قد لا يكون اسم "إس كيه هاينكس" مألوفًا للكثيرين، لكن هذه الشركة الكورية المصنّعة لرقائق الذاكرة، التي كانت قبل عقدين تواجه صعوبات كبيرة، أصبحت اليوم ثاني أكبر شركة مدرجة في كوريا الجنوبية من حيث القيمة السوقية، بعد "سامسونغ إلكترونيكس" مباشرة.

وتأتي هذه القفزة في القيمة السوقية في سياق السباق العالمي المحموم لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت رقائق الذاكرة عالية الأداء مكونًا حيويًا في مراكز البيانات.

وبفضل الطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي، والتي زادت الطلب على رقائق الذاكرة المتطورة، ارتفع سهم الشركة بنحو 13 ضعفًا منذ بداية عام 2025، لتصل قيمتها السوقية إلى تريليون دولار في مايو.

بدأ تداول إيصالات الإيداع الأمريكية لشركة "إس كيه هاينكس" في سوق "ناسداك غلوبال سيليكت" بالولايات المتحدة في 10 يوليو، في خطوة تمنح الشركة وصولاً إلى سوق رأس مال أعمق حتى.

تأسست "إس كيه هاينكس" عام 1983 تحت اسم "هيونداي إلكترونيكس إندستريز"، من قبل "هيونداي غروب"، إحدى أكبر التكتلات الصناعية في كوريا الجنوبية، في إطار مساعي البلاد لبناء صناعات استراتيجية، بما فيها أشباه الموصلات، بالتزامن مع الطفرة العالمية في قطاع الإلكترونيات.

ركزت الشركة في بداياتها على إنتاج رقائق الذاكرة الديناميكية (DRAM)، وهي رقائق  صغيرة تحتفظ مؤقتاً بالبيانات التي تحتاج معالجات الكمبيوتر للوصول إليها بسرعة.

Thu, 09 2026

ومع ضخ استثمارات كبيرة في المصانع وتطوير تقنيات إنتاج الرقائق، رسخت "هيونداي إلكترونيكس" مكانتها خلال تسعينات القرن الماضي كواحدة من أكبر موردي رقائق DRAM في العالم.

لكن هذا التوسع السريع أوقع "هيونداي إلكترونيكس" في أزمة مالية حادة مع اندلاع الأزمة المالية الآسيوية في عامي 1997 و1998. فقد أدى انهيار أسعار رقائق الذاكرة وتفاقم الديون إلى إعادة هيكلة واسعة لـ"هيونداي غروب"، وتغير اسم الشركة إلى "هاينكس سيميكوندكتور" (Hynix Semiconductor) عام 2001 ضمن هذه العملية، قبل أن تمضي معظم العقد التالي معتمدة على خطط إنقاذ من دائنيها.

وكادت الشركة تُباع عام 2002 إلى منافستها الأميركية "مايكرون تكنولوجي" (Micron Technology)، إلا أن الصفقة انهارت في نهاية المطاف.

وشهدت الشركة نقطة تحول حاسمة في عام 2012، حين استحوذت مجموعة "إس كيه" الكورية الجنوبية، العاملة في مجالات الطاقة والاتصالات، على حصة مسيطرة من دائني الشركة وأعادت تسميتها إلى "إس كيه هاينكس".

وبعد عام واحد، وتحديداً في 2013، كشفت الشركة، بالتعاون مع شركة "أدفانسد مايكرو ديفايسز" (Advanced Micro Devices)، عن أول شريحة ذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM) في العالم.

واعتمد هذا الابتكار على تكديس طبقات متعددة من رقائق DRAM رأسياً، ما أتاح نقل البيانات بسرعات أعلى بكثير، مع استهلاك أقل للطاقة.

لماذا ارتفعت قيمة "إس كيه هاينكس"؟

طوال عقود، كانت رقائق الذاكرة من أكثر الصناعات تقلباً، إذ كانت الأسعار ترتفع وتنخفض مع دورات الطلب على أجهزة الكمبيوتر الشخصية وسائر الأجهزة الإلكترونية. كما أن التكلفة الهائلة لإنشاء مصانع أشباه الموصلات، إلى جانب تذبذب الأرباح، دفعت العديد من الشركات إلى الخروج من السوق، لتترك الصناعة تحت هيمنة ثلاثة لاعبين فقط: "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" في كوريا الجنوبية، و"مايكرون تكنولوجي" في الولايات المتحدة.

تُستخدم رقائق الذاكرة اليوم في أجهزة متنوعة، من الهواتف الذكية وأجهزة الألعاب إلى السيارات والأجهزة المنزلية. إلا أن الطفرة في الذكاء الاصطناعي غيّرت اقتصاديات القطاع بالكامل، فمع ازدياد حجم نماذج الذكاء الاصطناعي وتعقيدها، باتت مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من رقائق الذاكرة المتقدمة، ما تسبب في اختناقات حادة في الإمدادات.

