ملخص

أفاد تجار في السلع الاستهلاكية بأن الأسعار تشهد صعودًا مستمرًا بفعل تفاقم انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، وامتناع التجار عن عرض سلعهم خوفًا من الخسائر، مما أدى إلى انكماش حركة البيع والشراء. وفي المقابل، يرى خبراء اقتصاد أن الحل يكمن في إحياء التصنيع المحلي لدعم الاقتصاد في مواجهة الضغوط الخارجية، بالإضافة إلى مكافحة الفساد والحد من المضاربات على العملة.

وتعكس هذه التطورات حجم الأزمة المعيشية الخانقة التي يعانيها السودانيون في ظل الحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية.

في أسواق العاصمة الخرطوم، تتوالى الزيادات في أسعار السلع الاستهلاكية، حيث بلغت نسبتها 50 في المئة، وذلك نتيجة لتقلبات سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في السوق الموازية، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل. وتفاقمت معاناة المواطنين جراء الضغوط المعيشية المتزايدة الناجمة عن الحرب الجارية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

وبحسب تجار يعملون في مجال السلع الاستهلاكية، فإن الأسعار ترتفع بصورة مطردة بسبب استمرار تدهور الجنيه أمام العملات الأجنبية وإحجام التجار عن طرح بضائعهم؛ خشية تكبد خسائر فادحة، مما أسهم في تراجع حركة البيع والشراء، في وقت يؤكد مختصون في الاقتصاد أن الضرورة تقتضي استعادة التصنيع المحلي، بما يعزز قدرة الاقتصاد لمواجهة الضغوطات الخارجية، فضلاً عن مكافحة الفساد والحد من المضاربات على العملة الأجنبية.

حزمة تدابير

سبق أن أعلن "بنك السودان المركزي" ضخ 400 مليون درهم (نحو 666.111 دولاراً أميركياً) للمصارف لتلبية طلبات الاستيراد، ووفق محافظة البنك آمنة ميرغني، فإن تدخلات البنك وتنفيذ سياساته أدت إلى انخفاض ملحوظ في سعر الصرف، مؤكدة استمرار عمليات الضخ لحين عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وكذلك ضخ النقد الأجنبي لتلبية احتياجات المستورين، وأشارت ميرغني إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار جهود البنك المركزي لتحقيق استقرار سعر الصرف.

في أبريل الماضي، أصدرت الحكومة السودانية قرارًا بحظر استيراد 46 سلعة بهدف خفض الطلب على العملات الأجنبية، في ظل اختلالات هيكلية يعاني منها الاقتصاد نتيجة الصراع الراهن، تشمل تراجع الواردات وزيادة النفقات، إلى جانب نقص حاد في موارد النقد الأجنبي.

تقلبات السوق

في السياق، قالت المواطنة سمية محمد وهي ربة منزل تقيم في ضاحية الفتيحاب بأم درمان "في كل صباح جديد نظل نترقب تقلبات السوق في شأن ارتفاع الأسعار التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، وهاجساً يؤرق مضاجع غالبية البيوت السودانية عقب عودة السكان إلى مناطقهم"، وأضافت محمد أن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية قلّص قدرة الأسر على الشراء وغيّر من نمط الحياة بإضعاف تلبية الحاجات الأساسية، في حين لا يمكن بأي حال الاستغناء عن السلع الضرورية مثل الزيت والبصل والدقيق والعدس والأرز، لجهة أن معظم المواطنين باتوا يعتمدون على هذه السلع كغذاء رئيس بعد عزوفهم عن شراء اللحم الذي بلغ سعر الكيلوغرام الواحد منه حوالى 48 ألف جنيه (20 دولاراً)، وكذلك الأمر بالنسبة للخبز الذي تباع ثلاث قطع منه بـ1000 جنيه (ما يعادل 1.20 دولار)، فضلاً عن ارتفاع جنوني في سعر غاز الطهي، إذ بلغ سعر الأسطوانة حجم 12.5 كيلوغرام 100 ألف (40 دولاراً)".

وتابعت "أصبحنا في حيرة كيف نجاري هذه الأسعار التي باتت فوق طاقة المواطن البسيط الذي يعاني هشاشة اقتصادية في ظل غياب مصادر دخل ثابتة، وإنفاق مدخراته أثناء النزوح مع الافتقار إلى آليات رسمية تحمينا من موجة الغلاء المتصاعدة"، وأشارت ربة المنزل إلى أنه "من المستغرب أن المواطنين أصبحوا يلتفون حول الباعة الجائلين الذين يبيعون بحسب حاجة الأسر رافعين شعار: قدر ظروفك، بمعنى الشراء بكميات قليلة أو الشراء بحسب متطلبات اليوم، في حين كنا في فترة ما قبل الحرب نشتري احتياجات شهر بأكمله".

