كيف يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة؟
في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، لم تعد المنافسة تدور فقط حول تطوير نماذج أكثر ذكاءً أو إطلاق تطبيقات أكثر تطوراً، بل انتقلت إلى سؤال أكثر إلحاحاً: من سيدفع فاتورة هذا التقدم؟ خلف كل محادثة مع روبوت ذكي أو عملية توليد صور أو تحليل بيانات، تعمل مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه وتفرض ضغوطاً متزايدة على شبكات الطاقة والبيئة. وبينما يتسارع الاستثمار في هذه المراكز لتلبية الطلب المتنامي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الابتكار و…
كيف يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة؟
في السباق العالمي للذكاء الاصطناعي، تحولت المنافسة من مجرد تطوير نماذج أذكى أو تطبيقات أحدث إلى سؤال جوهري: من يتحمل تكاليف هذا التقدم؟
وتتزايد المخاوف البيئية مع تسارع وتيرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
وراء كل تفاعل مع روبوت ذكي أو توليد صورة أو تحليل بيانات، توجد مراكز بيانات ضخمة تستهلك طاقة ومياه بكميات كبيرة، مما يزيد الضغط على شبكات الكهرباء والبيئة.
وبينما يتسارع الاستثمار في هذه المراكز لتلبية الطلب المتنامي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الابتكار والاستدامة، بحيث لا تتحول الثورة الرقمية إلى عبء بيئي يهدد أهداف العالم في خفض الانبعاثات الكربونية.
استدامة الذكاء الاصطناعي
تحولت مراكز البيانات إلى نقطة محورية في الحوار العالمي حول استدامة الذكاء الاصطناعي، حيث يراهن كثيرون عليها كأبرز مظهر لاستهلاك الطاقة والموارد الطبيعية.
ومع ذلك، فإن هذا التصور لا يعكس الصورة كاملة، فالمشكلة لا تكمن في وجود هذه المراكز بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي يتم بها تصميمها وبناؤها وتشغيلها، إضافة إلى الكيفية التي يتم بها تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها.
ويشير خبراء إلى أن الفوائد التي توفرها مراكز البيانات تمتد إلى مستخدمي الإنترنت في مختلف أنحاء العالم، حيث تتيح الوصول إلى خدمات الحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي بسهولة وسرعة.
بيد أن آثارها البيئية تبقى محلية في المقام الأول، لأن استهلاك الكهرباء والمياه والانبعاثات الناتجة عنها يتركز في المناطق التي تستضيف هذه المنشآت.
وتتركز النسبة الأكبر من مراكز البيانات حالياً في عدد محدود من المناطق مثل ولاية فيرجينيا الأمريكية، وأيرلندا، وولاية تكساس، وسنغافورة، وهو ما يفرض ضغوطاً كبيرة على شبكات الكهرباء وموارد المياه في تلك المناطق.
الحاجة إلى الطاقة
ومع التوسع السريع في إنشاء مراكز جديدة، أصبحت الحاجة إلى الطاقة تنمو بوتيرة تشبه إضافة مدينة كاملة تضم عشرات الآلاف من المنازل خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يدفع بعض المطورين إلى اللجوء لحلول سريعة تعتمد على إنشاء محطات توليد كهرباء خاصة تعمل بالوقود الأحفوري لتلبية احتياجات المراكز الجديدة.
ورغم أن هذه الحلول توفر الطاقة المطلوبة على المدى القصير، فإنها تزيد من الانبعاثات الكربونية وتفاقم التلوث، بينما تجد شركات تشغيل شبكات الكهرباء نفسها مضطرة إلى الاستثمار في توسعة البنية التحتية خلال وقت قياسي، وغالباً ما تتحمل المجتمعات المحلية جزءاً من هذه التكلفة من خلال ارتفاع أسعار الكهرباء أو زيادة الضغوط على الخدمات الأساسية.
ويرى متخصصون أن الحل لا يكمن في الاستمرار ببناء مراكز البيانات في المناطق التقليدية ذاتها، وإنما في إعادة توزيعها جغرافياً واختيار مواقع جديدة تتوافر فيها مصادر طاقة متجددة وبنية تحتية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد. التخطيط المحلي المدروس يمكن أن يخفف الضغط على الشبكات الكهربائية ويقلل استنزاف الموارد الطبيعية، كما يحد من الاعتراضات المجتمعية المرتبطة بإقامة هذه المشروعات.
الطاقة المتجددة
وتبرز الطاقة المتجددة كأحد أهم عناصر التحول نحو مراكز بيانات أكثر استدامة. ففي ولاية نيفادا الأمريكية، تعمل "غوغل" على تطوير مشروع للطاقة الحرارية الأرضية يهدف إلى تزويد مراكز بياناتها بالكهرباء النظيفة على مدار الساعة، في نموذج يعكس إمكانية الاعتماد على مصادر طاقة مستقرة لا ترتبط بتقلبات الطقس كما هو الحال مع الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.
وفي المقابل، تلعب الحكومات دوراً محورياً في تسريع هذا التحول من خلال الأطر التنظيمية. فقد فرضت أيرلندا على مراكز البيانات الجديدة شرطاً يقضي بأن تعتمد بنسبة 80% على مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يشجع الشركات على الاستثمار في حلول منخفضة الانبعاثات بدلاً من الاعتماد على الوقود التقليدي.
ويؤكد خبراء أن الجمع بين السياسات الحكومية والالتزامات الطوعية من جانب شركات التكنولوجيا يمثل المسار الأكثر فاعلية لتقليل البصمة البيئية لهذا القطاع سريع النمو.

