أنماط السكن في السعودية تتبدل .. منزل واحد وبيوت كثيرة
بحقيبة سفر صغيرة وطموح يتسع لمدينة بأكملها، جاءت دانة توفيق من المنطقة الشرقية في السعودية بعد حصولها على وظيفة في القطاع الإعلامي في الرياض. وعلى طول الطريق كانت تفكر في التحديات التي ستواجهها في عملها، إلا أن أول تحد كان في إيجاد سكن قريب من موقع عملها وبسعر يناسب ميزانيتها المحدودة، في مدينة تتسارع فيها تكاليف الإيجار بشكل ملحوظ.
ويمكن القول مجازا إن المنزل الواحد بات يُقسم ليشمل بيوتا كثيرة، خصوصا مع تقسيم بعض الوحدات السكنية (فيلا، شقة) إلى غرف ذات مساحات مشتركة.
وبعد أسابيع من البحث وجدت دانة التي تعيش عامها الثالث في العاصمة السعودية الرياض، خيارا مختلفا عما اعتادته في مدينتها، سكنًا مشتركًا داخل شقة في حي النرجس، غرف خاصة ومساحات مشتركة مثل المطبخ والصالة. لم يكن الخيار مثاليا لكنه أقرب إلى العمل وأكثر أمانًا وأقل تكلفة مقارنة بشقة مستقلة.
![]()
Fri, 03 2026
دانة ليست سوى واحدة من آلاف الأشخاص الذين ينتقلون من مدن السعودية للعمل في الرياض، حيث تتجه أنماط السكن نحو وحدات أصغر وسكن مشترك مدفوعة بارتفاع الطلب وتغير نمط الحياة.
مع هذا التحول ظهرت منصات متخصصة في السكن المشترك، منها منصة "روميتي" ومنصة "سكن بلس"، إضافة إلى انتشار إعلانات البحث عن شريك سكن عبر تطبيقات العقار وحراج ومنصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا بين الشباب والموظفين الجدد الذين ينتقلون للعمل في الرياض وغيرها من المدن الكبرى.
منازل أصغر ومساحات أذكى
هذا التغير في أنماط السكن لم يأت بمعزل عن التوسع في شكل المنتجات العقارية نفسها، إذ اتجهت تصاميم المنازل والشقق في السعودية خلال السنوات الأخيرة نحو مساحات أصغر، مع انتشار الوحدات السكنية المخصصة لشخص واحد أو للأسر الصغيرة، مثل الأستوديو والشقق ذات الغرفة الواحدة أو الغرفتين، بما يتماشى مع التحولات في أنماط الحياة والقدرة الشرائية والطلب المتزايد.
لكن ما الأسباب والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أُعيد تشكيل مفهوم السكن في السعودية؟
بحسب خبراء ومطورين عقاريين تحدثوا لـ"الاقتصادية"، فإن ما يحدث اليوم في السوق العقارية لا يمكن فصله عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع، حيث لم تعد المساحة الكبيرة هي المعيار الأساسي في اختيار السكن.
![]()
Sun, 21 2026
قال مطر الشمري الخبير والمستشار العقاري لـ"الاقتصادية" إن التصاميم والتوزيع السكني الداخلي تغيرا بشكل واضح نتيجة تغير طبيعة الأسر واحتياجاتها، فالأسر أصبحت أصغر حجمًا، كما ارتفعت الاستقلالية السكنية لدى الأبناء وتزايد تملك النساء للعقارات الصغيرة التي تناسب احتياجاتهن، ما غيّر طريقة التفكير في تصميم الوحدات العقارية بما يتناسب مع القدرة المالية واحتياجات الفرد أو الأسرة الصغيرة.
غرف ومطابخ وصالات مشتركة
في السابق، كانت الأسر السعودية أو الوافدة للبلاد تحرص على اقتناء المنازل الواسعة من حيث حجم الغرف أو توافر باحات داخلية، فالحجم كان كبيرا في كل شيء بدءا من الصالة، ومرورا بغرف النوم والمجالس وانتهاء بـ"المقلط".
