شهدت أسواق النفط العالمية تقلباً ملحوظاً تحت حالة “اللا سلم واللا حرب” التي تسود المنطقة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية المحدودة والتهديدات التي ترتفع وتنخفض حدتها حول الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، دون الوصول إلى صراع شامل أو تسوية دائمة.

بافتراض استمرار هذا الوضع الرمادي دون تصعيد كبير أو انفراج حقيقي، فإن هذه الحالة تمثل تحدياً بنيوياً لتوازن أسواق الطاقة، مع تداعيات مباشرة على ديناميكيات العرض والطلب ومستويات الأسعار.

تسهم حالة التوتر المزمن في فرض علاوة مخاطر جيوسياسية مستمرة، تضيف عدة دولارات إلى سعر البرميل، حتى مع توفر فائض إنتاجي من أوبك+ والمنتجين الآخرين. فهذا الغموض يُبقي الأسواق في حالة توتر دائم، حيث يدفع أي خبر تصعيدي الأسعار إلى الارتفاع السريع، بينما تؤدي أي أخبار عن تهدئة مؤقتة تقود إلى تراجع حاد.

في الوقت ذاته بدأت أسعار برنت وخام غرب تكساس تتأرجح في نطاقات غير مستقرة، متأثرة بالمخاوف الأمنية في الملاحة والإمدادات. لقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتباطؤ بعض الاستثمارات في مشاريع الإنتاج الجديدة.

ورغم قدرة بعض الدول المنتجة وعلى رأسها السعودية على إيجاد بدائل وتنويع مسارات تصدير بعيداً عن مضيق هرمز مركز الصراع والنقطة الحاسمة في المفاوضات فإن التكلفة الاقتصادية لا تزال مؤثرة في الاقتصادات المستوردة وعلى استقرار الأسواق العالمية.

الآن، ومع استمرار حالة “اللا سلم واللا حرب”، تتجه التوقعات إلى بقاء علاوة المخاطر قائمة، ما يدفع الأسعار نحو نطاق مرتفع نسبياً مقارنة بالأساسيات الاقتصادية البحتة. فإضافة أي اضطراب محدود قد يرفع برنت نحو 80-85 دولاراً أو أكثر، خاصة مع تأثر تدفقات الخليج ودول أخرى.

لن تقتصر التأثيرات على العرض وحده، بل تمتد إلى الطلب حيث يواجه الاقتصاد العالمي تحديات من تباطؤ النمو في بعض الأسواق الكبرى، مدعوماً بارتفاع تكاليف الطاقة.

ومع ذلك، قد يوفر الطلب الصناعي وموسم الصيف بعض الدعم الموسمي الذي يرتبط عادة بنمو الطلب نتيجة موسم الرحلات الطويلة في أمريكا الشمالية واستهلاك عال للوقود بما فيه وقود الطائرات، التي تنمو أعداد رحلاتها في الصيف كما أن نسب استهلاك الطاقة في موسم حار، أدى إلى وفيات في القارة الأوروبية هذا الصيف. 

الأسواق تراقب بدقة أي تطورات سياسية أو عسكرية جديدة، فأي تصعيد قد يعيد علاوة الحرب بقوة، بينما أي تقدم دبلوماسي محدود قد يخفف الضغط مؤقتاً. لذا يعتمد مسار الأسعار طويل الأمد على قدرة الأطراف على إدارة التوترات وتجنب الانهيار إلى حرب شاملة، مع عودة السوق تدريجياً إلى أساسيات العرض والطلب ومؤشرات النمو العالمي ومعدلات إنتاج الدول الرئيسية.

الأساسيات الاقتصادية ستظل العامل الحاسم في أسواق النفط، وقد تشهد الأسعار تقلبات ملحوظة خلال الفترة المقبلة، لكن استمرار حالة الغموض الجيوسياسي سيبقيها أكثر ارتفاعاً وتقلباً مما تستدعيه الظروف الاقتصادية. أما أسواق النفط فستبقى أقل مرونة حتى يتحقق استقرار سياسي يسمح بعودة التدفقات الطبيعية واستيعاب الكميات المتاحة بكفاءة.

خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة