العيش في إيران... انحدار متسارع نحو الفقر
ملخص
تشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم يفرض عبئاً أكبر على الشرائح الأقل دخلاً، إذ تجاوز المعدل السنوي لدى الشريحة الأولى، وهي الأقل دخلاً في المجتمع، 100 في المئة، فيما سجلت 11 محافظة إيرانية معدلات تضخم من ثلاث خانات، من بينها إيلام وكردستان ولرستان وأذربيجان الغربية وكرمنشاه وكلستان وخراسان الشمالية.
"منذ أشهر لم أشتر لنفسي أي شيء. لقد استغنينا عن اللحوم تماماً، ولم نعد نتناول الطعام خارج المنزل"... بهذه الكلمات يصف أحد سكان طهران واقع حياته اليوم. وهي ليست رواية استثنائية، بل باتت تتكرر بصيغ وعبارات مختلفة في مدن إيرانية عديدة، لتعكس حجم الأزمة المعيشية التي يعيشها الإيرانيون.
فهذا متقاعد يتحدث عن عجزه عن شراء الخبز والدواء، وأم اضطرت إلى العودة مع أطفالها إلى منزل والديها بعدما عجزت عن دفع إيجار المنزل، وعامل يرى أن مرضاً بسيطاً كان بداية الانهيار المالي لأسرته، ومريض ارتفعت كلفة أدويته خلال أسابيع قليلة إلى عدة أضعاف. وجميعهم يرسمون الصورة نفسها للاقتصاد الإيراني اليوم.
وأعلن البنك المركزي الإيراني، في أحدث تقاريره، أن معدل التضخم السنوي حتى يونيو (حزيران) الماضي، بلغ 57.7 في المئة، فيما وصل معدل التضخم السنوي مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025 إلى 83 في المئة.
في حين قفز تضخم أسعار المواد الغذائية إلى نحو 135 في المئة، مما يعني أن أسعار السلع الغذائية خلال يونيو الماضي، أصبحت في المتوسط، أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025.
لكن بالنسبة إلى الإيرانيين الذين يواجهون يومياً ارتفاع أسعار الخبز والدجاج والإيجارات والأدوية ووسائل النقل، لا تمثل هذه الأرقام مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعكس واقعاً يومياً يتمثل في الانهيار المتواصل للقدرة الشرائية، والاستغناء التدريجي عن السلع الأساس من سلة الأسرة.
وتحدث أحد سكان طهران لـ"اندبندنت فارسية" عن أن أسرته توقفت تماماً عن شراء اللحوم، ولم تشتر منذ أشهر أي سلع غير ضرورية، وحذفت تناول الطعام خارج المنزل والذهاب إلى المقاهي من نمط حياتها بصورة كاملة.
ومع ذلك، يؤكد أن وضع أسرته لا يزال أفضل من أوضاع كثير من الأسر الأخرى، وهي عبارة تعكس أن الفقر في إيران لم يعد يقتصر على الشرائح ذات الدخل المنخفض، بل باتت الطبقة الوسطى نفسها تدفع، يوماً بعد آخر، إلى مزيد من التقشف القسري، والاستغناء عن حاجاتها الأساس، وتراجع مستوى معيشتها.
![]()
لم يعد الفقر في إيران يقتصر على الشرائح ذات الدخل المنخفض بل تدفع الطبقة الوسطى نفسها الثمن (أ ف ب)
وفي رواية أخرى، تروي أم تعيل أسرتها كيف أدى ارتفاع الإيجارات وأسعار المواد الغذائية إلى تفكك نمط الحياة الطبيعي للعائلات، مؤكدة اضطرارها إلى العودة للعيش في منزل والديها بعدما عجزت عن دفع إيجار منزلها، وموضحة أن كامل دخلها يذهب إلى تأمين الحد الأدنى من المواد الغذائية الأساس، حتى إنها لم تعد قادرة على شراء لعبة بسيطة لطفلها.
