتعقيدها الكبير.

وأضافت الشركة أنها لم تصدر إلى الصين أي آلة EUV أو أي مكونات مصممة خصيصاً للعمل داخل هذه الأنظمة، كما أنها لم تتلق حتى الآن أي دليل يدعم الاتهامات الأمريكية، رغم مطالبتها المتكررة بذلك.

مراقبة الصادرات

من جانبها، تعاملت الحكومة الهولندية مع الادعاءات بحذر، فأكدت أنها تأخذها على محمل الجد، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أنها لا تجري حالياً أي تحقيق رسمي لعدم وجود أدلة تستدعي ذلك.

وأشار وزير التجارة الهولندي إلى أن بلاده تطبق نظاماً صارماً لمراقبة الصادرات، وأنها ستتحرك فوراً إذا ظهرت معلومات موثوقة تشير إلى وقوع أي مخالفة.

ورغم أن الخلاف يبدو ظاهرياً مرتبطاً بآلة واحدة، فإن خلفيته أعمق بكثير، إذ يعكس تبايناً متزايداً بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن كيفية التعامل مع الصعود التكنولوجي الصيني.

في واشنطن، يرى كثير من المسؤولين أن أوروبا لا تتشدد بما يكفي في فرض القيود على الصين، بينما تخشى حكومات أوروبية أن تؤدي السياسات الأمريكية إلى الإضرار بمصالح شركاتها الصناعية، في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز صناعتها المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات إليها.

الضغوط الأمريكية

كما يعتقد بعض المسؤولين التنفيذيين الأوروبيين أن الضغوط الأمريكية على ASML لا ترتبط فقط بالاعتبارات الأمنية، وإنما تهدف أيضاً إلى دفع الشركة وشركائها إلى نقل جزء أكبر من أنشطتهم الصناعية إلى الولايات المتحدة، دعماً لاستراتيجية واشنطن الرامية إلى إعادة بناء صناعة الرقائق داخل أراضيها.

ويتركز جزء كبير من الجدل على احتمال وصول مكونات مرتبطة بتقنية EUV إلى الصين عبر موردين أو أطراف ثالثة، وليس الآلة الكاملة نفسها، وهو احتمال يراه بعض الخبراء أكثر واقعية من سيناريو تهريب نظام كامل، نظراً لضخامته وتعقيد تركيبه وتشغيله.

ويرى محللون آخرون أن مصدر القلق الحقيقي قد يكون مرتبطاً بآلات الطباعة الضوئية الأقدم المعروفة باسم DUV، والتي لا تزال ASML تصدر معظمها إلى الصين لأنها لا تخضع بالكامل لقيود التصدير الحالية.

وتشكل مبيعات معدات DUV للسوق الصينية نحو ثلث إيرادات الشركة، ما يجعلها سوقاً لا يمكن تجاهلها اقتصادياً، وفي الوقت نفسه مصدر قلق متزايد لصناع القرار الأمريكيين.

ويتمثل السؤال الأكثر أهمية حالياً في مدى تقدم الصين في تطوير آلة EUV محلية الصنع، بما يقلل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.

تطوير نموذج أولي

ووفقاً لتقارير إعلامية، تمكن فريق يضم مهندسين سابقين في ASML يعملون داخل الصين من تطوير نموذج أولي لآلة EUV خلال عام 2025، ويخضع هذا النموذج لاختبارات في منشأة عالية السرية بمدينة شنتشن.

وأكدت ASML أنها لا تستطيع منع موظفيها السابقين من العمل لدى شركات أخرى، لكنها أوضحت أنهم ملتزمون باتفاقيات صارمة لحماية الأسرار التجارية، وأن الشركة سبق أن اتخذت إجراءات قانونية في حالات ثبت فيها تسريب تقنيات أو معلومات محمية.

ورغم أن النموذج الصيني لم ينجح حتى الآن في إنتاج رقائق إلكترونية تعمل بكفاءة، فإن الحكومة الصينية تستهدف الوصول إلى إنتاج فعلي بحلول عام 2028، بحسب تقارير إعلامية.

غير أن غالبية خبراء صناعة الرقائق يرون أن هذا الهدف طموح للغاية، ويتوقعون أن تحتاج الصين إلى ما يقرب من عقد كامل قبل امتلاك آلة EUV تضاهي نظيراتها الغربية، وإن كانوا يعترفون بأن وتيرة التقدم الصيني أصبحت أسرع مما كان متوقعاً قبل سنوات.

الطباعة متعددة الأنماط

وفي الوقت ذاته، حققت الشركات الصينية تقدماً ملحوظاً عبر استغلال إمكانات تقنية DUV التقليدية بطريقة مبتكرة، من خلال أسلوب يعرف باسم "الطباعة متعددة الأنماط"، والذي يسمح بإنتاج رقائق يقل حجمها عن سبعة نانومترات، وهي دقة كانت حتى وقت قريب حكراً على آلات EUV.