اقرأ المزيد

تخزين السلع

من جهته، أشار معاوية إبراهيم أحد تجار سوق أم درمان إلى أن "التدهور الحاد في قيمة الجنيه، إلى جانب إحجام بعض التجار عن طرح البضائع المخزنة خشية تكبد خسائر أسهما في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وتراجع حركة البيع والشراء"، وأوضح إبراهيم أن "معظم التجار في مدينة أم درمان الكبرى أوقفوا استيراد السلع من خارج البلاد بعد وصول سعر الصرف مقابل الدولار إلى 5 آلاف جنيه في السوق الموازية، مع تزايد الطلب على النقد الأجنبي وشح توفره في البنوك"، ولفت إلى أن "الزيادة في أسعار المواد الغذائية بلغت 50 في المئة شملت المواد الأساسية مثل الدقيق والسكر والشاي والأرز والعدس والزيوت، وكنا استبشرنا خيراً بأن هناك تعافياً طفيفاً بدأ في انخفاض الجنيه مقابل الدولار في الشهر الماضي، لكن سرعان ما عاد إلى الارتفاع حتى وصل إلى حاجز 6 آلاف جنيه مقارنة بنحو 4800 جنيه قبل موجة الارتفاع"، واستطرد "معظم التجار توجهوا إلى شراء النقد الأجنبي تخوفاً من فقدان قيمة مدخراتهم بالعملة المحلية، الأمر الذي يزيد من حدة المضاربات في الأسواق الموازية".

وزاد "من المؤسف أن سلطة الجمارك السودانية رفعت سعر الدولار الجمركي من 3517 جنيهاً إلى 3743 جنيهاً، بزيادة بلغت 6.4 في المئة، ما يتوقع أن ينعكس سلباً على أسعار السلع المستوردة خلال الفترة المقبلة"، وتوقع التاجر بسوق أم درمان "استمرار انخفاض قيمة الجنيه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي تمر بها البلاد، وفشل الحلول التي تهدف إلى الحد من تدهوره".

ضغوط متزايدة

في السياق، قال الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة، إن "السودان يمر بظروف بالغة التعقيد نتيجة استمرار النزاع، مما أدى إلى انعكاسات سلبية على المواطنين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية متزايدة في طبيعة الحياة، على رغم الجهود المبذولة لبحث حلول لمعالجة الاختلالات الاقتصادية لتحسن مستوى المعيشة وكبح جماح سعر الصرف غير أنها لم تحظَ بتحقيق النتائج المنشودة"، وتابع جمعة "من الواضح أن هناك فجوة كبيرة بين حركة العملة ومستوى الأسعار، إذ إن التحسن الطفيف لم يؤثر على استقرار الأسعار داخل الأسواق المحلية"، وتابع أن "نجاح سياسة البنك المركزي تتمثل في استدامة ضخ النقد الأجنبي، إذ إن أي ضخ موقت سيؤدي إلى عودة ارتفاع الأسعار وانفلاتها، لأن استقرار سوق العملة يتطلب معالجة الأسباب الهيكلية لنقص النقد الأجنبي وترشيد الواردات، وبناء احتياطات كافية من العملات"، وختم الباحث الاقتصادي حديثه قائلاً "في تقديري أن معالجة الأزمة الاقتصادية التي أصبحت متجذرة تتطلب استعادة الإنتاج المحلي، بما يعزز قدرة الاقتصاد لمواجهة الضغوطات الخارجية".

إصلاحات شاملة

على صعيد متصل، رأى المحلل الاقتصادي هيثم فتحي أن "ضخ النقد الأجنبي للبنوك غير كافٍ لإعادة التوازن لسوق العملات أو تحقيق استقرار دائم للجنيه، لا سيما أن الاقتصاد السوداني يعاني نقصاً مزمناً في مصادر الدولار المستدامة، مما يفاقم الضغط على العملة الصعبة، ويخلق حاجة مستمرة لتوفير الدولار لتغطية الاحتياجات الأساسية"، ودعا فتحي إلى "إصلاحات شاملة تشمل ضبط الإنفاق العام وإقرار ميزانية واضحة ومكافحة الفساد والحد من المضاربة على العملة الأجنبية"، ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن "السوق الموازية لا تختفي بقرارات إدارية أو حملات أمنية، بل تتمدد وتنكمش وفق الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وتنشأ عندما يكون الوصول إلى الدولار عبر القنوات الرسمية محدوداً أو عندما يكون السعر الرسمي بعيداً من سعر التوازن الحقيقي".

تواجه السياسات النقدية في السودان تحديات كبيرة في ظل نقص الاحتياطي من النقد الأجنبي وارتفاع الطلب عليه. وتشير التوقعات إلى استمرار ضعف الجنيه ما لم تُتخذ إجراءات جذرية لإصلاح الهيكل الاقتصادي وتعزيز الإنتاج المحلي. وتبقى جهود مكافحة الفساد والحد من المضاربات عاملاً حاسماً في استقرار الأسواق.