مراحل التصميم والإنشاء
لا تقتصر الاستدامة على مرحلة تشغيل مراكز البيانات فقط، بل تبدأ منذ مراحل التصميم والإنشاء. فاختيار مواد بناء منخفضة الانبعاثات، مثل الأخشاب المعالجة أو الخرسانة منخفضة الكربون، يمكن أن يقلل بصورة ملحوظة الانبعاثات المرتبطة بعملية البناء، كما أن إعادة استخدام المصانع والمباني الصناعية القديمة بدلاً من إنشاء منشآت جديدة يحد من استهلاك الأراضي والموارد.
وتوفر هذه المباني ميزة إضافية تتمثل في اتصالها المسبق بشبكات الكهرباء والمياه وامتلاكها تصاريح استخدام صناعي، ما يختصر إجراءات الترخيص ويقلل الحاجة إلى تنفيذ أعمال بنية تحتية جديدة أو إزالة مساحات خضراء لإقامة المنشآت الحديثة.
ومن الأفكار الواعدة أيضاً إعادة توظيف الحرارة الهائلة التي تنتجها الخوادم أثناء تشغيلها. فبدلاً من تبديد هذه الحرارة في الهواء، يمكن استخدامها لتدفئة المنازل أو المنشآت الصناعية، وهو ما بدأت بعض الدول بالفعل في تطبيقه.
في غرب لندن، يجري استغلال نحو 17 ميغاواط من الحرارة المهدرة الصادرة عن مراكز البيانات لتدفئة ما يصل إلى عشرة آلاف منزل ومنشأة تجارية، بينما تستخدم النرويج الحرارة الناتجة عن هذه المراكز في تدفئة مزارع لتربية أسماك السلمون المرقط، بما يحول مصدراً للهدر إلى مورد اقتصادي وبيئي مفيد.
نماذج الذكاء الاصطناعي
بيد أن تحقيق الاستدامة الحقيقية لا يعتمد فقط على تحسين كفاءة مراكز البيانات، بل يرتبط أيضاً بكيفية تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها.
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت الشركات إلى بناء نماذج أكبر حجماً وأكثر تعقيداً، وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في احتياجات الحوسبة والطاقة.
ويرى باحثون أن هذا النهج ليس الخيار الوحيد، إذ يمكن تطوير نماذج أصغر وأكثر كفاءة تحقق نتائج مماثلة في كثير من الاستخدامات العملية. ومن بين أبرز التقنيات المستخدمة لتحقيق ذلك ما يعرف بـ"تقطير النماذج"، الذي يعتمد على تدريب نموذج صغير ليستفيد من قدرات نموذج ضخم، إضافة إلى تقنية "تقليل الدقة الحسابية"، التي تخفض كمية العمليات الحسابية المطلوبة دون التأثير بشكل كبير في جودة النتائج.
وتشير دراسات حديثة إلى أن اختيار النموذج المناسب لكل مهمة، بدلاً من استخدام أكبر نموذج متاح في جميع الحالات، يمكن أن يخفض استهلاك الطاقة بما يصل إلى 33 مرة، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في كفاءة تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع التوسع المتوقع في استخدامها داخل المؤسسات والأعمال اليومية.

تعزيز الشفافية
يؤكد الخبراء أن تعزيز الشفافية يمثل عاملاً أساسياً لدفع هذا التحول. فالمستخدمون والشركات لا يمتلكون حالياً معلومات واضحة حول كمية الطاقة التي يستهلكها كل طلب يتم إرساله إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حجم الانبعاثات الكربونية الناتجة عنه، وهو ما يجعل اتخاذ قرارات واعية بيئياً أمراً بالغ الصعوبة.
ويقترح الباحثون أن تعرض منصات الذكاء الاصطناعي بيانات مباشرة حول استهلاك الطاقة والانبعاثات لكل عملية، تماماً كما تعرض بعض الأجهزة المنزلية معدلات استهلاك الكهرباء.
ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح المستخدمين والمطورين القدرة على مقارنة النماذج المختلفة واختيار الأكثر كفاءة من الناحية البيئية.
وفي هذا السياق، ظهرت أدوات برمجية مثل "CodeCarbon"، التي تتيح قياس استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية للنماذج مفتوحة المصدر، إلا أن تعميم هذه الممارسات يتطلب تعاوناً أكبر من شركات التكنولوجيا لإدماج مؤشرات الاستدامة داخل واجهات استخدام الذكاء الاصطناعي ومنصاته التجارية.
وفي النهاية، يؤكد المختصون أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أكثر التقنيات تأثيراً في الاقتصاد والمجتمع خلال العقود المقبلة، لكن نجاحه لن يقاس فقط بقدرته على زيادة الإنتاجية أو تسريع الابتكار، بل أيضاً بمدى توافقه مع أهداف حماية المناخ والحفاظ على الموارد الطبيعية.
بدلاً من اعتبار ارتفاع الانبعاثات واستهلاك الطاقة ثمناً لا مفر منه للتقدم التقني، يمكن اعتماد نهج أكثر توازناً يقوم على التخطيط المحلي الذكي، واستخدام الطاقة النظيفة، وإعادة تدوير الموارد، وتطوير نماذج أكثر كفاءة وشفافية، بما يضمن أن تصبح البنية التحتية التي تدعم ثورة الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحل البيئي، لا جزءاً من المشكلة.
المصدر: مجلة تايم
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
وتشير التقديرات إلى أن استهلاك الطاقة في مراكز البيانات قد يتضاعف خلال السنوات القادمة، مما يضع ضغوطا إضافية على أهداف المناخ. وتتجه الأنظار نحو حلول مثل تحسين كفاءة الطاقة واستخدام مصادر متجددة. ويبقى التساؤل قائما حول كيفية موازنة الابتكار الرقمي مع الحفاظ على البيئة.
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.