اقتصاد المهمات .. عودة الدولة إلى مركز اللعبة الاقتصادية
اقتصاد المهمات .. عودة الدولة إلى مركز اللعبة الاقتصادية
في عالمٍ يعاني من إرث أربعة عقود من النيوليبرالية البريطانية، يأتي كتاب ماريانا مازوكاتو الجديد "اقتصاد المهمات" (Mission Economy) كدعوة صريحة لإعادة الاعتبار لدور الدولة، ليس بوصفها مراقباً للسوق بل صانعة له وموجّهة لمساره.
بعد جائحة كوفيد19، التي كشفت بوضوح حدود السوق الحرّ وعجز القطاع الخاص عن التعامل مع الأزمات الوجودية، بات من الصعب تجاهل الحاجة إلى دولة قوية، مبتكرة، وقادرة على رسم مسار جديد للرأسمالية نفسها.
أزمة الرأسمالية البريطانية
منذ ثمانينيات تاتشر، تراجع دور الدولة في توجيه الاقتصاد، فتركت السوق لتتحكم في المصير. والنتيجة: أجور راكدة، خدمات عامة متدهورة، وطبقة نخبوية راكمت ثروات طائلة على حساب الكوكب.
ومع تفشي جائحة «كوفيد-19»، ظهر الفشل على أشدّه؛ إذ بدت الحكومة عاجزة في مواجهة الأزمة، من تأخر قرارات الإغلاق إلى إخفاق برنامج الفحص والتتبع. ومع ذلك، كشفت الجائحة في الوقت ذاته عن القوة الكامنة للدولة حين تُدار بكفاءة، فهي وحدها القادرة على تحريك الموارد وحماية المجتمع.
ترى مازوكاتو أن المشكلة ليست في الدولة بحد ذاتها، بل في سوء إدارتها وتخلّيها عن دورها الاستراتيجي.
والحل، كما تقول، ليس في تقليص الحكومة، بل في إعادة ابتكارها لتصبح أكثر جرأة وفاعلية.
إعادة تخيّل الدولة
تُعد مازوكاتو من أبرز الاقتصاديين الذين أعادوا تعريف علاقة الدولة بالابتكار. ففي كتابها الشهير «الدولة الريادية» (2013) أثبتت أن الحكومات هي التي تحمّلت تاريخياً المخاطر الكبرى وراء أعظم الابتكارات التكنولوجية، من الإنترنت إلى"جي بي إس".
أما في «قيمة كل شيء» (2018)، فقد دحضت الفكرة القائلة إن القيمة الاقتصادية يصنعها القطاع الخاص وحده، مؤكدة أن الخدمات العامة تُنتج قيماً اجتماعية حقيقية تتجاهلها المقاييس الاقتصادية التقليدية.
في «اقتصاد المهمات»، تمضي خطوة أبعد، مقدّمةً دليلاً عملياً لصنّاع القرار حول كيفية توظيف قوة الدولة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، من تغيّـر المناخ إلى إصلاح أنظمة الصحة والتعليم.
من «أبولو» لاقتصاد المستقبل
يستمد الكتاب عنوانه من تجربة برنامج «أبولو» الأمريكي الذي أطلقه الرئيس جون كينيدي لوضع إنسان على سطح القمر.
ترى مازوكاتو في تلك المهمة مثالاً يُحتذى لشراكة ناجحة بين القطاعين العام والخاص حول هدف محدد وواضح. فنجاح «ناسا» لم يكن صدفة، بل ثمرة تعاون قائم على المخاطرة والابتكار والجرأة في حل المشكلات.
بيد أن مازوكاتو لا تستدعي الماضي بدافع الحنين، بل لتؤكد أن الحكومات قادرة اليوم على تبنّي «مهمات» مشابهة في طموحها، مثل القضاء على الفقر أو تطوير اقتصاد أخضر.
وتدعو إلى أن تُصاغ هذه المهمات بالشراكة مع المواطنين، بحيث تكون شاملة ومُلهمة، تدفع مختلف القطاعات نحو الابتكار وتحفّز التعاون بدلاً من المنافسة قصيرة الأجل.