وهنا يشير المختص العقاري الشمري إلى أن الصالات المفتوحة والتصاميم المرنة أكثر ملاءمة لاحتياجات الأسرة، موضحا أن كثيرا من ملاك المنازل الكبيرة أصبحوا يهدمون منازلهم ويعيدون بناءها على شكل وحدات أصغر، بحيث تتحول الأرض الواحدة إلى أكثر من منزل أو دوبلكس حسب مساحتها.
ويتفق عبدالعزيز السويدان عقاري بخبرة تتجاوز 30 عامًا، مع هذا التوجه، مشيرا إلى أن التحول الحالي لا يقتصر على الشكل المعماري الحديث بل يمثل إعادة هيكلة لوظيفة المسكن نفسه، حيث تخلت التصاميم الجديدة عن "المساحات الميتة" والمجالس المتعددة التي تبقى مهجورة معظم العام، لمصلحة مساحات أكثر مرونة وانفتاحًا تركز على احتياجات الأسرة اليومية ولمّ شملها.
ومع توجه ملاك العمائر والفلل والوحدات السكنية الكبيرة إلى إعادة بنائها وتقسيمها لوحدات سكنية أصغر وتأجيرها، أكدت وزارة البلديات والإسكان استمرار الأمانات والبلديات حملات رصد ومعالجة مخالفات تقسيم المساكن بهدف الاستثمار دون ترخيص.
ومن أبرز المخالفات إعادة تقسيم الوحدات السكنية إلى أجزاء أصغر، وفتح أبواب داخلية أو تعديل المخارج عبر الارتدادات من دون الحصول على التراخيص البلدية اللازمة.
![]()
Sun, 05 2026
تصل غرامة تقسيم الوحدات داخل مبانٍ غير مرخصة أو غير مطابقة لاشتراطات البناء إلى 200 ألف ريال، بينما في حال وجود رخصة بناء لكنه تم التقسيم بصورة غير نظامية، تصل الغرامة إلى 30 ألف ريال، مع اتخاذ الإجراءات النظامية بحق جميع الأطراف ذات العلاقة بالمخالفة، بما في ذلك المالك والمستثمر والمستأجر والمعلن. لما لهذه الممارسات من تأثير سلبي في السلامة العامة والبنية التحتية وجودة الحياة داخل الأحياء السكنية.
وأضاف الشمري أن الدعم السكني والتمويل العقاري أسهما في تعزيز التملك، في وقت يحرص فيه كثير من المشترين على ألا تتجاوز قيمة التمويل قدرتهم المالية، ما عزز الإقبال على العقارات الأصغر وتنوع المنتجات العقارية بين الشقق والتاون هاوس والدوبلكس والبنتهاوس والأدوار السكنية المستقلة.
ويتجه المستثمرون إلى شراء الشقق الصغيرة وإعادة تأجيرها للسياح والزوار والمنتقلين إلى المدن الرئيسية. وتعد هذه النماذج محركًا للسوق الاقتصادية والاستثمارية إذ أتاح تنوع المنتجات فرصًا أكبر للمطورين والمستثمرين لبناء عدد أكبر من الوحدات السكنية وتلبية شرائح مختلفة من الطلب.
ادفع نصف الإيجار
وبالعودة إلى السكن المشترك أوضح مؤسس منصة روميتي زين العابدين توفيق أن فكرة السكن المشترك جاءت استجابة مباشرة لارتفاع أسعار الإيجارات خصوصًا في المدن الكبرى مثل الرياض، حيث بدأ المشروع كحل بسيط قائم على فكرة "ادفع نصف الإيجار" قبل أن يتحول إلى منصة رقمية تستجيب لطلب متزايد من فئات مختلفة من المستخدمين.
وأشار إلى أن المفاجأة كانت عدم اقتصار الاهتمام بالسكن المشترك على ذوي الدخل المحدود، بل امتد إلى مختلف مستويات الدخل والرواتب.
روميتي منصة إلكترونية تساعد الباحثين عن سكن في إيجاد شريك سكن "روميت" بحسب تحديد خيارات وخورازميات تظهر لك الشركاء المناسبين لك ونسبة التوافق، بهدف تقليل تكاليف الإيجار.
وبحسب توفيق يمثل الذكور 74% من المستفيدين من المنصة مقابل 26% للإناث، فيما تشكل الفئة العمرية بين 25 و34 عامًا النسبة الكبرى من المستخدمين.
![]()
Tue, 12 2026
كما أن 83% من مستخدمي المنصة موظفون مقابل 17% من الطلاب، مع ميل واضح نحو نمط الحياة الهادئة، حيث يفضل 84% نمط الحياة الهادئة مقابل 16% يصفون أنفسهم بالنمط الاجتماعي. وأكد أن الطلب على السكن المشترك مرشح للارتفاع خلال السنوات المقبلة، ليس فقط لأسباب مالية، بل لأسباب اجتماعية تتعلق بالانتقال إلى مدن جديدة وبناء علاقات اجتماعية جديدة، ما يجعل شريك السكن جزءًا من تجربة التكيف مع المدينة.
في المقابل يتوقع الشمري أن تصبح الشقق أصغر مساحة، وقد تصل إلى 60 أو 70 مترًا فقط، على شكل أستوديو يضم غرفة ومطبخًا ودورة مياه.
ويرى السويدان أن التحول يسهم في رفع نضج الفكر الاستثماري لدى الأفراد، إذ إن التوازن بين أسعار العقارات ومساحاتها يتيح توجيه السيولة المتبقية إلى الاستثمار والتطوير، بدلاً من تجميدها في أصول سكنية كبيرة وغير مستغلة.
جودة الحياة قبل المساحة
أشارت نوف بن سعيدان مستشارة ومحللة عقارية خلال حديثها مع "الاقتصادية" إلى أن السوق السعودية تشهد تحولًا من نموذج المسكن الكبير إلى نموذج "المسكن الأكثر كفاءة واستغلالًا للمساحة"، مع تزايد الإقبال على الشقق والتاون هاوس والفلل الأصغر حجمًا، مقابل تراجع تدريجي في الطلب على الفلل الكبيرة التقليدية.
وعزت السبب وراء التحول إلى ارتفاع أسعار الأراضي والعقار والتغير الديموغرافي المتمثل في زيادة نسبة الشباب والأسر الصغيرة، إلى جانب التوسع الحضري والهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، فضلًا عن تغير نمط الحياة الذي أصبح يفضل القرب من العمل والخدمات على حساب المساحة الكبيرة.
وأكدت أن هذا التحول لم يظهر فقط على شكل الوحدات السكنية بل امتد إلى تغيير مفهوم السكن نفسه، ليصبح التركيز على جودة الحياة والمرافق المشتركة داخل المجتمعات السكنية أكثر من التركيز على مساحة الوحدة. وأشار الشمري إلى أن الشباب أصبحوا يفضلون شراء عقار مرحلي في بداية حياتهم يلبي احتياجات الأسرة الصغيرة، ثم الانتقال لاحقًا إلى مسكن أكبر مع اتساع احتياجاتهم.
وأضاف أن العقارات الأصغر لا تقلل فقط من قيمة التمويل، بل تخفض تكاليف التأثيث والمصاريف التشغيلية.
![]()
Mon, 20 2026
ويرى السويدان أن الأسرة السعودية أصبحت أكثر حرصًا على تحقيق التوازن بين التملك وجودة المعيشة، إذ يفضل كثير من المشترين توجيه جزء من دخلهم نحو التعليم والتقنية والرفاهية العائلية، بدلًا من استنزاف قدرتهم المالية في شراء مساحات أكبر من احتياجاتهم الفعلية.
