مع شروع القوات المسلحة اللبنانية في دخول أولى "المناطق التجريبية" بجنوب البلاد، تخوض خطوة تنفيذ اتفاق الإطار أول امتحان عملي لها، بالتوازي مع مساعي الدولة لتعزيز حضورها الميداني بالتعاون مع "اليونيفيل" وآليات التنسيق العسكري، في وقت تظل فيه ثمار هذه الخطوة مرهونة بموقف الطرف الإسرائيلي من مسألة الانسحاب وقدرة المؤسسة العسكرية على استكمال انتشارها.

تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت يسعى فيه الأطراف المعنيون إلى احتواء التوترات وتثبيت التهدئة عبر قنوات التواصل المشتركة.

ويوم الثلاثاء، شرعت تشكيلات عسكرية للجيش في التموضع ببلدة زوطر الغربية التابعة لقضاء النبطية بالشراكة مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، ضمن مسار توسيع الحضور العسكري بالجنوب، بينما أصدرت القيادة توجيهات للأهالي تفيد بعدم العودة للبلدة حتى يستتب الوضع الأمني.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني لاحقاً أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار قرب الوحدات العسكرية أثناء تنفيذ المهمة داخل زوطر الغربية، ما عرّض العسكريين للخطر وأعاق عملية الانتشار، مؤكدة أن انتشار الجيش اقتصر على زوطر الغربية، مطالبة إسرائيل بمعالجة أي إشكال عبر قنوات التنسيق الرسمية مع مجموعة (MCG4L)، بدلاً من اللجوء إلى الاعتداءات.

وأوضح العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، أكرم سريوي لـ"الشرق"، خريطة الانتشار الميداني لوحدات الجيش اللبناني التي دخلت إلى زوطر الغربية، وهي بلدة لم تكن القوات الإسرائيلية تحتلها بشكل مباشر، لكنها كانت متمركزة على أطرافها، مشيراً إلى أن وحدات الجيش انتشرت، وأن الفرق الهندسية بدأت بعمليات تمشيط للبحث عن الذخائر غير المنفجرة وتأمين المنطقة، فيما طلبت قيادة الجيش من الأهالي الانتظار إلى حين انتهاء عمليات المسح والتأكد من سلامة المكان.

وفيما يتعلق ببلدات فرون، الغندورية، قلويه، وبرج قلويه، أفاد الجيش بتسيير دوريات ميدانية ونصب حواجز ونقاط تفتيش ومراقبة، بيد أن التواجد فيها لم يبلغ بعد مرحلة السيطرة الميدانية التامة على غرار ما جرى في زوطر الغربية، لارتباط ذلك بجدول الانسحاب الإسرائيلي.

وفي زوطر الشرقية، وهي البلدة الملاصقة لزوطر الغربية، لم ينتشر الجيش اللبناني بعد بسبب استمرار وجود القوات الإسرائيلية فيها.

ولفت سريوي إلى أن "الجيش اللبناني كان موجوداً أصلاً في منطقة جنوب الليطاني قبل اندلاع المعارك مجدداً في بداية مارس الماضي، وهو يمتلك حالياً أكثر من 8 آلاف جندي جاهزين للانتشار وبسط سلطة الدولة".

وتابع: "التحدي الأساسي يكمن في الحاجة إلى مزيد من التجهيزات والآليات والفرق الهندسية، لأن المنطقة تُصنف من المناطق الخطرة بسبب وجود كميات كبيرة من الألغام والذخائر غير المنفجرة"، مرجحاً أن يتم تنفيذ الانتشار على مراحل، تبدأ بالطرق العامة ثم تنتقل لداخل القرى لتسهيل عودة السكان، بالتوازي مع إطلاق ورشة إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية.

من يتولى عملية التحقق؟

وأوضح العميد المتقاعد في الجيش اللبناني أنه لا يزال هناك خلاف بشأن الجهة التي ستتولى عملية التحقق، وكيفية تشكيل لجان التنسيق، ويمكن أن تتم معالجة هذه المسألة بعد وصول الجنرال الأميركي الذي سيقود هذه العملية.

وقال: "المشكلة الأساسية أن إسرائيل ترفض أي دور لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، كما تعترض على مشاركة فرنسا، وهذا يعقّد المشهد، خصوصاً أن عدد العناصر الأميركية الموجودة حالياً غير كافٍ لمواكبة عملية واسعة تحتاج إلى وجود ميداني يرافق الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، منعاً لتكرار الاحتكاكات التي حصلت في زوطر الغربية".

