ما المفاجأة المقبلة من الصين لأسواق النفط؟
تأتي المفاجأة في رد الصين على الصراع الإيراني لا في خفض أكبر مستورد للنفط الخام لوارداته وعمليات التكرير، بل في حجم هذا الخفض. إذ لطالما خفضت الصين وارداتها عندما ترتفع الأسعار وزادتها حين تنخفض.
تندرج هذه التحركات ضمن استراتيجية الصين لإدارة أمن الطاقة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية.
ومع ذلك، كان انهيار الواردات في يونيو إلى أدنى مستوياتها منذ عقد دراماتيكيًا، خاصة أن أسعار النفط الخام بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير لم ترتفع إلى مستويات 2022 عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانيا.
بلغت واردات الصين من النفط الخام في يونيو 7.12 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر 2016، بانخفاض قدره 41.3% مقارنةً بالشهر نفسه من العام الماضي، وفقًا للبيانات الرسمية. في الظروف العادية، كان من المفترض أن يؤدي انخفاض بهذا الحجم إلى استنزاف كبير لمخزونات الصين، إلا أن هذا لم يحدث.
بل على العكس، خفضت مصافي التكرير الصينية معدلات التكرير إلى 12.47 مليون برميل يوميًا في يونيو، بانخفاض قدره 17.7% مقارنةً بالشهر نفسه من 2025، وهو أدنى مستوى لها منذ مارس 2020، خلال جائحة كوفيد-19.
لا تفصح الصين عن كميات النفط الخام الداخلة إلى مخزوناتها الإستراتيجية والتجارية أو الخارجة منها، ولكن يمكن تقديرها عن طريق طرح كمية النفط المكرر من إجمالي النفط الخام المتاح من الواردات والإنتاج المحلي.
بناءً على ذلك، وبلغت واردات النفط الخام 7.12 مليون برميل يوميًا، بينما بلغ الإنتاج المحلي 4.41 مليون برميل يوميًا، ما يعني أن المصافي كان لديها مخزون إجمالي متاح قدره 11.53 مليون برميل يوميًا. وقد قامت المصافي بتكرير 12.27 مليون برميل يوميًا، أي أنه تم سحب نحو 940 ألف برميل يوميًا من المخزونات، بزيادة عن نحو 500 ألف برميل يوميًا في مايو.
وعلى الرغم من سحب الصين من المخزونات خلال الشهرين الماضيين، إلا أنها عززت احتياطياتها للنصف الأول من العام ككل، بفائض نفط خام يبلغ نحو 530 ألف برميل يوميًا.
ويعود جزء من قدرة الصين على خفض عمليات التكرير بشكل حاد في يونيو إلى فرض بكين قيودًا غير رسمية على صادرات المنتجات المكررة، وهو إجراء يُنظر إليه على أنه وسيلة لضمان إمدادات كافية من الوقود للسوق المحلية خلال النزاع الإيراني.
صدّرت الصين 393 ألف برميل يوميًا من المشتقات النفطية الخفيفة والمتوسطة في يونيو، وفقًا لبيانات جمعتها شركة تحليل السلع الأساسية "كيبلر"، بانخفاض طفيف عن نحو 400 ألف برميل يوميًا في مايو، ولكنه أعلى من أدنى مستوى لها في 54 شهرًا والبالغ 338 ألف برميل يوميًا في أبريل.
لا شك أن الصين أدت دورًا هامًا في تعديل الطلب على النفط الخام خلال الأزمة الإيرانية الحالية، التي شهدت خسارة نحو 10 ملايين برميل يوميًا من إمدادات النفط الخام والمنتجات المكررة نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. لكن الصين أسهمت أيضًا في شحّ المعروض في أسواق المنتجات النفطية بتقليص صادراتها منذ أبريل. والسؤال المطروح على السوق هو: ما الذي يُرجّح أن تفعله الصين ردًا على الأزمة الراهنة؟
الأسعار عامل أساسي
إذا نُظر إلى الإجابة من منظور الأسعار، فقد تُفاجئ الصين السوق مرة أخرى. من المرجح أن تنتعش واردات الصين من النفط الخام في أغسطس وسبتمبر، إذ يُحتمل أن تكون مصافي التكرير قد اشترت الشحنات التي تمكنت من الخروج من مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار القصيرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وشهدت تلك الفترة، التي امتدت لنحو 3 أسابيع بدءًا من منتصف يونيو، انخفاضًا حادًا في أسعار النفط الخام، حيث توقعت السوق عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية من الشرق الأوسط، وبالتالي احتمال حدوث فائض في المعروض.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت القياسي إلى أدنى مستوى لها عند 70.14 دولار للبرميل في 2 يوليو، بعد أن كانت قد بلغت أعلى مستوى لها عند 126.41 دولار في نهاية أبريل. ومع ذلك، أدى تجدد الأعمال العدائية إلى ارتفاع سعر برنت مجددًا إلى 90.80 دولار للبرميل في التعاملات الآسيوية المبكرة يوم الاثنين.
ومن المرجح أن يؤدي انتعاش أسعار النفط الخام إلى تقليص مصافي التكرير الصينية لوارداتها، ما يعني انخفاضًا في الكميات الواردة بدءًا من أكتوبر فصاعدًا، نظرًا للفترة الزمنية الفاصلة بين ترتيب الشحنات وتسليمها.ويبقى مصير صادرات الصين من المنتجات المكررة غير واضح.
ربما باتت بكين واثقة الآن من قدرتها على الاستمرار بالاعتماد على مخزوناتها الضخمة من النفط الخام، والتي تُقدر بنحو 1.2 مليار برميل على الأقل.
وقد تميل الصين أيضاً إلى زيادة معدلات تكرير النفط ورفع صادرات المنتجات النفطية لتمكين شركات التكرير من الاستفادة من هوامش الربح المرتفعة في آسيا.
بلغ سعر زيت الغاز، المكون الأساسي للديزل، 143.03 دولار للبرميل في 17 يوليو، بزيادة قدرها 54.93 دولار عن سعر إغلاق خام برنت، أي ما يقارب 3 أضعاف الزيادة البالغة 18.94 دولار التي سُجلت في 27 فبراير، أي قبل يوم من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
تشير بعض الدلائل الأولية إلى أن بكين قد خففت قيودها غير الرسمية على صادرات المنتجات النفطية، حيث رصدت شركة كيبلر شحنات بلغت 787 ألف برميل يومياً من المشتقات الخفيفة والمتوسطة لشهر يوليو.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز ومتخصص في شؤون الطاقة
وتشير البيانات إلى أن الصين تمكنت من الحفاظ على استقرار سوقها المحلية عبر سحب المخزون وخفض الصادرات. ومع استمرار أزمة مضيق هرمز، قد تضطر بكين إلى إعادة تقييم سياستها التصديرية. ويترقب المراقبون تحركات الصين المقبلة لتحديد اتجاه الطلب العالمي على النفط.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.