وتستقطب منتجات "إس كيه هاينكس" الطلب بشكل خاص، بعدما أصبحت رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM)، التي كانت الشركة سبّاقة إلى تطويرها، عنصراً لا غنى عنه في المعالجات المستخدمة لتدريب وتشغيل أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، مثل "كلود" من "أنثروبيك" و"شات جي بي تي" من "أوبن إيه آي".

كما تُعد "إس كيه هاينكس" المورد الأكبر لرقائق HBM إلى "إنفيديا"، الشركة المهيمنة على تصميم معالجات الذكاء الاصطناعي، المعروفة أيضاً باسم المسرّعات.

ورغم أن اسمها غير معروف كثيراً لدى العامة، فإن "إس كيه هاينكس" أصبحت اليوم أحد نجوم البورصة، بعد أن تحولت من كيان كان يوماً مثقلاً بالأزمات، إلى إحدى شركات التكنولوجيا المفضلة لدى المستثمرين.

Thu, 30 2026

كيف تقارن "إس كيه هاينكس" بمنافساتها؟

تواصل "إس كيه هاينكس" تصدر سوق رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM)، مستحوذة على نحو 51% من السوق العالمية، بحسب تقديرات شركة الأبحاث "تريندفورس" (TrendForce). وتتفوق بذلك بفارق مريح على "سامسونغ إلكترونيكس"، التي تبلغ حصتها نحو 26%، و"مايكرون تكنولوجي" التي تستحوذ على قرابة 23%.

غير أن المنافسة تتزايد، إذ تضخ الشركات الثلاث استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها الإنتاجية. فقد أعلنت كل من "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" خططاً لبناء مصنعين جديدين للرقائق في كوريا الجنوبية لكل منهما، ضمن استثمارات مشتركة تصل إلى 800 تريليون وون (530 مليار دولار). في المقابل، تعتزم "مايكرون تكنولوجي" رفع استثماراتها في الولايات المتحدة إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2035.

تتنافس الشركات الثلاث أيضاً على تطوير أسرع وأكثر رقائق الذاكرة تقدماً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتتمثل ساحة المنافسة التالية في الجيل الرابع من رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM4)، الذي يوفر أداءً أعلى وقدرة أكبر مقارنة بسابقاته.

ومن المنتظر أن تُستخدم رقائق HBM4 في "فيرا روبين" (Vera Rubin)، الجيل الجديد من مسرعات الذكاء الاصطناعي التي تطورها "إنفيديا"، والمتوقع أن تشغل الموجة المقبلة من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن "سامسونغ إلكترونيكس" انتزعت أفضلية مبكرة بشحن أول دفعة تجارية من رقائق HBM4 إلى "إنفيديا" في فبراير، فإن الشركات الثلاث نجحت منذ ذلك الحين في اعتماد رقائقها للاستخدام في نظام "فيرا روبين"، وبدأت إنتاجها تجارياً، مع توقعات بتسارع وتيرة تسليم النظام خلال النصف الثاني من عام 2026.

ثمار الإدراج في الولايات المتحدة؟

بعد الارتفاع الصاروخي في قيمتها السوقية، تسعى "إس كيه هاينكس" إلى توسيع قاعدة مستثمريها حول العالم من خلال طرح شهادات الإيداع الأميركية (ADRs) الخاصة بها في بورصة "ناسداك".

وشهادة الإيداع الأميركي (ADR) هي ورقة مالية متداولة في الولايات المتحدة تمثل أسهماً في شركة أجنبية، بما يتيح للمستثمرين شراء أسهمها وبيعها بالدولار الأميركي عبر البورصات الأميركية، من دون الحاجة إلى التداول مباشرة في سوقها المحلية.

Sat, 06 2026

ومن المنتظر أن يسهم الطرح في توسيع قاعدة المستثمرين العالميين في "إس كيه هاينكس"، إلى جانب توفير رأس المال اللازم لتمويل خططها التوسعية. ووفقاً للإفصاح التنظيمي للشركة، ستُوجَّه حصيلة الطرح إلى إنشاء مصانع جديدة للرقائق، وشراء أحدث معدات الإنتاج، بما في ذلك أجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، المستخدمة في إنتاج أشباه الموصلات الأكثر تقدماً.

ويمثل كل إيصال إيداع أميركي عُشر سهم عادي. وقد جمعت "إس كيه هاينكس" 26.5 مليار دولار من بيع 177.9 مليون شهادة إيداع بسعر 149 دولاراً للشهادة، في صفقة تعادل نحو 2.5% من قيمتها السوقية، لتسجل بذلك أكبر طرح لشركة أجنبية في تاريخ سوق الأسهم الأميركية.

ويُظهر نجاح إس كيه هاينكس قدرة الشركات الكورية على التكيف مع التحولات التكنولوجية الكبرى. ومع استمرار الطلب على رقائق الذاكرة المتقدمة، قد تواصل الشركة نموها، لكن المنافسة الشديدة من اللاعبين العالميين مثل مايكرون وسامسونغ تظل تحديًا دائمًا. كما أن قدرة الشركة على الابتكار في تقنيات مثل HBM ستحدد موقعها في السوق.