ورغم أن هذه الطريقة ترفع تكلفة الإنتاج وتزيد احتمالات حدوث الأخطاء مقارنة بتقنية EUV، فإنها تمنح الصين فرصة لتصنيع ملايين الرقائق المتقدمة اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يثير قلقاً متزايداً داخل الولايات المتحدة.

في المقابل، ترى دول أوروبية أن أي تشديد إضافي على صادرات ASML يجب أن يوازن بين الاعتبارات الأمنية والحفاظ على تنافسية الشركة، فضلاً عن تجنب ردود فعل انتقامية من جانب الصين قد تضر بالمصالح الاقتصادية الأوروبية.

وفي إطار جهودها لتوحيد مواقف الحلفاء، تقود الولايات المتحدة مبادرة جديدة تعرف باسم Pax Silica، أطلقتها في نهاية عام 2025، وتهدف إلى بناء تحالف بين الدول المشاركة في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي الغربية، بما يشمل التعاون في مجالات الطاقة والمعادن النادرة والتصنيع المتقدم والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

وانضمت إلى المبادرة حتى الآن 24 جهة، من بينها الاتحاد الأوروبي وهولندا، في خطوة ترى واشنطن أنها ستسهل تبادل التكنولوجيا المتقدمة وتنسيق ضوابط التصدير الخاصة بالمعدات الحساسة.

لكن المبادرة الأكثر إثارة للجدل تتمثل في مشروع قانون أمريكي جديد يحمل اسم MATCH Act، يحظى بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس.

حظر خدمات الصيانة

ولا يقتصر المشروع على منع بيع آلات DUV إلى الصين، بل يمتد إلى حظر تقديم خدمات الصيانة وقطع الغيار والتحديثات البرمجية لمئات الأجهزة الموجودة بالفعل داخل المصانع الصينية، كما يمنح الحلفاء مهلة 150 يوماً لتوحيد سياساتهم مع القيود الأمريكية، وإلا قد يواجهون تطبيق قاعدة "المنتج الأجنبي المباشر"، التي تسمح لواشنطن بفرض قوانينها على شركات أجنبية تستخدم تقنيات أمريكية في منتجاتها.

ويرى مؤيدو المشروع أن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الأمن القومي ومنع الصين من تطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي، بينما تعتبرها هولندا وعدد من الدول الأوروبية تجاوزاً لسيادتها الاقتصادية والقانونية.

ويشير المسؤولون الهولنديون أيضاً إلى ما يرونه تناقضاً في السياسة الأمريكية، إذ تطالب واشنطن بتشديد القيود على معدات DUV، بينما سمحت في المقابل بتصدير بعض رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة من إنتاج إنفيديا إلى الصين، رغم أن تصنيعها يعتمد على أحدث تقنيات EUV.

إجراءات مضادة

في المقابل، بدأت الصين بدورها اتخاذ إجراءات مضادة، إذ أقرت لوائح تسمح بمعاقبة الشركات الأجنبية التي تلتزم بالعقوبات أو قيود التصدير الأمريكية، ما يضع الشركات الأوروبية أمام معادلة شديدة التعقيد بين الامتثال لواشنطن والحفاظ على أعمالها داخل السوق الصينية.

كما تواجه الحكومة الهولندية تداعيات قرارها السابق بفرض قيود على شركة نيكسبيريا الصينية المالكة لأصول في هولندا، بعدما خشيت من نقل بعض الأنشطة التقنية إلى الصين، وهو ما دفع بكين إلى اتخاذ إجراءات أثرت في صادرات الشركة وأربكت سلاسل توريد شركات سيارات أوروبية ويابانية.

ورغم أن الجدل الحالي بشأن مزاعم وصول آلة EUV إلى الصين قد ينحسر إذا لم تقدم الولايات المتحدة أدلة تدعم اتهاماتها، فإن القضية تكشف أن المنافسة لم تعد تدور حول الرقائق وحدها، بل حول السيطرة على التكنولوجيا التي تصنع هذه الرقائق.

وفي ظل احتدام سباق الذكاء الاصطناعي، ستظل آلات ASML في قلب معركة جيوسياسية يتداخل فيها الأمن القومي مع الاقتصاد والتجارة، وقد تصبح كل قطعة غيار أو تحديث برمجي ورقة ضغط جديدة في الصراع على قيادة المستقبل التكنولوجي العالمي.

المصدر: ذي إيكونوميست

{{displayname}}

{{profession}}

{{followercount}}

{{aboutme}}

ويظل التساؤل قائماً حول مدى فعالية القيود المفروضة على تصدير هذه التكنولوجيا الحساسة، خاصة مع استمرار التقدم الصيني في مجال صناعة الرقائق. وإذا ما ثبت صحة الادعاءات، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تقييم استراتيجيات الرقابة التكنولوجية الغربية. في المقابل، يرى خبراء أن الصين قد تنجح في تطوير بدائل محلية على المدى البعيد.