هل اقترب عصر ما بعد الدولار؟
في كل مرة تهتز فيها الأسواق العالمية، أو تندلع أزمة مالية أو جيوسياسية، يتكرر المشهد نفسه: المستثمرون يفرون إلى الدولار. هذه المفارقة تثير سؤالاً طالما شغل الاقتصاديين وصناع القرار؛ لماذا يظل الدولار الملاذ الأول حتى عندما تكون الولايات المتحدة نفسها جزءاً من الأزمة؟ وهل يمكن أن يفقد يوماً مكانته كأهم عملة في العالم؟ دولارنا مشكلتكم يجيب الاقتصادي الأمريكي كينيث روغوف، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، عن هذه الأسئلة في كتابه "دولارنا... مشكلتكم"، الذي يقدم قراءة تاريخية وتحليلية لم…
هل اقترب عصر ما بعد الدولار؟
كلما اضطربت الأسواق العالمية أو نشبت أزمة مالية أو جيوسياسية، يعيد المستثمرون الكرة: الهرب نحو الدولار. وتطرح هذه الظاهرة تساؤلاً قديماً لدى الاقتصاديين وصناع القرار: لماذا تظل العملة الأميركية الملاذ الآمن حتى حين تكون واشنطن طرفاً في الأزمة؟ وهل يمكن أن تفقد هيمنتها يوماً كأهم عملة في العالم؟
وتأتي هذه التساؤلات في وقت تتزايد فيه الدعوات لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة والمالية الدولية.
دولارنا مشكلتكم
يقدم كينيث روغوف، الخبير الاقتصادي الأميركي والرئيس السابق لقسم البحوث في صندوق النقد الدولي، إجابات في مؤلفه "دولارنا... مشكلتكم"، حيث يتتبع تاريخ الدولار من الحرب العالمية الثانية إلى الحاضر، معتمداً على سبعة عقود من التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
يرى روغوف أن هيمنة الدولار لم تكن نتيجة القوة الاقتصادية الأمريكية وحدها، بل جاءت أيضاً بفضل مزيج من المؤسسات القوية، وعمق الأسواق المالية، والنفوذ العسكري والسياسي، إلى جانب إخفاق المنافسين في تقديم بديل قادر على انتزاع الصدارة.
ويستهل المؤلف كتابه باستعادة عبارة شهيرة أطلقها وزير الخزانة الأمريكي جون كونالي عام 1971، عقب قرار الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى الذهب، حين قال لنظرائه الأوروبيين: «إنه دولارنا... لكنه مشكلتكم». ومن هذه العبارة ينطلق لتفسير الكيفية التي تحول بها الدولار إلى محور النظام المالي العالمي.
العملات الاحتياطية
ويذكر روغوف أن العملات الاحتياطية عبر التاريخ تنوعت بين البيزو الإسباني والفلورن الهولندي والجنيه الإسترليني، مشيراً إلى أن متوسط دورة حياة عملة الاحتياط يتراوح بين قرن وقرنين.
وبالمقارنة مع هذه الدورات التاريخية، يرى أن الدولار لا يزال في منتصف عمره تقريباً، ما يعني أن نهاية هيمنته ليست وشيكة، وإن كانت طريقه المستقبلية لن تكون خالية من التحديات.
ويرى المؤلف أن صعود الدولار لم يكن حتمياً، بل نتج عن مزيج من القرارات السياسية والظروف الدولية المواتية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حاولت قوى اقتصادية عديدة منافسة العملة الأمريكية، إلا أن جميعها واجه عقبات حالت دون نجاحه.
في السياق ذاته، يستعرض روغوف أبرز هذه المحاولات، بدءاً من الاتحاد السوفييتي الذي عجز عن مواصلة سباق النمو والابتكار خلال الحرب الباردة، مروراً باليابان التي بدت في ثمانينيات القرن الماضي مرشحة لتجاوز الولايات المتحدة بعدما تجاوزت أسعار عقاراتها وأسواقها المالية نظيرتها الأمريكية، قبل أن يقود اتفاق بلازا عام 1985 إلى ارتفاع الين وإبطاء الاقتصاد الياباني بصورة طويلة الأمد.
