شهدت المالية العامة في السعودية نقلة نوعية في التنظيم بعد إقرار مجلس الوزراء لنظام «إيرادات الدولة» المحدث في جلسته الأخيرة التي ترأسها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. ويعد هذا التحديث التشريعي تحولاً استراتيجياً في إدارة المال العام، متجاوزاً النمط التقليدي لجباية الرسوم نحو أسس متكاملة للحوكمة المالية والتخطيط طويل الأمد.

ويأتي تحديث النظام ضمن مساعي المملكة لترشيد الإنفاق وزيادة كفاءة الإيرادات غير النفطية دعماً لرؤية 2030.

لا يقتصر دور النظام الجديد على الجانب التنظيمي، بل يمثل ضمانة للاستدامة المالية في المدى المتوسط والطويل من خلال ضبط دقيق لتدفقات الإيرادات العامة بدءاً من التقدير الأولي وصولاً إلى التسوية النهائية.

جلسة مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يوم الثلاثاء (واس)
جلسة مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يوم الثلاثاء (واس)

توسيع المظلة وحوكمة التدفقات السيادية

أخضع النظام المحدث جميع قنوات التدفقات المالية العامة لرقابة تنظيمية دقيقة، موسعاً مظلة الإيرادات لتشمل باقة شاملة من المصادر الهيكلية والسيادية. وتضم هذه المظلة الثروات الطبيعية والموارد الوطنية التي تشكل الثقل السيادي الأكبر، إلى جانب الرسوم والضرائب والمقابل المالي والأجور التي تمثل الروافد الأساسية لتمويل الموازنة العامة غير النفطية.

كما أدخل النظام عوائد التخصيص والشراكات مع القطاع الخاص كبند مستقل وبارز ينسجم تماماً مع مستهدفات «رؤية 2030» الهادفة إلى توسيع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي.

ويمتد التنظيم ليشمل أصول وأملاك الدولة من خلال ضبط عمليات البيع والتأجير، وعوائد التمويل والاستثمار المتنوعة، بالإضافة إلى مصادر أخرى تشمل الغرامات والجزاءات، والتعويضات، والتبرعات والهبات والمنح والوصايا، وريع الأوقاف، وصولاً إلى أموال الزكاة وأي قنوات إيرادية أخرى يقرها مجلس الوزراء.

أتقدم بالشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد رئيس #مجلس_الوزراء –حفظهما الله– بمناسبة موافقة مجلس الوزراء على تحديث #نظام_إيرادات_الدولة، والذي يعكس حرص القيادة الرشيدة على تطوير المنظومة المالية وتعزيز كفاءة إدارة الإيرادات الحكومية، وترسيخ مبادئ الحوكمة والانضباط... https://t.co/NwHQoJDmIg

— محمد عبدالله عبدالعزيز الجدعان | Mohammed Aljadaan (@MAAljadaan) July 14, 2026

استشراف الإيراد لـ10 سنوات

يمثل البعد الزمني التنبؤي أحد أهم التحولات الهيكلية في النظام، إذ ينتقل بتقدير الميزانية من الإطار السنوي إلى آفاق استراتيجية أوسع. ويمنح النظام وزارة المالية صلاحية تقدير الإيرادات لمدة تصل إلى عشر سنوات مالية، استناداً إلى البيانات والخطط المقدمة من الجهات الحكومية.

وتتميز هذه الآلية بمرونة عالية تتيح لوزارة المالية مراجعة تلك التقديرات وتعديلها دورياً أو عند حدوث أي متغيرات اقتصادية ومالية طارئة في الأسواق المحلية أو العالمية، مما يرفع من دقة التنبؤ المالي ويحد من الفجوات التقديرية في الميزانية العامة.

وينظم النظام آليات تحصيل الإيرادات، إذ تلتزم الجهات الحكومية بتحصيل الإيرادات المستحقة في مواعيدها المحددة، وإثباتها خلال السنة المالية، وتحويل جميع إيراداتها إلى حساب وزارة المالية لدى البنك المركزي السعودي وفق المواعيد التي تحددها اللائحة التنفيذية.

