خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري نقطة أساس إلى 3%، مقارنة بمتوسط بلغ 3.5% خلال عامي 2024 و2025، فيما توقع انكماش اقتصاد الشرق الأوسط.

الخفض جاء في وقت يواصل فيه الاقتصاد العالمي مواجهة تأثير قوتين متعاكستين: تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، والطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

في أحدث توقعات لآفاق الاقتصاد العالمي، التي صدرت اليوم الأربعاء، توقع الصندوق أن يعاود النمو العالمي الارتفاع إلى 3.4% العام المقبل.

إلا أن وتيرة التعافي ستختلف بصورة كبيرة بين الدول بحسب تعرضها لتداعيات الحرب وموقعها في سلاسل القيمة المرتبطة بصناعة الذكاء الاصطناعي.

بحسب توقعات الصندوق، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستسجل نموا سلبيا (انكماشا) -0.5% هذا العام بانخفاض 1.6% عن التقديرات السابقة.

خفض الصندوق كذك توقعات نمو منطقة اليورو نقطتي أساس عن توقعات أبريل الماضي إلى 0.9% هذا العام، فيما توقع نمو الاقتصاد الأمريكي عند 2.3% دون تغيير عن التوقعات السابقة.

الصين تلقت تعديلا بالرفع لتوقعات نموها قدره نقطتي أساس إلى 4.6%، في أحدث تقديرات الصندوق.  

الصندوق أشار إلى أن الدول المستوردة للطاقة وغير المشاركة في الثورة التقنية ستتحمل العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

رغم أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة أكبر من المتوقع على امتصاص صدمة الحرب، فإن الصندوق يرى أن هذا الصمود يعود جزئيا إلى السحب من المخزونات النفطية، إضافة إلى استمرار قوة الطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

حذر الصندوق من أن هذه العوامل قد تكون مؤقتة إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية لفترة أطول.

اقرأ أيضا: السعودية ثاني أعلى دول لعشرين نموا في 2027 وتأثرها أقل بالحرب

التضخم يعود للارتفاع من جديد

يتوقع الصندوق أن ترتفع معدلات التضخم العالمية إلى 4.7% في 2026 مقابل 4.1% العام الماضي.

لكن التضخم ستتراجع إلى 3.9% العام المقبل، وفقا للصندوق، في إشارة إلى توقف مسار انخفاض التضخم الذي بدأ منذ مطلع 2024 تحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتزايد الضغوط على تكاليف الإنتاج والنقل.

الصندوق توقع كذلك استمرار تشدد السياسات النقدية لفترة أطول في عدد من الاقتصادات الكبرى، مع بقاء أسعار الفائدة الحقيقية مرتفعة نسبيًا لمواجهة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يحد من وتيرة الاستثمار والاستهلاك خلال العامين المقبلين.

أسعار الطاقة ستظل مرتفعة

رجح الصندوق أن يبلغ متوسط سعر النفط نحو 89 دولارا للبرميل هذا العام، بزيادة تقارب 32% مقارنة بعام 2025، مع استمرار أسعار الغاز الطبيعي والأسمدة عند مستويات مرتفعة.

سيدفع هذا أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع بنحو 8%، وفقا للصندوق، الذي وأشار إلى أن استمرار اضطرابات الإمدادات في مضيق هرمز يمثل أحد أبرز المخاطر التي قد تزيد الضغوط على الأسواق العالمية.

السعودية تؤكد مرونة اقتصادها وقدرته على التكيف مع المتغيرات العالمية

الشرق الأوسط الأكثر تأثرًا

كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأكثر تضررًا في توقعات الصندوق، إذ خفض توقعاته لنمو المنطقة إلى -0.5% هذا العام، مقارنة بتوقعاته السابقة، قبل أن يرتفع النمو بقوة إلى 7.3% في 2027 مع افتراض عودة الأوضاع الطبيعية في حركة التجارة والطاقة.

أرجع الصندوق هذا التراجع إلى استمرار تداعيات الحرب وتعطل صادرات الطاقة، خصوصًا في الدول الأكثر اعتمادًا على مرور صادراتها عبر مضيق هرمز.

توقعات العام المقبل بدت أكثر تفاؤلا لمعظم اقتصادات العالم، حيث عدل الصندوق تقديرات النمو الأمريكي والصيني بالرفع 0.1 نقطة أساس إلى 2.2% و4.1% بالترتيب.

لكن توقعات منطقت اليورو وبريطانيا ظلت دون تغيير يذكر عن 1.2% عند 1.2 و1.3 بالترتيب.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة النمو

أكد التقرير أن أكبر الرابحين من التطورات الحالية هم الاقتصادات المرتبطة بسلاسل توريد أشباه الموصلات ومعدات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية وماليزيا وتايوان وتايلاند، حيث عوضت الطفرة التكنولوجية جزءًا كبيرًا من الأثر السلبي لارتفاع أسعار الطاقة، بينما استفادت الصين أيضًا من قوة التصنيع عالي التقنية والاستثمارات الحكومية، رغم استمرار ضعف الاستهلاك المحلي.

في المقابل، حذر الصندوق من أن الاقتصادات منخفضة الدخل والمستوردة للطاقة ستكون الأكثر تعرضًا للمخاطر، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء وضعف مشاركتها في الثورة التقنية العالمية.

المخاطر لا تزال مرتفعة

رغم أن صندوق النقد يرى أن ميزان المخاطر أصبح أكثر توازنًا مقارنة بتقديرات أبريل، فإنه يؤكد أن المخاطر السلبية لا تزال هي الغالبة، وفي مقدمتها احتمال تجدد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وتسارع الانقسام التجاري العالمي، وتصحيح حاد في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، بما قد يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية عالميًا وتراجع الاستثمارات.

في المقابل، يرى الصندوق أن التوصل إلى اتفاقات سلام دائمة، وانخفاض أسعار الطاقة بوتيرة أسرع، وتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية، قد ترفع معدلات النمو العالمي فوق السيناريو الأساسي خلال السنوات المقبلة.