وفيما يتعلق بمستقبل القوات الدولية يرى سريوي أنها مهددة بالمغادرة نهاية العام الحالي بعد عدم التجديد لها، في ظل رفض أميركي وإسرائيلي لاستمرار وجودها بصيغتها الحالية، موضحاً أن لبنان، بالتنسيق مع عدد من الدول الصديقة، يتمسك ببقاء القوات الدولية لمساعدة الجيش في بسط سلطة الدولة في الجنوب، لافتاً إلى أن الحل قد يكون عبر اتفاقات ثنائية مع الدول الراغبة في إبقاء قواتها، أو من خلال تحرك فرنسي داخل مجلس الأمن لطلب تمديد مهمة "اليونيفيل".

واعتبر سريوي أن "المشكلة الأساسية تكمن في غموض الاتفاق، فهو لم يحدد سقوفاً زمنية واضحة للانسحاب الإسرائيلي، ولم يحدد عدد المناطق التجريبية التي ستُقسم إليها المنطقة المحتلة، إضافة إلى عدم وضوح آلية التحقق والجهة المخولة بإعلان انتهائها ونجاح الجيش اللبناني في مهمته، وهذا الأمر يمسّ بالسيادة اللبنانية، لأنه من غير المقبول إخضاع عمل الجيش اللبناني على أرض لبنانية لرقابة سلطة خارجية".

كما أن غموض الاتفاق يفتح الباب أمام المماطلة الإسرائيلية، وقد يجعل تنفيذ الانسحاب عملية طويلة تمتد لسنوات، كما أن الاتفاق تجاوز عملياً القرار الدولي 1701، وكذلك الاتفاق السابق لعام 2024 الذي نص على مهلة 60 يوماً للانسحاب الإسرائيلي".

أضاف: "بالنسبة للجيش اللبناني وحزب الله، هناك قرار واضح بأن يتولى الجيش مسؤولية الانتشار في منطقة جنوب الليطاني، لا سيما أن المناطق التي يُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية لا تشهد أي وجود لحزب الله، فيما يبدي الجيش جاهزية كاملة لمنع عودة أي مجموعات مسلحة إليها. لكن يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بكيفية تعاطي الولايات المتحدة وإسرائيل مع المرحلة المقبلة، ولا سيما إذا جرى ربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بملف نزع سلاح حزب الله على امتداد الأراضي اللبنانية".

إسرائيل و"المنطقة الصفراء"

ورأى الأمين العام للمركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية، عبد الله ريشا، أن تنفيذ المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان يشكل اختباراً حاسماً لمسار الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، لكنه شدد على أن الموقف الإسرائيلي المعلن لا يزال يستبعد أي انسحاب من "المنطقة الصفراء" (تعرف أيضاً بالخط الأصفر وهو شريط حدودي عازل يمتد داخل الأراضي اللبنانية بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات، فرضه الجيش الإسرائيلي كأمر واقع خلال العمليات العسكرية)، ما يجعلها العقبة الأساسية أمام أي تقدم في المفاوضات.

وأكد ريشا لـ"الشرق"، أن نجاح هذا المسار سيمنح محادثات روما المرتقبة دفعة إضافية، بينما سيؤدي تعثره إلى إبطاء العملية التفاوضية، لافتاً إلى أن الملف اللبناني يظل مرتبطاً بشكل وثيق بالتطورات الإقليمية، ولا سيما العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.

واعتبر أن الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب من نقاط "المنطقة التجريبية الأولى" لا يعني بالضرورة استعداد تل أبيب لتكرار الآلية نفسها في مراحل لاحقة، مشيراً إلى أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب توقيع اتفاق الإطار مع لبنان، تؤكد أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من "المنطقة الصفراء" أو المنطقة العازلة، بل تعتبرها ضرورة لحماية مستوطنات الشمال.

وأضاف ريشا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها إنجازاً استراتيجياً وعسكرياً، وربما أيديولوجياً أيضاً، ما يجعل فرص التفاوض بشأنها محدودة في ظل تركيبة الائتلاف الحاكم الحالية في تل أبيب.