تحصيل الدين

وفيما يتعلق بالمستحقات الحكومية، يلزم النظام الجهات بمطالبة المدين في يوم العمل التالي لاستحقاق الدين، وفي حال عدم السداد خلال 45 يوم عمل من تاريخ المطالبة، تبدأ الإجراءات النظامية اللازمة لتحصيل الدين.

كما أتاح مرونة في معالجة الديون الحكومية، إذ أجاز تأجيل تحصيل الدين لمدة لا تتجاوز سنة واحدة في الحالات الطارئة، وأكد أن دين الدولة يعد ديناً ممتازاً وله الأولوية في التحصيل ولا يسقط بالتقادم.

ووضع النظام ضوابط للإعفاء والتقسيط، حيث يمكن الإعفاء الجزئي أو الكلي من الدين الذي لا يتجاوز مليون ريال وفق ضوابط محددة تشمل التحقق من عجز المدين عن الوفاء، فيما يتطلب الإعفاء من الديون التي تتجاوز مليون ريال موافقة رئيس مجلس الوزراء بناءً على توصية وزير المالية.

كما أجاز تقسيط الديون التي لا تتجاوز مليون ريال لمدة تصل إلى 5 سنوات، في حين يمكن تقسيط الديون الأكبر أو التي تتجاوز مدة 5 سنوات بموافقة وزير المالية أو من ينيبه، على ألا تتجاوز مدة التقسيط 25 عاماً.

من التحصيل إلى إدارة الإيرادات

وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» أن النظام يمثل تحولاً في إدارة الموارد الحكومية، من التركيز على تحصيل الإيرادات إلى بناء منظومة متكاملة تشمل التخطيط والتقدير والتحصيل وإدارة المستحقات، بما يعزز كفاءة المالية العامة ويدعم مستهدفات الاستدامة المالية في السعودية.

وفي هذا الإطار، قال الدكتور عبد الله المير، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، لـ«الشرق الأوسط»، إن النظام الجديد يمثل انتقالاً إلى نموذج أكثر شمولاً لإدارة الإيرادات الحكومية، يبدأ من تقدير الإيرادات والتخطيط لها، مروراً بعمليات التحصيل، وانتهاءً بإدارة الديون والمستحقات والرقابة على الأداء.

وأضاف أن «النظام المحدث يمثل تحولاً من نموذج يركز على تحصيل الإيرادات إلى إدارة دورة الإيراد الحكومي بشكل كامل، ابتداءً من التقدير والتخطيط، مروراً بالتحصيل، وانتهاءً بإدارة الديون والمستحقات والرقابة على الأداء».

وزير المالية محمد الجدعان يتحدث في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية محمد الجدعان يتحدث في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وأوضح أن أبرز التحولات التي يحملها النظام تتمثل في الانتقال إلى إدارة الإيرادات بشكل استراتيجي، مبيناً أن النظام السابق كان يركز بصورة أكبر على حصر الإيرادات وتحصيل الديون المستحقة، بينما يضيف النظام الجديد مفهوم التخطيط المالي على المديين المتوسط والطويل.

وأشار المير إلى أن النظام يمكّن الجهات الحكومية من تقدير الإيرادات لفترات تمتد إلى 10 سنوات، مع إعادة تقييمها عند حدوث متغيرات اقتصادية، موضحاً أن ذلك «سينعكس على رفع دقة التنبؤ بالإيرادات الحكومية، وتحسين إعداد الميزانية على المديين المتوسط والبعيد، وتعزيز القدرة على إدارة المخاطر المالية».

دعم الكفاءة المالية

وأكد المير أن النظام الجديد سيسهم في رفع الكفاءة المالية عبر تقليص الفجوة بين الإيرادات المقدرة والمحصلة، إضافة إلى إتاحة إجراءات أسرع للمطالبة بالمستحقات الحكومية فور استحقاقها.

وقال إن «النظام يلزم الجهات الحكومية بالمشاركة في تقدير الإيرادات وتطوير وحدات متخصصة لتنمية الإيرادات عند الحاجة»، مبيناً أن ذلك يعزز مسؤولية الجهات عن إدارة مواردها المالية ورفع كفاءة التحصيل.