عملة اليورو
أما أوروبا، فقد نجحت في إنشاء عملة موحدة هي اليورو، إلا أن أزمة الديون السيادية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وعودة الضغوط التضخمية، حدّت من قدرة العملة الأوروبية على منافسة الدولار بصورة فعلية.
وفي المقابل، تمثل الصين اليوم أبرز المنافسين المحتملين، لكنها تواجه تحديات متزايدة، أبرزها تباطؤ النمو، وأزمة القطاع العقاري، وضعف الاستهلاك المحلي، واعتماد نموذجها الاقتصادي بدرجة كبيرة على الصادرات، وهي عوامل يرى المؤلف أنها تقلص فرص اليوان في الحلول محل الدولار خلال المستقبل المنظور.
ويؤكد روغوف أن الولايات المتحدة استفادت من موقعها الريادي بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وضع نظام بريتون وودز الدولار في قلب النظام النقدي العالمي.
كما عززت مكانتها عبر مؤسسات قانونية قوية تحمي المستثمرين، وأسواق مالية هي الأكبر والأكثر سيولة، واتفاقيات تبادل العملات بين البنوك المركزية، إضافة إلى القوة العسكرية الأمريكية التي وفرت مظلة للاستقرار المالي العالمي.

ميزة استثنائية
يلفت روغوف إلى أن هذه العوامل تمنح الاقتصاد الأمريكي ميزة استثنائية؛ فحتى خلال الأزمات، تتدفق رؤوس الأموال إلى الدولار بدلاً من الهروب منه، ما يسمح للحكومة الأمريكية بالاقتراض بتكاليف أقل مقارنة بالدول الأخرى، ويجعل تجاوز الدولار أكثر تعقيداً مما يبدو.
ويتناول الكتاب كذلك ما يعرف بـ«معضلة تريفين»، التي تشرح الصعوبة التي تواجهها الدول عند محاولة الجمع بين سعر صرف ثابت، وحرية حركة رؤوس الأموال، وسياسة نقدية مستقلة في الوقت نفسه.
ويشير روغوف إلى أن كثيراً من الدول فضلت ربط عملاتها بالدولار للاستفادة من استقراره ومصداقية السياسة النقدية الأمريكية، الأمر الذي ساعدها على كبح التضخم وتعزيز الثقة في اقتصاداتها، لكنه في المقابل حدّ من قدرتها على إدارة سياساتها النقدية بصورة مستقلة.
ويضرب المؤلف أمثلة بدول مثل المكسيك، والبرازيل، وروسيا، ولبنان، والأرجنتين، وفنزويلا، موضحاً أن الاعتماد المفرط على ربط العملات بالدولار قد يتحول إلى عبء عندما تتغير الظروف الاقتصادية أو تتعرض العملات المحلية لضغوط من المضاربين.
تثبيت سعر الصرف
كما يستعرض المؤلف تطور نماذج إدارة السياسات الاقتصادية، موضحاً أن ما يعرف بـ«توافق طوكيو» جاء ليشكل حلاً وسطاً بين «توافق واشنطن» الذي دعا إلى تحرير الأسواق وتعويم العملات، و«توافق بوينس آيرس» الذي فضل التدخل الحكومي وربط العملات.
ويعتمد النموذج الياباني على أسعار صرف أكثر مرونة، مع الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة من الدولار، وفرض بعض القيود على حركة رؤوس الأموال، وتعزيز الرقابة المالية، وهي سياسات استخلصت من دروس الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات.
العملات الرقمية
ولا يغفل الكتاب التطورات التكنولوجية، إذ يناقش تأثير العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، والعملات المشفرة، والعملات المستقرة، مشيراً إلى أن هذه الابتكارات قد تمثل مستقبلاً تحدياً جزئياً للدولار، خصوصاً في الاقتصاد غير الرسمي والتحويلات العابرة للحدود، لكنها لا تزال بعيدة عن إزاحة العملة الأمريكية من موقعها المركزي.