 وأوضح أن هامش المناورة يقتصر على "المناطق التجريبية" الواقعة خارج الخط الأصفر، سواء في أجزاء من شمال الليطاني أو بعض المناطق جنوبه، وفقاً للتقديرات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

وأشار إلى وجود فرق بين مفهومي "إعادة الانتشار" و"الانسحاب الكامل"، موضحاً أن إعادة الانتشار لا تعني إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي بشكل نهائي، وإنما تقتصر على إعادة تموضع القوات في مواقع أخرى. وبناءً على ذلك، سيبقى انتشار الجيش اللبناني مقتصراً على المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية أو تلك التي لا تخضع لسيطرتها الميدانية المباشرة، حتى وإن ظلت ضمن نطاق السيطرة النارية أو العملياتية للجيش الإسرائيلي.

موقف "حزب الله"

وعن موقف "حزب الله"، قال ريشا إن الحزب قد يكون أكثر استعداداً للتعامل مع ترتيبات أمنية في جنوب الليطاني، باعتبار أن هذه المنطقة تدخل أساساً ضمن إطار القرار 1701 والتفاهمات التي أعقبت حرب عام 2024.

في المقابل، استبعد الأمين العام للمركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية، أن يبدي الحزب مرونة حيال أي ترتيبات تمتد إلى شمال الليطاني، الذي يُنظر إليه داخلياً على أنه خارج نطاق تلك التفاهمات.

وأضاف أن هذا الموقف يبقى مرهوناً بالتطورات الإقليمية، موضحاً أن أي تصعيد عسكري بين إيران والولايات المتحدة أو أي تحول كبير في المواجهة الإقليمية قد يقلص فرص قبول "حزب الله" حتى بالترتيبات الخاصة بجنوب الليطاني، ما يجعل الملف اللبناني مرتبطاً بشكل مباشر بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران.

محادثات روما

وفي تقييمه لتأثير تنفيذ "المناطق التجريبية" على محادثات روما المرتقبة، أكد ريشا أن نجاح المرحلة الأولى سيعزز الثقة بين الأطراف ويفتح الباب أمام الانتقال إلى مراحل لاحقة، فيما سيؤدي تعثرها إلى إدخال المفاوضات في مرحلة من الشكوك قد تؤدي إلى تباطؤها أو توقفها.

وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الالتزامات الأمنية التي قد يتم الاتفاق عليها، وهو ما يتطلب توافقاً سياسياً داخلياً إلى جانب القرار العسكري.

واعتبر أن استمرار مسار محادثات روما يحتاج إلى تقدم تدريجي في تنفيذ المناطق التجريبية وفق جدول زمني واقعي يراكم الثقة بين الأطراف، إلا أن سقف أي تقدم سيبقى مرتبطاً بالموقف الإسرائيلي من "المنطقة الصفراء"، التي لا تزال تمثل، وفق التصريحات الإسرائيلية الحالية، الخط الأحمر في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام خلال جولة في بلدة زوطر الغربية، الأربعاء، أن انتشار الجيش اللبناني يمثل لحظة وطنية ذات أبعاد سياسية ومعنوية كبيرة، باعتبارها بداية مسار الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

وأشار سلام إلى أن الدولة ستبدأ، بالتزامن مع انتشار الجيش، العمل على فتح الطرقات وإزالة الركام وتأمين الخدمات الأساسية للأهالي، مؤكداً أن الحكومة ستسخّر كل إمكاناتها لمواكبة عودة سكان الجنوب إلى بلداتهم.

وفي تصريحات للصحافيين عند مدخل بلدة زوطر الغربية، قال رئيس البلدية عبد عز الدين إن أهالي البلدة ينتظرون بياناً من قيادة الجيش اللبناني يسمح لهم بالدخول إليها. ووجّه مناشدة إلى رئيس الحكومة لتوفير ضمانات تكفل عودة آمنة للسكان، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وبقاء جزء من أراضي البلدة تحت الاحتلال.

تكتسي هذه المرحلة أهمية بالغة نظراً لتعقيدات المشهد الأمني في الجنوب اللبناني وتداخل الاعتبارات الميدانية والسياسية. ويشكل التعامل مع مخلفات الحرب من ذخائر وألغام تحدياً رئيسياً أمام عودة المدنيين الآمنة واستئناف الحياة الطبيعية. كما تبقى المتابعة ملتصقة بمدى فاعلية آليات التنسيق المشتركة في تطويق الخلافات ومنع الاحتكاكات الميدانية. وستبقى الأيام المقبلة حاسمة في اختبار قدرة الأطراف على الالتزام بمسار التهدئة وتوفير الغطاء الضروري لعمل المؤسسات الرسمية.