وفيما يتعلق بالإيرادات غير النفطية، توقع المير أن يكون أثر النظام إيجابياً، نظراً لأنه يمنح الجهات الحكومية مسؤولية مباشرة عن تنمية الإيرادات وليس فقط تحصيلها.

وأضاف أن «تنمية الإيرادات غير النفطية لا تعتمد فقط على فرض رسوم أو مصادر دخل جديدة، وإنما ترتبط أيضاً برفع كفاءة إدارة الإيرادات الحالية وتحسين آليات التحصيل وإدارة المستحقات الحكومية».

ولفت إلى أن النظام يلزم الجهات الحكومية بإجراء دراسات وتحليلات قبل اقتراح أي رسوم أو مقابل مالي أو ضريبة، بما يساعد على تحقيق التوازن بين تنمية الإيرادات ودعم النشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن إضافة العوائد المالية الناتجة عن التخصيص كمصدر مستقل للإيرادات ينسجم مع برامج التخصيص والشراكة مع القطاع الخاص المرتبطة بمستهدفات «رؤية 2030».

وضوح المسؤوليات وتعزيز الحوكمة

من جانبه، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، لـ«الشرق الأوسط»، إن النظام المحدث يمثل نقلة نوعية من مفهوم تحصيل الإيرادات إلى إدارة دورة الإيرادات الحكومية بشكل متكامل، تبدأ من تقدير الإيرادات وتسجيلها ومتابعتها، وصولاً إلى تحصيلها ومعالجة المتأخرات.

وأوضح العطاس أن النظام يسهم في تحديد مسؤوليات الجهات الحكومية بشكل أكثر وضوحاً، وتوحيد الإجراءات، بما يقلل التباين في التطبيق ويرفع كفاءة التحصيل، متوقعاً أن ينعكس ذلك على تحسين جودة التخطيط المالي وتقليل الفاقد وتعزيز الانضباط المالي.

وأشار إلى أن تعزيز الإيرادات غير النفطية لا يرتبط فقط بإضافة مصادر جديدة للدخل، بل يعتمد أيضاً على رفع كفاءة إدارة الإيرادات القائمة، مبيناً أن تحسين آليات التحصيل وتقليل التأخر في السداد وإدارة المستحقات الحكومية بصورة أكثر فاعلية يمكن أن يدعم تنمية الإيرادات بشكل مستدام.

وأضاف العطاس أن وضوح الأدوار بين الجهات الحكومية يعزز مستوى الشفافية والمساءلة، ويسهل قياس أداء كل جهة في إدارة إيراداتها، كما يرفع كفاءة الحوكمة المالية من خلال تطبيق معايير موحدة في تقدير الإيرادات والتحصيل ومعالجة المستحقات.

مرونة أكبر في إدارة الديون والمستحقات

وفي جانب إدارة الديون الحكومية، أكد العطاس أن النظام يحقق توازناً بين رفع كفاءة التحصيل ومراعاة أوضاع المكلفين، من خلال إتاحة أدوات مثل الجدولة والتقسيط وفق ضوابط محددة، بما يساعد على رفع الالتزام الطوعي وتقليل التعثر والمنازعات.

وأوضح أن النظام يمنح مرونة في التعامل مع الحالات الطارئة، من خلال إمكانية تأجيل التحصيل لفترة محددة، والسماح بالإعفاء الجزئي أو الكلي وفق ضوابط، إلى جانب التحقق من قدرة المدين على السداد قبل اتخاذ قرارات الإعفاء.

وأكد العطاس أن النظام الجديد يجسد نموذجاً حديثاً لإدارة الإيرادات الحكومية، من خلال رفع كفاءة تحصيل حقوق الدولة، والحد من تراكم الديون، مع الحفاظ على استدامة النشاط الاقتصادي ودعم نمو الاقتصاد غير النفطي.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

وتشير توقعات النظام إلى تحسين دقة التقديرات المالية بفضل التخطيط لعشر سنوات. ويعزز النظام قدرة وزارة المالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية. كما يأتي في إطار مساعي المملكة لتعزيز الشفافية والاستدامة المالية تماشياً مع رؤية 2030.