قوة مبدعة لا شركة
يُفكك الكتاب مجموعة من المعتقدات الراسخة في الفكر الاقتصادي السائد. فالسوق، كما تقول مازوكاتو، ليست كياناً طبيعياً بل منظومة من القواعد يمكن تعديلها.
أما تحويل الحكومة إلى نموذج شركة خاصة فهو مسار مدمّر، لأن جوهر الدولة ليس الربح بل الصالح العام.
كذلك، فإن الاعتماد المفرط على التعاقد الخارجي وخصخصة الخدمات أضعف قدرات الدولة الجوهرية وأفقدها الكفاءة والخيال.
وتقترح مازوكاتو أن تُعيد الحكومات بناء مؤسساتها لتصبح أكثر ديناميكية، قادرة على تحمل المخاطر وابتكار الحلول.
صنّاع السياسات يجب أن يركّزوا على الأهداف النهائية – مثل مكافحة التغيّـر المناخي أو تضييق الفجوة الرقمية – بدلاً من الاقتصار على حساب العوائد الاقتصادية السريعة.
ومن ثم ستحقق النتائج الثانوية الإيجابية تلقائياً عندما تتركز الجهود على ما هو جوهري.
بين الطموح والواقعية
رغم قوة حججها، يطرح الكتاب تساؤلات صعبة: هل يمكن حقاً تطبيق «مهمات» على قضايا معقدة كالرعاية الاجتماعية أو العدالة المناخية، وهي موضوعات شديدة التسييس وتفتقر إلى أهداف قابلة للقياس مثل «الهبوط على القمر»؟
لا تقدم مازوكاتو إجابات مقنعة تماماً، فنجاح مهمة «أبولو» ارتبط أيضاً بالاستمرارية السياسية، وهو عامل نادر في الأنظمة الديمقراطية المتقلبة.
كما أن استخدام مازوكاتو لبعض مصطلحات الإدارة الحديثة مثل «خرائط المهمات» و«مؤشرات الأداء» يجعلها أحياناً قريبة من لغة الاستشاريين الذين تنتقدهم، رغم أن أكثر لحظاتها إلهاماً هي حين تدعو القارئ إلى رفع بصره نحو النجوم لا نحو العروض التقديمية.
رؤية للقرن الـ21
مع ذلك، يبقى الكتاب دعوة مفعمة بالحيوية إلى إعادة تخيّل ما يمكن أن تكون عليه الحكومة في زمن التحديات الوجودية.
بعد عقد من سياسات التقشف و«عجز الإرادة»، يقدم «اقتصاد المهمات» دفعة فكرية لصنّاع السياسات الذين سئموا من الجمود.
إنه نداء لإحياء الحلم الجماعي، ولإطلاق مشاريع كبرى توحد الطاقات الوطنية حول أهداف نبيلة، تماماً كما فعلت «أبولو» قبل نصف قرن.
تقول مازوكاتو إن على الحكومات أن تعمل «بما يشبه روح الحرب»، مستخدمة كل الموارد المتاحة لمواجهة أزمات العصر، من المناخ إلى الصحة إلى التفاوت الاجتماعي.
التقدم لا يصنعه السوق وحده، بل تحالف ذكي بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص في خدمة غاية إنسانية مشتركة.
نحو رأسمالية جديدة
منذ سبعينيات القرن الماضي، اكتفى التقدميون بالدفاع عن مكاسب دولة الرفاه القديمة، بينما استمر المحافظون في فرض رؤيتهم النيوليبرالية للعالم.
أما مازوكاتو، فترى أن الوقت قد حان لعكس المعادلة: يجب أن تعود الدولة إلى قلب المشروع الاقتصادي، ليس لتقويض الرأسمالية بل لإصلاحها من الداخل وجعلها أكثر عدلاً واستدامة.
إن «اقتصاد المهمات» ليس مجرد كتاب اقتصادي، بل بيان سياسي وفكري يدعو إلى إحياء روح الطموح الجماعي. إنه تذكير بأن الحكومات، حين تملك الرؤية والخيال، تستطيع أن تغيّـر مسار التاريخ.
المصدر: ذي جارديان
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.