تراجع منسوب النيل يُنذر بأزمة في السودان وسط جدل حول سد النهضة
أدى انحسار مياه النيل في السودان خلال يوليو إلى خروج محطات مياه عن الخدمة وتكاليف إضافية للمزارعين، بينما يربط البعض ذلك بتشغيل سد النهضة الإثيوبي، لكن خبراء يؤكدون أن الانخفاض مؤقت ويعود لأسباب موسمية.
دفع انحسار منسوب النيل في السودان خلال الشهر الحالي إلى إثارة مخاوف واسعة بين المواطنين، وأطلق تساؤلات بلغت مصر حول تداعيات تشغيل سد النهضة الإثيوبي، خاصة بعد أن تسبب هذا الانخفاض في توقف محطتين لمياه الشرب مؤقتًا.
يعتمد السودان على النيل في تلبية احتياجاته المائية للزراعة والشرب، مما يجعل أي تغير في منسوبه يؤثر مباشرة على حياة الملايين.
امتدت المخاوف إلى القطاع الزراعي في السودان، حيث يعتمد المزارعون على النيل لري محاصيلهم، واضطر بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة وتحمل أعباء مالية إضافية جراء صعوبة وصول المياه إلى المضخات.
شمل انحسار منسوب المياه هذا الشهر مناطق متعددة على ضفتي النيل، لا سيما في النيل الأزرق الممتد من الخرطوم إلى ولايتي نهر النيل والشمالية، مما أدى إلى ظهور جزر وألسنة رملية داخل مجرى النهر.
تكاليف إضافية
ويشرح المزارع عبد الله الأمين كيف كبده هذا الانحسار المفاجئ للمياه تكاليف إضافية في ري أرضه، قائلاً في مثل هذه الأيام من شهر يوليو يكون النيل في مراحل ارتفاع عالية، لكن الآن يوجد انحسار شديد. الآن قمنا بإنزال مولد سحب المياه وزيادة الخراطيم، بعد المسافة أدى إلى زيادة التكلفة بالإضافة إلى سعر الخراطيم".
وتشكو عائشة الحبيب وهي من أهالي الخرطوم من صعوبة الحصول على مياه الشرب وارتفاع تكلفتها، فتقول: "نحن نعاني من المياه. قبل أيام كان هناك تذبذب فيها، لكنها الآن غير موجودة، نأتي بها من أماكن بعيدة وفي بعض الأحيان نستعين بمركبات لنقل المياه. نحن نعاني من المياه وهي نصف الحياة".
أما حاتم محمد فعبر عن أسفه لتداعيات تراجع منسوب النيل، بقوله: "انحسار مياه النيل له تأثير فعال على المواطنين بالنسبة للزراعة والمناطق السكنية تحديداً في توتي، محطة المياه تعاني بشدة بسبب انحسار النيل وتم نقل مضخات سحب المياه إلى الضفاف، كلما ينحسر النيل يتم نقل المضخات، حتى المياه لم يعد مستواها جيداً. هناك ترسبات لأن النيل أصبح شبة متقطع".
حجم الانحسار
وأعلنت وزارة الري والموارد المائية السودانية، في بيان الأسبوع الماضي، أن الوارد اليومي إلى بحيرة خزان سد الروصيرص تراجع من 207 ملايين متر مكعب إلى 129 مليونًا بين 7 و9 يوليو، بفارق 76 مليون متر مكعب.
وفي تصريح لـ"الشرق" قال بابكر برسي، خبير المياه والأستاذ بجامعة الخرطوم إن الانخفاض الذي شهدته المناسيب خلال الفترة الماضية كان مؤقتاً؛ بسبب تراجع الوارد من سد النهضة الإثيوبي لعدة أيام، مؤكداً أن "الوارد عاد إلى الارتفاع وبدأت المناسيب في العودة إلى مستوياتها السابقة".
وأضاف برسي أن انخفاض منسوب المياه عند بعض محطات مياه الشرب يعد ظاهرة موسمية تتكرر سنوياً، وتتعامل معها الجهات المختصة عادة عبر معالجات تشغيلية.
عوامل متداخلة
من جانبه، قال خبير المياه السوداني سامي محمد أحمد السيد، إن انحسار مياه النيل لا يمكن تفسيره بعامل واحد، مشيراً إلى أن القراءة العلمية لهذه الظاهرة تستوجب النظر إلى مجموعة عوامل متداخلة، مع ضرورة التمييز بين انخفاض منسوب النهر في موقع محدد وبين انخفاض التصريف السنوي للنيل ككل.
وأوضح سامي أن السد الإثيوبي أصبح عاملاً رئيسياً في تفسير كثير من التغيرات في تدفقات النيل، خاصة مع بدء تشغيله وملء خزانه وإدارته من قبل الجانب الإثيوبي، لكنه أكد أن "اختزال ظاهرة الانحسار في السد وحده لا يعكس الصورة كاملة، باعتبار أن كمية الأمطار السنوية، وحجم التخزين، وسياسة التشغيل، وتوقيتات التصريفات، كلها عوامل مؤثرة".
وشدد خبير المياه السوداني سامي محمد أحمد السيد على أن "الحكم بوجود جفاف طويل الأمد للنيل يحتاج إلى بيانات رسمية حول التصريفات اليومية والشهرية، ومناسيب الخزانات، والأمطار في حوض النيل، وكميات المياه الخارجة من سد النهضة والسدود السودانية".