وأوضح أن تطبيق كود البناء أسهم في تغيير قرارات الشراء، إذ أصبح المشتري أكثر إدراكًا لتكاليف الصيانة والتشغيل المرتبطة بالمساحات الكبيرة غير المستغلة التي تمثل عبئًا ماليًا واستهلاكًا أعلى للطاقة والخدمات. من جانبها أكدت ابن سعيدان أن هذا التغير أسهم في زيادة قدرة الأسر على التملك، وتنشيط التمويل العقاري، ورفع كفاءة استخدام الأراضي داخل المدن، إضافة إلى تعزيز جدوى المشاريع السكنية للمطورين العقاريين، وتقليل تكاليف البناء والتشغيل والصيانة على المالك النهائي.
أما اجتماعيًا فقد تحول مفهوم السكن من كونه مساحة كبيرة إلى كونه مساحة مناسبة للاحتياج، مع زيادة الاعتماد على المرافق المشتركة داخل الأحياء السكنية وارتباط أكبر بالمدينة والخدمات.
![]()
Wed, 01 2026
وفقاً لـ"الهيئة العامة للإحصاء" في السعودية ارتفع إجمالي عدد المساكن المشغولة بأسر سعودية من نحو 4.4 مليون مسكن في 2024 ليصل إلى نحو 4.5 مليون مسكن في 2025، مسجلاً زيادة سنوية تقدر بنحو 118 ألف مسكن جديد تشمل حالات التملك والإيجار. وتستحوذ المساكن المملوكة على الحصة الكبرى بنسبة تتجاوز 63.7% في حين تمثل المساكن المستأجرة نحو 31.3% من الإجمالي.
وحافظت الشقق على قيادة النمو بنسبة 47% من المساكن، تليها الفلل بنسبة 30%، ثم الأدوار المستقلة والبيوت الشعبية. وتصدرت الرياض النسبة الأعلى 24% من إجمالي المساكن، تليها منطقة مكة المكرمة بنسبة 23.8%.
أمتار أم أسلوب حياة ؟
أشار السويدان إلى نضج فكرة المجمعات السكنية المغلقة والمستدامة في السعودية، التي لم تعد تقتصر على توفير وحدة سكنية فقط، بل تدمج الخدمات الترفيهية والمرافق المشتركة داخل المشروع، بما يمنح العقار قيمة مضافة بوصفه منتجًا متكاملًا.
وقالت أسماء العليان، الرئيس التنفيذي لشركة أسماء العليان القابضة، إن السوق العقارية في السعودية تشهد تحولًا أعمق من مجرد تغير في المساحات، ليصل إلى إعادة تعريف مفهوم السكن نفسه، من "المسكن الكبير" إلى "المسكن الذكي"، حيث لم تعد المنافسة قائمة على عدد الغرف أو المساحة، بل على جودة التصميم ومرونة الاستخدام وكفاءة التشغيل وقرب السكن من الخدمات.
وأكدت أن المستقبل لن يكون قائمًا على بيع الأمتار المربعة فقط، بل على بيع أسلوب حياة، متوقعة ظهور منتجات عقارية أكثر تخصصا، مثل سكن الشباب والأسر الصغيرة والمجتمعات المتكاملة حول النقل العام والمشاريع التي تعتمد على الخدمات والتقنيات الذكية.
![]()
Sat, 04 2026
و تتوقع أن تشهد السوق السعودية نموذجًا محليًا للسكن المشترك يجمع بين الخصوصية داخل وحدات مستقلة والخدمات المشتركة مثل صالات العمل والأندية الرياضية، إضافة إلى إدارة تشغيل احترافية تستهدف الشباب والمهنيين والمنتقلين للعمل في المدن الكبرى.
لأن الحاضر يستمد من الماضي وينبئ بالمستقبل، يبدو أن مستقبل أنماط السكن مرتبط بالتحولات والمتغيرات الاجتماعية التي يحدد من خلالها الإنسان: "ماذا يحتاج؟".. والحاجة أُمّ الاختراع.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.