ويؤكد روغوف أن المكانة العالمية للدولار منحت الولايات المتحدة امتيازات اقتصادية وجيوسياسية ضخمة، من بينها انخفاض تكلفة الاقتراض، وقدرة الاحتياطي الفيدرالي على توفير السيولة العالمية في أوقات الأزمات، فضلاً عن النفوذ الذي تمنحه واشنطن لنفسها عبر النظام المالي الدولي، بما في ذلك استخدام العقوبات المالية كأداة ضغط على الدول والكيانات المخالفة لسياساتها.

الامتياز الباهظ
ومع ذلك، يوضح المؤلف أن هذه الهيمنة لم تُفرض بالقوة وحدها، بل جاءت نتيجة الثقة العالمية في الأسواق والمؤسسات الأمريكية، وقدرتها على تخصيص رؤوس الأموال بكفاءة أكبر من أي منافس آخر، وهو ما منح الولايات المتحدة ما يصفه الاقتصاديون بـ"الامتياز الباهظ".
ورغم دفاعه عن استمرار قوة الدولار، يرى روغوف أن الخطر الحقيقي لا يأتي من بكين أو بروكسل، بل من داخل الولايات المتحدة نفسها.
بحسب توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس، قد ترتفع نسبة الدين العام الأمريكي إلى نحو 166% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2054، في وقت تجاوزت فيه الالتزامات الأمريكية الخارجية، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، العوائد التي تحققها أصولها الخارجية.
كما ارتفع صافي الالتزامات الخارجية للولايات المتحدة من نحو 17% من الناتج المحلي في عام 2010 إلى أكثر من 70% خلال عام 2024، وهو ما يصفه المؤلف بـ«معضلة تريفين الحديثة»، حيث لم تعد المشكلة مرتبطة بقدرة الذهب على تغطية الدولار كما كان الحال سابقاً، بل بقدرة الاقتصاد الأمريكي نفسه على تحمل تراكم الديون والالتزامات المالية مستقبلاً.
استقلالية الفيدرالي
ويحذر أيضاً من أن الضغوط السياسية المتزايدة على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد تهدد أحد أهم عناصر قوة الدولار، لأن استقلال البنك المركزي يمثل حجر الأساس في ثقة المستثمرين بالعملة الأمريكية.
وإذا تزامنت مستويات الدين المرتفعة مع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد التدخل السياسي في السياسة النقدية، فقد تصبح إدارة التضخم أكثر صعوبة، وهو ما سينعكس على مكانة الدولار مستقبلاً.
ويختتم روغوف كتابه بالتأكيد على أن الدولار سيظل العملة الأولى عالمياً خلال السنوات المقبلة، لكنه قد يحتفظ بهذه المكانة في عالم أكثر تعددية، تتقاسم فيه قوى اقتصادية أخرى جزءاً أكبر من النفوذ المالي.
ويخلص إلى أن تراجع الدولار، متى حدث، لن يكون مجرد مشكلة أمريكية، بل سيهز استقرار النظام المالي العالمي بأكمله، لأن العملة التي قادت الاقتصاد الدولي لعقود طويلة أصبحت جزءاً أساسياً من توازناته، وأي تغير جذري في مكانتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الولايات المتحدة إلى العالم بأسره.
المصدر: موقع إل إس إي
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
ويخلص روغوف إلى أن الدولار لا يزال في منتصف عمره، لكنه يواجه تحديات متزايدة من اليورو واليوان. غير أن تاريخ العملات الاحتياطية يشير إلى أن التحولات الكبرى تستغرق عقوداً، مما يجعل أي تغيير وشيك في منظومة المال العالمي أمراً مستبعداً على المدى القريب. وبينما تظل العملة الأميركية مهيمنة، تشير تجارب الماضي إلى أن هيمنة العملات الاحتياطية قد تستمر قروناً لكنها ليست أبدية.
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.