التكامل ساعد المملكة في الحفاظ على تصنيف ائتماني قوي برغم التقلبات العالمية
"نظام الاستثمار" وقوانين التخصيص منحا المستثمر أرضية قانونية مستقرة
التكامل ساعد المملكة في الحفاظ على تصنيف ائتماني قوي برغم التقلبات العالمية
شدد خبير تنمية القدرات البشرية وريادة الأعمال الدكتور إبراهيم أحمد الغامدي على أهمية إسهامات الحوكمة في تعزيز ثقة المستثمرين وجذب الاستثمارات في المملكة. وقال، «الاستثمار لا يتحرك إلا حيث توجد الثقة، والحوكمة هي التي صنعت هذه الثقة في السوق السعودية، فمن خلال نشر الميزانيات وتقارير الأداء عبر مبادرات مثل «ميزانية المواطن» حيث أصبحت الصورة المالية للدولة واضحة ومكشوفة، وهو ما يراه الغامدي خطوة أساسية لطمأنة المستثمر، ويضيف أن وضوح الأنظمة وتحديث نظام الاستثمار وقوانين التخصيص منح المستثمر الأجنبي والمحلي أرضية قانونية مستقرة، بينما لعب دور هيئة «نزاهة» في مكافحة الفساد دوراً محورياً في خلق بيئة عادلة وتنافسية، كما أن إلزام الشركات المدرجة بمعايير هيئة السوق المالية رفع من جودة الإفصاح والشفافية، ويرى الغامدي أن انعكاس كل ذلك كان واضحاً في صعود تصنيف المملكة في مؤشرات التنافسية العالمية وجاذبية السوق.
وعن مستقبل الحوكمة خلال 5-10 السنوات القادمة، يتوقع أن تدخل المملكة مرحلة «الحوكمة الذكية» التي تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات لحظية أدق وأسرع، ويؤكد الغامدي أن معايير البيئة والمجتمع والحوكمة ستكون حاضرة بقوة في تقييم أداء المؤسسات، إلى جانب ظهور نماذج مرنة للحوكمة في المدن الاقتصادية الجديدة مثل نيوم والقدية كنموذج تختبر فيه الدولة مفاهيم جديدة، كما لفت إلى أن ربط مكافآت الإدارة العليا بمؤشرات الأداء الحقيقية سيصبح القاعدة وليس الاستثناء، وهو ما سيعز ثقافة المساءلة.
وقال، ترى رؤية المملكة 2030 في الحوكمة الرشيدة ركيزة لا يمكن تجاوزها لتحويل الطموحات الوطنية إلى واقع اقتصادي قابل للقياس، ومن منظور الغامدي فإن الحوكمة لم تعد إجراءً إدارياً روتينياً في وقتنا الحالي، حيث أصبحت الأداة التي تضمن تحويل الخطط إلى نتائج، وتعز الثقة داخل السوق، وترشد الموارد لتحقيق استدامة مالية حقيقية، وحول العلاقة بين الحوكمة والتصنيف الائتماني يربط الغامدي مباشرة بين جودة الحوكمة وقوة التصنيف الائتماني للدولة، وقال : «استقرار السياسات يقلل من المخاطر السياسية التي تخشاها وكالات التصنيف، والشفافية المالية تمنح مصداقية لأرقام الدين العام، وكفاءة المؤسسات تثبت قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، ويرى أن هذا التكامل هو ما ساعد المملكة في الحفاظ على تصنيف ائتماني قوي رغم تقلبات الاقتصاد العالمي، ويؤكد الغامدي أن الحوكمة هي الأداة الأهم لضمان أن كل ريال يُنفق يحقق أثراً. ويتجلى ذلك في ربط الميزانية بالأداء عبر مركز «أداء»، وفي التحول الرقمي عبر منصات «اعتماد» و «فرص» التي قللت من البيروقراطية، مؤكداً أن ترشيد الإنفاق وإيقاف ازدواجية المشاريع كان نتيجة مباشرة لحوكمة أوضح، وهو ما ساهم في تنويع مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط كهدف استراتيجي لرؤية 2030. وحول دور الحوكمة في رفع تنافسية الاقتصاد السعودي، يوضح الغامدي أن نصف مؤشر التنافسية العالمي يقيس «كفاءة المؤسسات»، وهذا هو صلب عمل الحوكمة، فالتحسينات التي طرأت على سهولة الأعمال وجودة القضاء التجاري وسرعة الإجراءات لم تأت من فراغ. ويشير إلى أن هذا التراكم هو ما قاد المملكة للوصول إلى المركز 17 عالمياً في التنافسية، وهو قفزة تعكس أثر الحوكمة على جاذبية الاقتصاد.
ومن زاوية قياس العائد الاقتصادي من خلال الحوكمة يرى أن العائد من الحوكمة لا يقاس بشعارات بل بأرقام، فعلى المستوى المالي يظهر في خفض التكاليف ورفع العائد على الاستثمار، وعلى المستوى التشغيلي في تقليل زمن الإنجاز ونسبة الأخطاء، وعلى مستوى المخاطر ينعكس في تراجع القضايا والغرامات، وعلى المستوى السوقي في تحسن سعر السهم وانخفاض تكلفة الاقتراض.
وبشأن دور الحوكمة في الحد من الهدر وزيادة الإنتاجية، يشدد الغامدي على أن فصل الصلاحيات والتدقيق المستمر والمنافسات الإلكترونية أوجدت سياجاً يمنع الهدر قبل وقوعه، وفي المقابل فإن وضوح مؤشرات قياس الأداء وربطها بالمساءلة ضاعف من إنتاجية الجهات وسرّع من وتيرة تنفيذ المشاريع. ويرى أن هذه المعادلة هي التي حولت الحوكمة من نظرية إلى أثر ملموس في الشارع الاقتصادي.
وعن الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، يشير إلى أن رحلة الحوكمة لم تكتمل بعد. فهناك حاجة ملحة لتطوير حوكمة الشركات العائلية وآليات توريث الأعمال لضمان استمراريتها، كما أن قياس العائد الاجتماعي للمشاريع أصبح ضرورة، ويضيف الغامدي أن ملف حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي سيكون التحدي الأكبر القادم، إلى جانب بناء نماذج حوكمة خاصة بالمشاريع الكبرى «Giga Projects» لضمان إدارتها بكفاءة توازي حجمها.
وختم الغامدي بالتأكيد على أن الحوكمة لم تعد خياراً إدارياً يمكن تأجيله، حيث أصبحت ضرورة اقتصادية وطنية ملحة وحتمية، فهي المحرك الفعلي الذي يحول مستهدفات الرؤية من أرقام على الورق إلى نمو واستثمار ووظائف واستدامة.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.