وفي ظل هذه الظروف، تحول الخبز الذي ظل لأعوام الملاذ الأخير للأسر الإيرانية محدودة الدخل إلى أحد أبرز مؤشرات الأزمة المعيشية، فالعائلات التي كانت قد خفضت أو ألغت استهلاك اللحوم والدجاج ومنتجات الألبان والأرز، باتت تواجه اليوم أزمة جديدة مع الارتفاع الحاد في أسعار الخبز، إذ وصل سعر رغيف البربري إلى نحو 30 ألف تومان (نحو 0.20 دولار)، فيما بلغ سعر رغيف التفتون 15 ألف تومان (نحو 0.10 دولار)، وهو ما يعني أن آخر ما تبقى على موائد هذه الأسر أصبح هو الآخر عرضة لضغوط الغلاء.
ولا تقتصر الأزمة الحالية على الغذاء وحده، بل امتدت أيضاً إلى القطاع الصحي، الذي أصبح أحد أبرز العوامل التي تدفع مزيداً من الأسر إلى ما دون خط الفقر.
ونقلت وكالة "إيلنا" للأنباء عن الناشط العمالي مازيار كيلاني نجاد قوله، إن مجرد تشخيص طبي بسيط قد يشكل بالنسبة إلى الأسر العمالية بداية انهيار مالي كامل. وأضاف أن غياب التغطية التأمينية الشاملة وارتفاع كلف العلاج وفقدان الدخل خلال فترة المرض، تمثل معاً ثلاثة عوامل رئيسة تدفع الأسرة العاملة خلال فترة قصيرة إلى الوقوع في براثن الفقر.
وتبرز سوق الأدوية مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تظهر مقارنة بين إيصالين لشراء الوصفة الطبية نفسها الخاصة بعقار "نوفوميكس فليكس بن" المخصص لعلاج مرضى السكري، أن المبلغ الذي يتحمله المريض ارتفع خلال نحو 50 يوماً فحسب من 159 ألف تومان (نحو 1.06 دولار) إلى أكثر من 3 ملايين و900 ألف تومان (26 دولاراً)، أي بزيادة تجاوزت 24 ضعفاً.
وفي المقابل، ارتفع السعر الإجمالي للدواء 40 في المئة، إلا أن بقاء مساهمة شركات التأمين عند مستوياتها السابقة أدى إلى انتقال الجزء الأكبر من كلفة العلاج مباشرة إلى المرضى.
أما بالنسبة إلى المصابين بالأمراض المزمنة، فإن هذا الارتفاع لم يعد مجرد زيادة في الأسعار، بل أصبح تهديداً لاستمرار العلاج نفسه. فعندما يضطر مريض السكري إلى المفاضلة بين شراء الدواء، أو دفع إيجار المنزل، أو توفير الغذاء لأسرته، فهذا يعني أن الأزمة الاقتصادية في إيران دخلت أخطر مراحلها.
وقال رجل يبلغ من العمر 54 سنة، أمضى أعواماً طويلة عاملاً في أحد مصانع قطع غيار السيارات بضواحي طهران، إنه "كان، حتى قبل عامين، قادراً على تغطية إيجار منزله ونفقات معيشة أسرته بفضل ساعات العمل الإضافية، إلا أن دخله اليوم لم يعد يكفي، حتى مع العمل خلال أيام العطل الرسمية".
وأضاف "في السابق، لم يكن يتبقى لي شيء لأدخره مع نهاية الشهر، أما اليوم فأضطر إلى الاستدانة في منتصفه. وكلما تسلمت راتبي أشعر وكأنني أسدد ديون الشهر السابق فقط".