في الوقت نفسه اعتبر الخبير المائي أن "غياب اتفاق ملزم لتشغيل السدود وتبادل البيانات بين دول حوض النيل يزيد صعوبة التخطيط لإدارة السدود السودانية، وقد ينعكس على قطاعات الزراعة ومياه الشرب والطاقة الكهرومائية".
ولم تتلق "الشرق" رداً من وزارة الزراعة والري السودانية على استفساراتها بشأن التطورات الأخيرة، واكتفت الوزارة ببيانها الصادر في الأسبوع الماضي، الذي أوضحت فيه أن انخفاض منسوب النيل خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو، يعود إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة، مؤكدة أن الوضع المائي العام مستقر، وأن المناسيب بدأت في التعافي.
وزير الري المصري: مؤشرات مبكرة
أما في مصر فحذر هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري من التسرع في تقييم فيضان العام المائي الحالي لنهر النيل، لافتاً إلى أن "إيراد الهضبة الإثيوبية سجل خلال يونيو الماضي مستويات أعلى من المتوسط، قبل أن يتراجع في يوليو الجاري إلى ما دون معدلاته المعتادة حتى الآن".
وأضاف سويلم في تصريح لـ"الشرق" أن هذه "المؤشرات لا تزال مبكرة ولا تسمح بتقييم دقيق لحالة الفيضان"، موضحاً أن "الرؤية ستصبح أكثر وضوحاً مع تقدم موسم الأمطار ووصول جانب كبير من إيراد النيل الأزرق خلال أسابيع، بالتزامن مع توافر مزيد من البيانات الهيدرولوجية والمناخية".
وأكد الوزير المصري أن "التقديرات الخاصة بتدفقات المياه من منطقة البحيرات الاستوائية خلال أشهر مارس وأبريل ومايو، أظهرت مستويات أعلى من المتوسط، مشيراً إلى أن وزارة الري المصرية تعتمد على منظومة متكاملة لرصد المتغيرات المرتبطة بإيرادات النيل والتنبؤ بها.
ومضى سويلم قائلاً إن "استمرار الإدارة الأحادية لسد النهضة الإثيوبي، في غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيله ويوفر آلية منتظمة لتبادل البيانات، يزيد صعوبة إدارة الموارد المائية، ويفرض تحديات إضافية على تشغيل السدود والمنشآت الواقعة أسفله، خصوصاً في السودان، في ظل الاضطرابات التي يشهدها".
وشدد سويلم على أن "مياه النيل تمثل أحد ملفات الأمن القومي المصري، إذ تعتمد عليها البلاد في توفير نحو 98% من مواردها المائية المتجددة"، مؤكداً أن مصر لن تقبل بالإضرار بحقوقها المائية، وستواصل "اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها المائي ومصالحها الوطنية".
خبير مائي: قدر من المبالغة
في مصر أيضاً يقول الخبير المائي الدكتور عباس شراقي، إن هناك "قدراً من المبالغة" في تقدير حجم انحسار مياه النيل بالسودان، موضحاً أن المشاهد المتداولة للانحسار لا تعود إلى المجرى الرئيسي للنهر، وإنما إلى بعض فروعه والمناطق البعيدة عنه، التي تعتمد على محطات لرفع المياه وإيصالها إليها.
وأضاف شراقي، في تصريح لـ"الشرق" أن تراجع مناسيب المياه يرجع إلى مجموعة عوامل متداخلة، من بينها انخفاض كميات المياه الواردة من النيل الأزرق عبر سد النهضة خلال الفترة الأخيرة بصورة طفيفة عن المعدلات المعتادة، مؤكداً أن هذا الانخفاض لا يكفي بمفرده لتفسير حجم المشكلة.
وأشار الخبير المصري إلى أن "إثيوبيا تدير سد النهضة بصورة منفردة، من خلال زيادة التصريفات أو خفضها دون تنسيق مسبق مع مصر والسودان، بما يعزز الحاجة إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات ملء السد وتشغيله ويراعي مصالح الدول الثلاث".
وأوضح شراقي أن تدهور البنية التحتية في السودان يمثل عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة، مشيراً إلى أن الحرب في السودان أدت إلى تدهور شبكات الري وضعف الخدمات.
وأكد الخبير المائي أن و"ضع السودان يختلف عن مصر، نظراً إلى عدم امتلاكه قدرة تخزينية مماثلة للسد العالي في مصر، ما يجعله أكثر تأثراً بالتغيرات المفاجئة في تصريفات سد النهضة؛ إذ يؤدي خفض التصريف إلى تراجع مناسيب المياه، بينما قد يزيد إطلاق كميات كبيرة بصورة مفاجئة مخاطر الفيضانات".
وتبلغ السعة التخزينية لسد النهضة الإثيوبي نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، ورفضت أديس أبابا مراراً إبرام اتفاقاً بخصوصه مع دولتي المصب، مصر والسودان، لتنظيم عمليات الملء والتخزين والتشغيل خاصة في سنوات الجفاف، مؤكدة أن السد لن يضر بتدفقات المياه إليهما.
يُذكر أن سد النهضة الإثيوبي بدأ التشغيل التجريبي في 2022، ويُثير جدلاً مستمرًا بين مصر والسودان بشأن تأثيره على حصتيهما المائية. ورغم تأكيدات إثيوبيا أن ملء السد لن يضر الدولتين، إلا أن حالات الانحسار الحالية تزيد من حدة المخاوف. ويتوقع خبراء أن تظل مسألة توزيع مياه النيل محور نقاشات إقليمية في الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار تغير المناخ وزيادة الطلب على المياه.
المصدر الأصلي: الشرق للأخبار
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.