قبل عقدين من الزمن، كان يضطر سكان العاصمة السعودية الرياض إلى التوجه "وسطا" لحي المربع لشراء الأسماك، حيث كانت أغلبية محال البيع والطهي تتركز فيه. لكن المشهد اليوم فرض واقعا مختلفا.

يستطيع أي شخص الآن الوصول إلى مطعم أسماك يبعد عن منزله 5 دقائق فقط، بل ويحتار بين عشرات الخيارات المنتشرة في الحي الواحد.

لم تعد الظاهرة مجرد انطباعا ملحوظا من سكان الأحياء، بل تؤكدها الأرقام الرسمية. فقد أظهرت بيانات وزارة التجارة السعودية، التي حصلت عليها "الاقتصادية"، ارتفاع عدد السجلات التجارية القائمة لنشاط محلات شواء الأسماك والمأكولات البحرية في مدينة الرياض إلى 11,898 سجلًا تجاريا العام الماضي، مقابل 8,215 سجلًا في 2024، بزيادة نحو 45%.

رصدت "الاقتصادية" ميدانيا وجود أكثر من محل أسماك في الشارع التجاري الواحد كمشهد معتاد في أحياء اليرموك والمونسية والنسيم شرقي الرياض.

يبيع المحل المتوسط في هذه الأحياء ما بين 150-250 كيلوجراما من الأسماك يوميًا، مستفيدًا من الكثافة السكانية والطلب المتزايد على الوجبات البحرية.

في غرب وجنوب الرياض، مثل لبن والشفا والسويدي، فقد جاء انتشار هذه المحلات ليغيّر طبيعة الخيارات الغذائية المتاحة للسكان، بعدما أصبحت وجبة السمك متوفرة بالقرب من المنازل بأسعار تراوح بين 35-55 ريالًا للكيلوجرام لعدد من الأصناف الأكثر طلبًا، مثل السيبريم والدنيس والبلطي.

لم يتوقف التوسع عند الأحياء ذات الكثافة السكانية، بل امتد إلى أحياء الشمال ووسط الرياض، حيث أصبحت محلات بيع وشواء الأسماك جزءًا من المشهد التجاري اليومي، مقدمةً خيارًا سريعًا للمستهلك الباحث عن الأسماك الطازجة دون الحاجة إلى التوجه للأسواق المركزية أو قطع مسافات طويلة.

تحول في سلاسل الإمداد

يعود جزء كبير من هذا التوسع إلى التحول الذي شهدته سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة.

ففي السابق كان إيصال الأسماك طازجة إلى الرياض يمثل تحديًا لوجستيًا. أما اليوم فقد أسهمت منظومة النقل المبرد في نقل الشحنات من البحر الأحمر والخليج العربي إلى العاصمة خلال ساعات.

رفع هذا جودة المنتج وخفّض الفاقد، وشجّع المستثمرين على افتتاح محلات داخل الأحياء بدلاً من الاكتفاء بالأسواق المركزية.

أسهم التوسع في مشروعات الاستزراع السمكي داخل السعودية أيضا في زيادة المعروض من الأسماك، بعد ارتفاع إنتاج المزارع السمكية بدعم من برامج تطوير قطاع الثروة السمكية.

خفّف هذا من الاعتماد الكامل على الصيد البحري ووفّر إمدادات أكثر استقرارًا لمحلات التجزئة والمطاعم في المدن الكبرى، وفي مقدمتها الرياض.

Untitled design(10)

2.76 % نمو متوقع لسوق المأكولات البحرية في الرياض

توقعت دراسة مستقبلية لسوق المأكولات البحرية في السعودية تحقيقها نموا سنويا بمعدل 2.76% ليبلغ 1.18 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وفقا لـ "Mordor Intelligence".

من المعادلات اللافتة في سوق الأسماك، من حيث الإدارة التجارية، ما يمكن أن يطلق عليه "سرعة دوران رأس المال".

يتجه صاحب المحل مع ساعات الفجر الأولى إلى سوق الجملة لشراء بضاعته اليومية بمبالغ تراوح بين 4-7 آلاف ريال، قبل أن يعيد بيعها للمستهلكين خلال ساعات قليلة لتتحول قيمة المشتريات إلى سيولة نقدية مضافًا إليها هامش الربح قبل نهاية اليوم.

وبحسب متعاملين في السوق، لا تعتمد الربحية على بيع الأسماك النيئة فقط، بل ترتفع بصورة ملحوظة مع خدمات التنظيف والطهي والشوي، التي تراوح رسومها بين 15-25ريالًا للكيلوجرام، إضافة إلى بيع الأرز والمقبلات.

في بعض المحلات ذات الإقبال المرتفع قد تتجاوز الأرباح الصافية 70 ألف ريال شهريًا، بحسب حجم المبيعات وموقع المحل.

صورة من

صورة من "واس"

صورة من واس

انتقال أعداد كبيرة من السكان إلى العاصمة

يرى عاملون في القطاع أن الطلب تأثر بانتقال أعداد كبيرة من سكان المناطق الساحلية إلى العاصمة.

يقول خالد المالكي القادم من جدة إنه عندما انتقل إلى الرياض قبل سنوات كان أكثر ما افتقده هو سهولة الحصول على السمك الطازج، إذ كان الوصول إليه يتطلب الذهاب إلى الأسواق المركزية.

أصبح المالكي اليوم يجد أكثر من محل متخصص على بعد دقائق من منزله، وهو ما غير عاداته الشرائية وجعل تناول الوجبات البحرية خيارا أسبوعيا بعد أن كان مناسبة تحتاج إلى تخطيط.

لم تكن المنطقة الوسطى تاريخيًا من أكثر مناطق السعودية اعتمادًا على الأسماك ضمن الوجبات اليومية مقارنة بالمناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر والخليج العربي.

يرجع الأمر إلى محدودية توفر الأسماك الطازجة في السابق، وارتفاع تكاليف نقلها الأمر الذي جعل اللحوم والدواجن تتصدر المائدة في كثير من المنازل إلا أن تطور النقل المبرد، والتوسع في الاستزراع السمكي، وانتشار محلات البيع والطهي داخل الأحياء، أسهم في تغيير هذا النمط، وأصبحت الأسماك اليوم أكثر حضورًا على موائد سكان العاصمة.

لم يعد نجاح محلات الأسماك في الرياض قائمًا على بيع المنتج فحسب، بل على تغيير مفهوم الوصول إليه.

فما كان يتطلب رحلة إلى سوق متخصصة، أصبح اليوم متاحًا في معظم الأحياء، وبينما تستمر السجلات التجارية في النمو عامًا بعد عام، يبدو أن المنافسة لم تعد على بيع السمك فقط، بل على من ينجح في أن يكون الأقرب إلى المستهلك، والأسرع في تقديم وجبة بحرية طازجة من قلب الحي.