اقرأ المزيد- إيران تراهن على هرمز لتغيير قواعد المواجهة مع واشنطن
- في إيران... حتى الخبز والجبن أصبحا يشتريان بالأقساط
- أسعار الخبز تتضاعف في إيران بسبب عجز الدعم الحكومي
- المرضى الإيرانيون: كلفة الحروب تُدفع من فاتورة العلاج
وفي شهادة أخرى، تقول امرأة تبلغ من العمر 62 سنة، وزوجها متقاعد، إن الطبيب وصف لها عدة أدوية، لكن الأسرة لم تعد قادرة على شراء الوصفة كاملة دفعة واحدة. وأضافت أنه "في كل مرة نذهب فيها إلى الصيدلية، نسأل أولاً عن الأسعار، ثم نقرر أي الأدوية نشتريها، وأيها نؤجله إلى الشهر المقبل. حتى العلاج أصبح يشترى بالتقسيط. ولولا أنني بعت مصوغاتي الذهبية، لما تمكنت حتى من شراء هذه الأدوية".
ويمثل العمال المتضررون من الحرب وجهاً آخر للأزمة المعيشية في إيران، إذ يروي كمال قلي زادة، العامل السابق في إحدى الشركات، لوكالة "إيلنا"، أن منزله تعرض لأضرار جسيمة جراء هجوم صاروخي، وأصبح غير صالح للسكن، إلا أنه وعلى رغم الوعود الرسمية، ظل هو وأفراد أسرته مشردين لأشهر. وأضاف أن السلطات، بدلاً من توفير سكن مناسب، اقترحت عليهم المبيت في ملعب رياضي أو مكتبة أو مسجد.
وفي الوقت نفسه، كشف قلي زادة أن الشركة لم تسدد حتى الآن مستحقاته المالية المتراكمة، مشيراً إلى أن القيمة الفعلية لهذه المستحقات تراجعت، خلال بضعة أشهر، إلى أقل من نصف قيمتها بسبب التضخم، بينما لا تزال الشركة تمتنع عن دفعها.
وفي سوق العقارات، تزداد الضغوط على الأسر الإيرانية يوماً بعد آخر. وقال عضو مجلس إدارة اتحاد مستشاري العقارات تورج سرباز، إن أسعار المساكن ارتفعت بنحو 80 في المئة منذ ما قبل الحرب التي استمرت 39 يوماً.
ويمثل هذا الارتفاع بالنسبة إلى المستأجرين حالاً دائمة من انعدام الاستقرار، حتى لو أظهرت بعض الإحصاءات الرسمية تباطؤاً نسبياً في وتيرة ارتفاع الإيجارات، فإن الزيادة الكبيرة في كلف المعيشة قلصت قدرة الأسر على دفع الإيجارات نفسها التي كانت تتحملها في السابق.
وفي الوقت ذاته، تشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم يفرض عبئاً أكبر على الشرائح الأقل دخلاً، إذ تجاوز المعدل السنوي لدى الشريحة الأولى، وهي الأقل دخلاً في المجتمع 100 في المئة، فيما سجلت 11 محافظة إيرانية معدلات تضخم من ثلاث خانات، من بينها إيلام وكردستان ولرستان وأذربيجان الغربية وكرمنشاه وكلستان وخراسان الشمالية.
وتؤكد هذه الأرقام أن الفقر في إيران لم يعد ظاهرة محصورة في منطقة بعينها أو في فئة اجتماعية محددة، بل أزمة عامة تطاول مختلف شرائح المجتمع. فالمعلم الذي لم يعد راتبه يغطي كلف المعيشة، والعامل الذي يدفعه مرض بسيط إلى الاستدانة، والمتقاعد الذي لم يعد معاشه يكفي لشراء الخبز والدواء، والمستأجر الذي اضطر إلى العودة لمنزل والديه، والعامل الذي فقد منزله جراء الحرب وأصبح بلا مأوى، جميعهم ضحايا لأزمة معيشية واحدة.
وتزداد هذه الأزمة عمقاً، في وقت يواصل النظام الإيراني توجيه جزء كبير من موارد البلاد إلى سياساته العسكرية والنووية والإقليمية.
وفي وقت يشكو الإيرانيون من ارتفاع أسعار الخبز والدواء والإيجارات، جاءت الهجمات الأخيرة في مضيق هرمز، وما رافقها من تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، لتبدد مجدداً الآمال في تخفيف الضغوط الاقتصادية ورفع العقوبات المفروضة على البلاد.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.